من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
بهاء الدّين ابْن النّحاس مُحَمَّد بن ابرهيم بن مُحَمَّد بن أبي نصر
الشَّيْخ
الْأَمَام الْعَلامَة حجَّة الْعَرَب بهاء الدّين أَبُو عبد الله ابْن النّحاس النَّحْوِيّ شيخ الْعَرَبيَّة)
بالديار المصرية سمع من ابْن اللتي والموفق بن يعِيش النَّحْوِيّ وَأبي الْقسم ابْن رَوَاحَة وَابْن خَلِيل ووالده وَقَرَأَ الْقُرْآن على أبي عبد الله الفاسي وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد بن عمرون وَدخل مصر لما خربَتْ حلب وَقَرَأَ الْقُرْآن على الْكَمَال الضَّرِير وَأخذ عَن بقايا شيوخها ثمَّ جلس للإفادة كَانَ حسن الْأَخْلَاق منبسطا على الْإِطْلَاق متسع النَّفس فِي حالتي الْغَنِيّ والإملاق ذكي الْفطر زكي المخالطة وَالْعشرَة مطرح التَّكَلُّف مَعَ أَصْحَابه عديم التَّخَلُّف عَن أشكاله وإضرابه وَمَعَ ذَلِك فَلم يرْزق أحد وجاهته فِي صُدُور الصُّدُور وَلَا فَرح أحد بسيادته الَّتِي آربت على تَمام البدور وَكَانَ مَعْرُوفا بِحل المشكلات مَوْصُوفا بإيضاح المعضلات كثير التِّلَاوَة والأذكار كثير الصَّلَاة فِي نوافل الأسحار موثوقا بديانته مَقْطُوعًا بأمانته وَأما علمه بِالْعَرَبِيَّةِ فاليه الرحلة من الأقطار وَمن فوايده تدْرك الْأَمَانِي وتنال الأمطار قد اتقن النَّحْو وتصريفه وَعلم حد ذَلِك ورسمه وتعريفه مَا أَظن ابْن يعِيش مَاتَ إِلَّا من حسده وَلَا ابْن عُصْفُور لأَجله طَار ذكره إِلَّا فِي بَلَده وَلَا المرسي رست لَهُ مَعَه قَوَاعِد وَلَا لأبي الْبَقَاء العكبري مَعَه ذكر خَالِد بذهن نحي النّحاس الْقَدِيم عَن مَكَانَهُ وَجعل ابْن بري برياً من فصاحة لِسَانه وَتَحْقِيق مَا اهْتَدَى ابْن جني إِلَى إِظْهَار خباياه وَلَا نسبت إِلَى السخاوي هباته وَلَا عطاياه تخرج بِهِ الأفاضل وتحرج مِنْهُ كل مناظر ومناضل وانتفع النَّاس بِهِ وبتعليمه وصاروا فضلاء من توقيفه وتفهيمه وَكتب خطا آزري بالوشى إِذا حبك وَالذَّهَب إِذا سبك وَلم يزل على حَاله إِلَى أَن بلغ من الْحَيَاة امدها واهدى الزَّمَان إِلَى عينه بفقده رمدها وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى يَوْم الثلثاء سَابِع جمدى الْآخِرَة سنة سبع وَعشْرين وست ماية وَكَانَ من الْعلمَاء الأذكياء الشُّعَرَاء لَهُ خبْرَة بالْمَنْطق وحظ من اقليدس وَكَانَ على مَا قيل يحفظ ثلث صِحَاح الْجَوْهَرِي وَكَانَ مطرحا صَغِير الْعِمَامَة يمشى فِي اللَّيْل بَين القصرين بقميص وطاقية فَقَط وَرُبمَا ضجر من الأشغال فَأخذ الطّلبَة وَمَشى بهم بَين القصرين والقى لَهُم الدُّرُوس وَكَانَ متين الدّيانَة وَله أبهة وجلالة فِي صُدُور النَّاس وَكَانَ بعض الْقُضَاة إِذا انْفَرد بِشَهَادَة حكمه فِيهَا وثوقا بديانته واقتنى كتبا نفيسة اخبرني الشَّيْخ نجم الدّين الصَّفَدِي وَكَانَ مِمَّن قَرَأَ عَلَيْهِ قَالَ قَالَ الشَّيْخ بهاء الدّين مَا يزَال عِنْدِي كتب بآلف دِينَار واحضر سوق الْكتب دايما ولابد أَن يَتَجَدَّد لي علم بأتم كتاب مَا سَمِعت بِهِ انْتهى وَلم يتَزَوَّج قطّ وَكَانَت لَهُ أوراد من الْعِبَادَة وَكَانَ يسْعَى فِي حوايج النَّاس ويقضيهم واخبرني القَاضِي الرئيس عماد الدّين ابْن)
القيسراني أَنه لم يكن يَأْكُل الْعِنَب قَالَ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبهُ فآثر أَن يكون نصِيبه فِي الْجنَّة واخبرني الْحَافِظ ابْن سيد النَّاس فِي زكي بعض الْفُقَهَاء تَزْكِيَة عِنْد بعض الْقُضَاة مَا زكاها أحد قطّ لِأَنَّهُ أمسك بيد الَّذِي زَكَّاهُ وَقَالَ للْقَاضِي يَا مَوْلَانَا النَّاس مَا يَقُولُونَ مَا يُؤمن على الذَّهَب وَالْفِضَّة إِلَّا حمَار قَالَ نعم قَالَ
وَهَذَا حمَار وَانْصَرف فَحكم القَاضِي بعدالة ذَلِك الْفَقِيه واخبرني أَيْضا أَن الْأَمِير علم الدّين الشجاعي لما فرغت الْمدرسَة المنصورية بَين القصرين فِي أَيَّام السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور قلاون طلبه الْأَمِير الْمَذْكُور فَتوجه إِلَيْهِ وعمامته صَغِيرَة بكراتة على مصطلح أهل حلب فَلَمَّا جلس عِنْده وَلم يكن رَآهُ أَخذ الْأَمِير يتحدث بالتركي مَعَ بعض مماليكه قَالَ يَا أَمِير الْمَمْلُوك يعرف بالتركي فاعجب الْأَمِير هَذِه الْحَرَكَة مِنْهُ وَقَالَ لَهُ السُّلْطَان قد فوض إِلَيْك تدريس التَّفْسِير بالقبة ونهار غَد يحضر السُّلْطَان والأمراء والقضاة وَالنَّاس فغداً تحضر وتكبر عمامتك هَذِه قَلِيلا فَانْصَرف وَلما كَانَ من الْغَد رَآهُ الْأَمِير علم الدّين من بعيد وَهُوَ جايز إِلَى الْمدرسَة بِتِلْكَ الْعِمَامَة فَجهز إِلَيْهِ يَقُول مَا قلت لَك تكبر عمامتك قَلِيلا فَقَالَ يَا مَوْلَانَا تعلموني مسخرة واراد أَن يرجع فَقَالَ الْأَمِير علم الدّين دَعوه يدْخل فَلَمَّا جلس مَعَ النَّاس نظر الْملك الْمَنْصُور إِلَى الَّذين هُنَاكَ فَقَالَ هَذَا مَا هُوَ الشَّيْخ بهاء الدّين ابْن النّحاس قَالُوا نعم فَقَالَ هَذَا اعرفه لما كنت سَاكن فِي الْمَدِينَة وَالنَّاس يقرأون عَلَيْهِ وشكر الشجاعي على إِحْضَاره قَالَ الشَّيْخ فتح الدّين فَلم يعرف السُّلْطَان غَيره وَلَا اثْنَي الا عَلَيْهِ واخبرني عَنهُ غير وَاحِد أَنه لم يزل عِنْده فِي بَيته من أَصْحَابه وَمن الطّلبَة من يَأْكُل على مَا يدته لَا يدّخر شَيْئا وَلَا يخبأه عَنْهُم وَهنا أنَاس يَلْعَبُونَ الشطرنج وَهنا أنَاس يطالعون وكل وَاحِد فِي شَأْنه لَا يُنكر على أحد شَيْئا وَلم تزل أخلاقه مرتاضة حَتَّى يكون وَقت الِاشْتِغَال يتنكر وَكَانَ لَا يتَكَلَّم فِي حل النَّحْو للطلبة إِلَّا بلغَة الْعَوام لَا يُرَاعى الْأَعْرَاب واخبرني الْأَمَام أثير الدّين وَعَلِيهِ قَرَأَ بالديار المصرية قَالَ كَانَ الشَّيْخ بهاء الدّين وَالشَّيْخ محيي الدّين مُحَمَّد ابْن عبد الْعَزِيز المازوني الْمُقِيم بالإسكندرية شيخى الديار المصرية وَلم الق أحدا أَكثر سَمَاعا مِنْهُ لكتب الْأَدَب وَانْفَرَدَ بِسَمَاع صِحَاح الْجَوْهَرِي وَكَانَ كثير الْعِبَادَة والمروءة والترحم على من يعرفهُ من أَصْحَابه لَا يكَاد يَأْكُل شَيْئا وَحده ينْهَى عَن الْخَوْض فِي العقايد وَله ترداد إِلَى من ينتمي إِلَى الْخَيْر ولي التَّفْسِير بِجَامِع ابْن طولون وبالقبة المنصورية وَله تصدير فِي الْجَامِع الْأَقْمَر وتصادير بِمصْر وَلم يصنف شَيْئا إِلَّا مَا وَجَدْنَاهُ من املايه على الْأَمِير سِنَان الدّين الرُّومِي شرحا لكتاب المقرب)
لِابْنِ عُصْفُور وَذَلِكَ من أول الْكتاب إِلَى بَاب الْوَقْف أَو نَحوه وَقَالَ وَكنت أَنا وإياه نمشي بَين القصرين فَعبر علينا صبي يدعى بِجَمَال وَكَانَ مصارعا فَقَالَ الشَّيْخ بهاء لينظم كل منا فِي هَذَا المصارع ونظم الشَّيْخ بهاء الدّين
مصَارِع تصرع الآساد سمرتهتيها فَكل مليح دونه همج
لما غَدا راجحاً فِي الْحسن قلت لَهُمعَن حسنه حدثوا عَنهُ وَلَا حرج
قَالَ اثير الدّين ونظمت أَنا
سباني جمال من مليح مصَارِععَلَيْهِ دَلِيل للملاحة وَاضح
لَئِن عز مِنْهُ الْمثل فَالْكل دونهوَأَن خف مِنْهُ الخصر فالردف رَاجِح
قَالَ وَسمع الشَّيْخ شهَاب الدّين العزازي نظمينا فِيهِ وانشدنيه
هَل حكم ينصفني فِي هوىمصَارِع يصرع أَسد الشرى
مذ فر مني الصَّبْر فِي حبهحُكيَ عَلَيْهِ مدمعي مَا جرى
أَبَاحَ قَتْلَى فِي الْهوى عَامِدًاوَقَالَ لي كم عاشق فِي الورى
رميته فِي اسر حبي وَمناجفان عَيْنَيْهِ أخذت الْكرَى
قلت أما قَول الشَّيْخ بهاء الدّين ﵀ فَإِنَّهُ منحط وَمَا أَتَى فِيهِ مِنْهُ مصطلح الْقَوْم إِلَّا بِلَفْظِهِ الرَّاجِح لَا غير وَأما قَول شَيخنَا أثير الدّين فَإِنَّهُ غَايَة لِأَنَّهُ أَتَى فِيهِ بِلَفْظ الْمثل والدون وَالرَّاجِح وَأما قَول شهَاب الدّين العزازي فَبين بَين لم ينحط وَلم يرْتَفع لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِهِ حكى عَلَيْهِ والأباحة وَالرَّمْي وَأخذ الكري فِي أَرْبَعَة أَبْيَات وفيهَا عيب وَهُوَ التَّضْمِين وَهُوَ تعلق الثَّالِث بالرابع وَقَوله الْكرَى اخطأ فِيهِ لَان الْكرَى بِمَعْنى النّوم بِفَتْح الْكَاف والكري بِمَعْنى الْأُجْرَة بِكَسْر الْكَاف فتنافيا وَقد أشبعت القَوْل فِي هَذَا فِي كتابي فض الختام عَن التورية والاستخدام أَنْشدني شَيخنَا الْعَلامَة اثير الدّين قَالَ أَنْشدني الشَّيْخ بهاء الدّين لنَفسِهِ يُخَاطب الشَّيْخ رَضِي الدّين الشاطبي وَقد كلفه أَن يشترى لَهُ قطرا
أَيهَا الأوحد الرضي الَّذِي طال عَلَاء وطاب فِي النَّاس نشرا
أَنْت بَحر لَا غرو أَن نَحن وافيناك راجين من نداك القطرا
وأنشدني قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ يرثى الشَّيْخ أَحْمد الْمصْرِيّ النَّحْوِيّ
عزاءك زين الدّين فِي الْفَاضِل الَّذِيبكته بَنو الْآدَاب مثنى وموحدا
)
فهم فقدوا مِنْهُ الْخَلِيل بن أَحْمدوَأَنت ففارقت الْخَلِيل وأحمدا
وأنشدني قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ مِمَّا يكْتب على منديل
ضَاعَ مني خصر الحبيب نحولاًفَلهَذَا أضحى عَلَيْهِ آدور
لطفت خرقتي ودقت فَجلتعَن نَظِير لما حكتها الخصور
اكتم السِّرّ عَن رَقِيب لهَذَابِي يخفى دُمُوعه المهجور
وأنشدني قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ
أَنِّي تركت لذا الورى دنياهموظللت انْتظر الْمَمَات وارقب
وَقطعت فِي الدُّنْيَا العلايق لَيْسَ ليولد يَمُوت وَلَا عقار يخرب
أَنْشدني شَيخنَا نجم الدّين الصَّفَدِي من لَفظه قَالَ أنشدنا الشَّيْخ بهاء الدّين لنَفسِهِ
قلت لما شرطوه وَجرىدَمه القاني على الخد اليقق
لَيْسَ بدعاً مَا آتوا فِي فعلههُوَ بدر ستروه بالشفق
قلت ذكرت أَنا هُنَا مَا نظمته فِي هَذَا
قلت إِذْ شرطُوا الحبيب وَقد ضاق عَليّ الغرام فِي كل مَسْلَك
قد ملكت الْفُؤَاد من غير شَرطقَالَ لكنني مَعَ الشَّرْط املك
وَقلت أَنا فِيهِ أَيْضا
تشرط من أحب فذبت خوفًاوَقَالَ وَقد رأى جزعي عَلَيْهِ
عقيق دم جرى فَأصَاب خديوَشبه الشَّيْء منجذب إِلَيْهِ
واخبرني شَيخنَا الذَّهَبِيّ قَالَ قَرَأت على الشَّيْخ بهاء الدّين ﵀ جُزْء شَيْء قلت وغالب رِوَايَات الشَّيْخ أثير الدّين كتب الْأَدَب عَنهُ اعني الشَّيْخ بهاء الدّين رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن ابراهيم التجاني بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْجِيم وَالنُّون من بعد الْألف البَجلِيّ اللّغَوِيّ قَالَ الشَّيْخ أثير الدّين مشافهة هُوَ أديب متفنن من أهل تونس مَشْهُور بِالْعلمِ وَالْأَدب لم يقْض لي بِهِ اجْتِمَاع عِنْد دُخُول تونس أنشدنا لَهُ أَبُو يحيى ابْن عريهة
كم قلت إِذْ عذر منكَانَ الْفُؤَاد منزله
وعطلت من فتكهاتِلْكَ الْعُيُون الغزله
)
يَا اشعري خَدّهأَنِّي من المعتزله
وأنشدني بالسند الْمَذْكُور
قطفت باللحظ من بُسْتَان وجنتهتفاحة ضرجتها حمرَة الخفر
وَقلت هَذَا أَمَان من قطيعتهفالشرع قد نَص أَن لَا قطع فِي ثَمَر
قلت هُوَ شعر جيد
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع