من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن عبد القاهر
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن عبد القاهر الشهرزوري؟
نَاصِر الدّين ابْن النشابي مُحَمَّد بن عبد القاهر بن أبي بكر ابْن عبد الله القَاضِي نَاصِر الدّين ابْن القَاضِي تَقِيّ الدّين الْمَعْرُوف بالنشابي هُوَ أحد كتاب الْإِنْشَاء السلطاني يكْتب جيدا وينظم وينثر وَهُوَ أحد أَعْيَان كتاب الْإِنْشَاء الْمُتَقَدِّمين عِنْد صَاحب الدِّيوَان سَاكن محتشم مهذب الْأَخْلَاق مفرط الْحيَاء حسن التودد والصحبة سَأَلته عَن مولده فَقَالَ فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع ي الْقعدَة سنة ثَمَان عشرَة وَسبع ماية قَرَأَ الْعَرَبيَّة وَالْعرُوض والمعاني وَالْبَيَان رتب كَاتبا بَين يَدي الْوَزير نجم الدّين مَحْمُود بن شروين هُوَ وناصر الدّين ابْن الْبُرُلُّسِيّ مُدَّة وزارته الأولى وَالثَّانيَِة وجهز صُحْبَة الْأَمِير بدر الدّين جنكلي بن البابا لما توجه لحصار الكرك فأعجبه تَأتيه وشكره وَأثْنى عَلَيْهِ وَهُوَ مِمَّن يكْتب الْمُهِمَّات فِي الدِّيوَان من أجوبة الْبَرِيد والإنشاء وعَلى الْجُمْلَة فأعجبتني حركاته وسكناته وَمَا يَأْتِيهِ وَمَا يذره ثمَّ إِنَّه فِي دولة الْملك النَّاصِر حسن رتب فِي جملَة موقعي الدست الشريف واختص بِخِدْمَة الْأَمِير سيف الدّين شيخو إِلَى أَن أمسك وَأول مَا رَآنِي فِي الدِّيوَان بِالْقَاهِرَةِ كتب إِلَيّ وَأَنا بَين الْجَمَاعَة قد حضرت مَطْلُوبا من الشَّام إِلَى مصر فِي الْأَيَّام الصالحية ورتبت من جملَة كتاب الْإِنْشَاء
بِشِرَاك يَا مصر بمولى زكىفقد تشرفت بِهِ من نزيل
وصرت قدساً بخليل أَتَىفحبذا الْقُدس إِذا والخليل
فَكتبت جَوَابه ارتجالاً وَأَنا بَينهم
مولَايَ قد شرفت قدري بِمَانظمته من حسن لفظ جميل
ونقطة الْخَاء غَدَتْ تحتهَافها أَنا بعد خَلِيل جليل
وكتبت إِلَيْهِ ملغزاً فِي عيد
يَا كَاتبا بفضلهكل أديب يشْهد
مَا اسْم عليل قلبهوفضله لَا يجْحَد
لَيْسَ بِذِي جسم يرىوَفِيه عين وَيَد
فَكتب هوالجواب
يَا عَالما لنحوهحسن الْمعَانِي يسند
)
وَمن لَهُ فضايل بَينالورى لَا تجحد
أهديت لغزاً لَفظهكالدر إِذْ ينضد
عجل بشرى موسموَكَانَ عيداً يُوجد
فابق إِلَى أَمْثَالهعَلَيْك ألفا يرد
وَكتب هُوَ إِلَيّ ملغزاً فِي سالف
مَا اسْم رباعي غَدامن حبه الصب دنف
تحذف مِنْهُ أَولافَمَا ترى غير ألف
فَكتبت أَنا الْجَواب إِلَيْهِ
اسْم الَّذِي ألغزتهعَن حبه لَا أنصرف
سالف صبري خاننيفِي سالف الخد الترف
وبيني وَبَينه مجاراة فِي كثير من الألغاز وَغَيرهَا وَرُبمَا أثبتها فِي كتابي ألحان السواجع بَين البادي والمراجع إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكتب إِلَيّ هَذِه القصيدة وَأَنا بِالْقَاهِرَةِ المحروسة وَهِي
هَل اللثام فريد الْحسن قد حسرهعَن وَجهه ولعقلي فِي الْهوى سحره
أم الْخمار أماطته محجبةأم النسيم سرى مستصحباً سحره
أم السَّمَاء أتاجتنا زواهرهاأم محدق الرَّوْض قد أهْدى لنا زهره
أم الحميا تبدت فِي الكؤس لناتجلى فتغدو بهَا الْأَلْبَاب مستتره
أم المليحة زارتنا على مهللَا تختشي غيرَة الواشي وَلَا غَيره
أم الحمايم فِي سجع ترجعهأبدت فنوناً بأفنان لَهَا نضره
أم الأغاني إِذا أطربن منشدةبعودها وتري قد حركت وتره
أم طيب الْعَيْش باللذات متعنَاصفواً وآلى بِأَن لَا نَلْتَقِي كدره
أم الْأَحَادِيث ناجانا بهَا كلفعَن الْأَحِبَّة فارتحنا بِمَا ذكره
أم شنف السّمع أَلْفَاظ لمية أمسمير ذَاك الْحمى أبدا لنا سمره
أم الْجَوَاهِر أم شعر جوى درراًلَو نالها الْبَحْر أَمْسَى قاذقاً درره
تالله شَيْء مِمَّا فهت قايلهإِلَّا ونظم كَمَال الدّين قد فخره
من كَانَ ذَا مبتداه فِي الشبيبة لَاشكّ بِأَن تحمد العقبى لنا خَبره
)
أصل كريم وَفرع زَان دوحتهقد جَاءَ ينْقل عَن جد العلى أَثَره
وَمن يكن نجل قوم فِي الورى شرفوالَا غرو يحوي لَدَى تحجيله غرره
يَا ابْن الَّذين لَهُم فِي الْمجد منقبةآلت معارفها أَن لَا ترى نكره
سادو وشادو بآراء مسددةمباني الْملك حَتَّى جملوا سيره
مَا النّظم إِلَّا ختام فض عِنْدهملما أَتَتْهُم مَعَاني القَوْل مبتكره
وَإِن دعوا غرر الْأَلْفَاظ نحوهمجَاءَت إِلَيْهِم سرَاعًا وَهِي مبتدره
جمَالهمْ جمل الدست الشريف كَمَاأضحى من الْكَاتِبين الْخَيْر والبرره
تمت فضايله عَمت فواضلهقَامَت دلايله بِالدّينِ مشتهره
قدر عَليّ تداني من تواضعهكالبدر يدنو لى بعد لمن نظره
فليهنك الْيَوْم هَذَا الخيم إِن لَهُخيرا ووصفاً ذكا طِبًّا لمن ذكره
وليهننا مِنْك مولى زَان منشأهإنْشَاء نظم بِهِ الْأَلْفَاظ مفتخره
قصيدة قصدت قلبِي لتملكهوَكم شبيهي هوى الْحَسْنَاء قد أسره
راقت باحرفها طرفِي وأعينهاأَظن مِنْهَا عُيُون الغيد منكسره
تَضَمَّنت وصف من أَعْلَامه خَفَقتفِي الْخَافِقين ببث الْعلم منتشره
نعم الْخَلِيل تشرفنا بِصُحْبَتِهِأَقَامَ فِي الْفضل يبتاً بالعلى عمره
قد راق نظماً فنظم العقد فِي خجلوفَاق نثر نُجُوم الْأُفق مَا نثره
وَكم لَهُ من تصانيف سرت وَلهمحاضرات أفادت كل من حَضَره
لَكِن لحصري ثناه لست مقتدراًوَالنَّفس مِنْهُ على الْإِكْثَار مقتدره
فازدد فديتك من علم تحصلهفَلَيْسَ يَخْلُو اشْتِغَال الْمَرْء من ثمره
واجهد لترضي فِي الْأَفْعَال خير أَبرِضَاهُ يكسوك من نيل المنى حبره
وَلما أحضرها أقسم عَليّ أَن لَا أكتب جوابها غير ثَلَاثَة أَبْيَات فَكتبت حَسْبَمَا قَصده مني
من طَاعَة العَبْد للْمولى إِذا أمرهأَن لَا يكون لَهُ عِنْد الْجَواب شَره
فَمَا أَقُول بعثث الرَّوْض فِي ورقإِذْ كل حرف مَتى حققته زهره
بل أَنْت بَحر بموج الْجُود مُضْطَربطمى فأهدى إِلَى وراده درره
ابْن الشهرزوري الشَّافِعِي مُحَمَّد بن عبد القاهر بن عبد الرَّحْمَن بن حسن بن عبد القاهر بن)
حسن بن عَليّ بن قَاسم بن المظفر بن عَليّ بن قَاسم بن عبد الله هُوَ محيي الدّين الشَّيْبَانِيّ الشهرزوري الْموصِلِي مولده سنة ثَمَان وَتِسْعين وست ماية وَأمه من بَيت ابْن كسيرات سَأَلته أَن يكْتب لَهُ اسْمه ومولده وَنسبه وشيئاً أستعين بِهِ على تَرْجَمته فَكتب إِلَيّ بِهَذِهِ الأبيات
الْآتِي ذكرهَا اشْتغل على السَّيِّد ركن الدّين وَقَرَأَ الْقُرْآن على ابْن خروف وَسمع الْكثير من زَيْنَب وَابْن تَمام والمزي والذهبي وَنسخ الْأَجْزَاء وَعِنْده مُشَاركَة جَيِّدَة وَفِيه سُكُون كثير
يَا مَالِكًا لقياد الْعلم وَالْأَدبوَمن أَتَى فِي فنون النّظم بالعجب
وَمن بدا فِي تصانيف الْعُلُوم بِمَايزري على الرَّوْض بل يربى على الذَّهَب
سَأَلت مني حبرًا مِنْك عَن بلديومولدي وَعَن اسْمِي ثمَّ عَن نسبي
وَمَا اسْم بَيْتِي الَّذِي أعزى إِلَيْهِ وَمَاشَيْء أعانيه من حَال وَمن سَبَب
أسمى مُحَمَّد أَن تسْأَل وشهرتنابالشهرزوري وَعبد القاهر اسْم أبي
وَالْجد قل عَابِد الرَّحْمَن لَا ألفمن قبل بَاء وَسكن بَابه تصب
وَبعده مثل وصفي فِيكُم حسنوَبعد ذَلِك عبد القاهر احتسب
وَبعده حسن أَيْضا ويتبعهمِنْهُم عَليّ لَك الْعليا من الرتب
وَبعده قَاسم ثمَّ المظفر يَامن لم يزل ظافراً فِي الْمجد بالأرب
وَبعد ذَاك عَليّ يَا عَليّ ففزبرتبة قد سمت عزا على الشهب
وقاسم ثمَّ عبد الله آخر مَاعَلمته وَإِلَى شَيبَان منتسبي
وَالْكل قَاضِي قُضَاة غير ثالثنافَإِنَّهُ إِذْ دعِي للْحكم لم يجب
ومذهبي شَافِعِيّ يَا مالكي وَكَذَامن مر من سلفي الْمَاضِي وَآل أبي
وبيتنا فِيهِ من قد جاوزوا عدداسبعين كَانُوا قُضَاة النَّاس فِي الحقب
وَكم لنا غَيرهم من كل مشتهربِالدّينِ وَالْعلم وَالْإِحْسَان وَالْأَدب
ودارنا الْموصل المحروس جَانبهَاكُنَّا أولى عزها قدماً أَبَا عَن أَب
وَقد ولدت بهَا يَوْم الْعرُوبَة فِيإهلال ذِي الْقعدَة الْمَشْهُور فِي الْعَرَب
فِي عَام ثامن تسعين وست مئلهجرة الْمُصْطَفى الْهَادِي النَّبِي الْعَرَبِيّ
وَترد نسبي للْأُم والدهامن آل بَيت كسيرات ذَوي الْحسب
وَكلهمْ من بني شَيبَان فاجتمعتفِي خدمَة الْعلمَاء السَّادة النجب
)
وعدت مِنْهَا إِلَى أرضي فَكنت بهَاخطيبها دايماً عشرا من الحقب
وَبعد ذَاك أتيت الشَّام لَا بَرحتمحروسة من عوادي الدَّهْر والنوب
وَجئْت للناصر السَّامِي برتبتهعلى جَمِيع مُلُوك الْعَجم وَالْعرب
عَام الثُّلثَيْنِ قد زَادَت ثَمَانِيَةميمماً ملكا أندى من السحب
فعمنا مِنْهُ بِالْإِحْسَانِ معتنياًبِمَا تقدم من نصح وَمن قرب
وسَاق أَهلِي وأطفالي وَتمّ بِهِلي كل مَا كنت أرجوه من الأرب
وأنفذ الْأَمر أَن تجْرِي كفايتنامن بره نتقاضاها بِلَا تَعب
وَلم تزل تِلْكَ حَتَّى الْآن لَيْسَ لناشَيْء سواهَا من الأتعاب وَالنّصب
ومذ سكنت دمشق وَاسْتقر بهَاحَالي جعلت حَدِيث الْمُصْطَفى طلبي
أرويه عَن كل من تعلو رِوَايَتهمن الروَاة الثِّقَات السَّادة النجب
وأخذم الْعلم لَا ألوي على أحدوَلست أجعَل غير الْعلم مكتسبي
وَلَا ألم بِغَيْر الخيرين ذَوي الحَدِيث أهل التقى وَالْفضل وَالْأَدب
أعلاهم الْحَافِظ الْمزي وقدوتناشيخ الحَدِيث الإِمَام الْحَافِظ الذَّهَبِيّ
فَالله ينفعنا طراً بهم وبمنلقِيت من منتم للْعلم منتسب
وَقد شرحت ووفيت الحَدِيث بِمَاسَأَلته شاكراً تحسين ظَنك بِي
لَا زَالَ علمك منثوراً وذكرك مشهوراً وقدرك مَرْفُوعا على الرتب
وَكتب إِلَيّ يطْلب عَارِية شَيْء من التَّذْكِرَة الَّتِي جمعتها
يَا من إِذا أهديت شكري لَهُلم أخش فِي ذَلِك من عاذل
أعدت للدنيا فنون العلىإِعَادَة الحلى إِلَى العاطل
ظَهرت فِي الْفضل على أَهلهكمظهر الْحق على الْبَاطِل
قد جَاءَك الْمَمْلُوك فِي حَاجَةلَيْسَ لَهَا غَيْرك من كافل
رسايل الْفَاضِل مسؤلةفجد بهَا فضلا على السايل
وَمَا تعدى رجل يَبْتَغِيفضايل الْفضل من الْفَاضِل
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع