من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن كناسَة
ابْن كناسَة مُحَمَّد بن كناسَة وَاسم كناسَة عبد الله قيل هُوَ ابْن أُخْت إِبْرَاهِيم ابْن أدهم العابد روى عَنهُ النَّسَائِيّ قَالَ ابْن معِين وَأَبُو دَاوُد وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَالْعجلِي وَغَيرهم ثِقَة لَهُ علم بِالْعَرَبِيَّةِ وَالشعر وَأَيَّام النَّاس مَاتَ بِالْكُوفَةِ سنة سبع وَمِائَتَيْنِ
وَله كتاب الأنواء ومعاني الشّعْر وَكتاب سرقات الْكُمَيْت من الْقُرْآن وَغَيره وَكَانَ راوية للكميت وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي أتيت مُحَمَّد بن كناسَة لأكتب عَنهُ ثر عَلَيْهِ أَصْحَاب الحَدِيث فتضجر مِنْهُم وتجهمهم
فَلَمَّا انصرفوا عَنهُ دَنَوْت مِنْهُ فنهش إِلَيّ واستبشر بِي وَبسط وَجهه فَقلت لَهُ لقد تعجبت من تفَاوت حالتيك فَقَالَ لي أضجرني هَؤُلَاءِ بِسوء أدبهم فَلَمَّا جئتني أَنْت انبسطت إِلَيْك وأنشدتك وَقد حضرني فِي هَذَا الْمَعْنى بيتان وهما
فيّ انقباضٌ وحشمة فَإِذارَأَيْت أهل الْوَفَاء وَالْكَرم
أرْسلت نَفسِي على سجيتهاوَقلت مَا شِئْت غير محتشم
فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق وددت أَنِّي قلتهَا بِمَا أملك فَقَالَ ابْن كناسَة مَا ظهر عَلَيْهِمَا أحد فخذهما وانحلهما نَفسك وَقد وفر الله عَلَيْك مَالك وَالله مَا قلتهما إِلَّا السَّاعَة فَقَالَ استحي من نَفسِي أَن أَدعِي مَا لم أقل أَو قَالَ فَكيف لي بِعلم نَفسِي أَنَّهُمَا ليسَا ليوقال إِسْحَاق فذاكرت ابْن كناسَة هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي مجْلِس يحيى بن معِين بعد فَقَالَ لكني أنْشدك الْيَوْم
ضعفت عَن الإخوان حَتَّى جفوتهمعلى غير زهدٍ فِي الإخاء وَفِي الود
وَلَكِن أيامي تخرّمن مدتيفَمَا أبلغ الْحَاجَات إِلَّا على جهد
وَقَالَ ابْن كناسَة بَعْدَمَا أسنّ
كَانَ سبعا مَضَت لي فِي تصعدهاإِلَى الثَّمَانِينَ كَانَت غدْوَة الغادي
لم يبْق من رمها إِلَّا تذكرهاكَالْحلمِ فِي طول إفراعي وإصعادي
)
وَقَالَ لما توفّي إِبْرَاهِيم بن أدهم
رَأَيْتُك لَا يَكْفِيك كَمَا دونه الْغنىوَقد كَانَ يَكْفِي دون ذَاك ابْن أدهما
أخالك يحمي سَيْفه وَلسَانهحمال وَلَا يفنى لَك الدَّهْر مجرما
وَكَانَ يرى الدُّنْيَا صَغِيرا كبيرهاوَكَانَ لحق الله فِيهَا مُعظما
يشيع الْغنى أَن ناله وكأنمايلاقي بِهِ البأساء عِيسَى بن مريما
وللحلم سلطانٌ على الْجَهْل عِنْدهفَمَا يَسْتَطِيع الْجَهْل أَن يترمرما
وَأكْثر مَا يلقى من الْقَوْم صامتاًفَإِن قَالَ بذّ الْقَائِلين وأحكما
يرى مستكيناً خَاشِعًا متواضعاًوليثاً إِذا لَاقَى الكريهة ضيغما
وَقَالَ
إِذا الْمَرْء يَوْمًا أغلق الْبَاب مرتجاًليستر أمرا كنت كالمتغافل
وَأعْرض حَتَّى يحْسب الْمَرْء أننيجهلت الَّذِي يَأْتِي وَلست بجاهل
وَإِنِّي لأغضي عَن أمورٍ كثيرةٍوَفِي دونهَا قطع الحبيب المواصل
حفاظاً وضناً بالإخاء وعقدةًإِذا ضيع الإخوان عقد الحبائل
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع