تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُهْتَدي

مُحَمَّد بن هَارُون أَبُو إِسْحَاق وَقيل أَبُو عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ الْخَلِيفَة الصَّالح الْمُهْتَدي بن الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن الْمهْدي بن الْمَنْصُور ولد فِي خلَافَة جده سنة بضع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وبويع بالخلافة لليلة بقيت من رَجَب سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَله بضع وَثَلَاثُونَ سنة وَمَا قبل بيعَة أحد حَتَّى أُتِي بالمعتز فَلَمَّا رَآهُ قَامَ لَهُ وَسلم على المعتز بالخلافة وَجلسَ بَين يَدَيْهِ وَجِيء بالشهود فَشَهِدُوا على المعتز أَنه عَاجز عَن الْخلَافَة فاعترف بذلك وَمد يَده فَبَايع الْمُهْتَدي بِاللَّه وَهُوَ ابْن عَمه فارتفع الْمُهْتَدي حِينَئِذٍ إِلَى صدر الْمجْلس وَقَالَ لَا يجْتَمع سيفان فِي غمد وَكَانَ أسمر رَقِيقا مليح الْوَجْه ورعاً متعبداً عادلاً قَوِيا فِي أَمر الله

بطلاً شجاعاً لكنه لم يجد ناصراً وَلَا معينا على الْخَيْر وَكَانَ يلبس فِي اللَّيْل جُبَّة صوف وَكسَاء وَيُصلي فيهمَا وَيفْطر فِي رَمَضَان على خبز نقي وملح وخل وزيت وَيَقُول فَكرت فِي أَنه كَانَ فِي بني أُميَّة عمر بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ من التقلل والتقشف على مَا بلغنَا فغرت على بني هَاشم وَأخذت نَفسِي بذلك وَكَانَ اطرَح الملاهي وَحرم الْغناء وحسم أَصْحَاب السُّلْطَان عَن الظُّلم وَكَانَ شَدِيد الإشراف على أَمر الدَّوَاوِين ثمَّ إِن الأتراك خَرجُوا عَلَيْهِ وحاربهم بِنَفسِهِ وجرح فأسروه)

وخلعوه ثمَّ قَتَلُوهُ سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ قَالَ العمراني إِن الأتراك عصروا خصاه حَتَّى مَاتَ وَبَايَعُوا أَحْمد بن المتَوَكل ولقبوه الْمُعْتَمد على الله فِي سادس عشر رَجَب فَكَانَت خلَافَة الْمُهْتَدي سنة إِلَّا خَمْسَة عشر يَوْمًا جلس يَوْمًا للمظالم فاستعداه رجل على ابْن لَهُ فَأحْضرهُ وَحكم عَلَيْهِ برد الْحق للرجل فَقَالَ الرجل أَنْت وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى

حكمتموه فَقضى بَيْنكُمأَبيض مثل الْقَمَر الزَّاهِر
لَا يقبل الرِّشْوَة فِي حكمهوَلَا يُبَالِي غبن الخاسر
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «واصل طيف الحب كالهاجر»

فَقَالَ الْمُهْتَدي أما أَنا فَمَا جَلَست هَذَا الْمجْلس حَتَّى قَرَأت وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل أَتَيْنَا بهَا وَكفى بِنَا حاسبين قَالَ الإسكافي فَمَا رَأَيْت باكياً أَكثر من ذَلِك الْيَوْم ومدحه البحتري بقصيدة أَولهَا

إِذا عرضت أحداج ليلى فنادهاسقتك الغوادي المزن صوب عهادها

وبقصيدة أُخْرَى مِنْهَا

هجرت الملاهي خشيَة وتفردابآيَات ذكر الله يُتْلَى حكيمها
وَمَا تحسن الدُّنْيَا إِذا هِيَ لم تعنبآخرة حسناء يبْقى نعيمها
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقى دار ليلى حيث حلت رسومها»

أَوْلَاده سَبْعَة عشر ذكرا وست بَنَات وَأَوْلَاده أَعْيَان أهل بغداذ وهم الخطباء بالجوامع وَمِنْهُم الْعُدُول وَلم يبْق ببغداذ من الْخُلَفَاء أَكثر من وَلَده وزراؤه أَبُو أَيُّوب بن وهب وجعفر بن مُحَمَّد ثمَّ صرفه وقلدها عبد الله بن مُحَمَّد بن يزْدَاد قُضَاته الْحسن بن أبي الشَّوَارِب فَعَزله وَولي عبد الرَّحْمَن بن نائل الْبَصْرِيّ أسْند الْمُهْتَدي الحَدِيث فَقَالَ حَدثنِي عَليّ ابْن هَاشم ثَنَا مُحَمَّد بن حسن الْفَقِيه عَن ابْن أبي ليلى عَن دَاوُد بن عَليّ عَن أَبِيه عبد الله بن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ للْعَبَّاس وَقد سَأَلَهُ مَا لنا فِي هَذَا الْأَمر فَقَالَ لي النُّبُوَّة وَلكم الْخلَافَة بِي فتح الله هَذَا الْأَمر وبكم يختمه وَأورد الصولي للمهتدي فِي الأوراق

أما وَالَّذِي أَعلَى السَّمَاء بقدرةوَمَا زَالَ قدماً فَوق عرش قد اسْتَوَى
لَئِن تمّ لي التَّدْبِير فِيمَا أريدهلتفتقدن التّرْك يَوْمًا فَلَا ترى

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فصل الْهمزَة وَمَا بعْدهَا فِي الْآبَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.