من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن الْمُدبر الْكَاتِب (٢)
أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبيد الله الْمُدبر الْكَاتِب أَبُو الْحسن كَانَ أسنّ من أَخِيه إِبْرَاهِيم وَقد تقدم ذكره تقلّد أَحْمد ديوَان الْخراج والضياع مجموعين للمتوكل إِلَى غير ذَلِك من الْأَعْمَال الجلية ثمّ تمالأ عَلَيْهِ الكتّاب فأخرجوه إِلَى الشَّام والياً عَلَيْهَا فكسب بهَا مَالا عَظِيما ثمَّ قَتله أَحْمد بن طولون فِيمَا قبل سبعين وَمِائَتَيْنِ تَقْرِيبًا وَكَانَ فَاضلا يصلح للْقَضَاء وللبحتري فِيهِ مدائح مَاتَ تَحت الْعَذَاب قيل فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة سبعين وَقيل سنة إِحْدَى وَهُوَ الْقَائِل
أتصبر للدّهر أم تجزعوماذا ك من جزع ينفع
)
فَأَما تصابيك بالغانياتفولّى بِهِ الفاحم الأفرع
غَدَاة ابتدلت بِهِ حلّةًمن الشيب ناصعها يلمع
وَقد كنت أزمان شرخ الشَّبَابتصول مدلاًّ وَلَا تخشع
تطاع ويعصى عَلَيْك العذولويصفو لَك الْعَيْش والمرتع
وَكتب إِلَيْهِ أَخُوهُ إِبْرَاهِيم يشكو حَاله وَهُوَ مَحْبُوس فَكتب إِلَيْهِ
أَبَا إِسْحَاق إِن تكن اللَّيَالِيعطفن عَلَيْك بالخطيب الجسيم
فَلم أر صرف هَذَا الدَّهْر يجنيبمكروهً على غير الْكَرِيم
وَكتب إِلَى عبيد الله يستعطفه عِنْد مُطَالبَة وَقعت عَلَيْهِ أَيَّام المتَوَكل
معاذي وجاري وَجهك الْيَوْم إِنَّههُوَ الْوَجْه من يطْلب بِهِ النُّجح ينجح
وعدلك مَبْسُوط وأمنك شَامِلوحلمك من ثهلان أوفى وأرجح
وَمَالك مبذول وفعلك فَاضلوزندك يوري المكرمات ويقدح
وَإِن قلت لم تصعب عَلَيْك مقَالَةبِحَق كضوء الصُّبْح بل هُوَ أوضح
وَقَالَ
صباح الحبّ لَيْسَ لَهُ مسَاءوداء الحبّ لَيْسَ لَهُ دَوَاء
ولي نفس تنفُّسها اشتياقوَعين فيض عبرتها الدِّمَاء
وليلي والنّهار عليّ مِمَّاأقاسي فيهمَا أبدا سَوَاء
وَقَالَ المعتصم يَوْمًا للفضل بن مَرْوَان وَقد أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى القاطول غلماني تَحت السَّمَاء مَا لَهُم شَيْء يكنهم فَابْن لَهُم غَدا أَرْبَعَة آلَاف بَيت فَخرج مفكراً فلقه أَحْمد بن الْمُدبر فَسَأَلَهُ عَن غمّه فَقَالَ إِنَّمَا أَمرك أتشتري لَهُم أَرْبَعَة آلَاف لبادة ليستكنوا فِيهَا فَاشْترى لَهُم ماوجد وَتقدم فِي عمل الْبَاقِي لمن بَقِي فَلَمَّا أصبح المعتصم وَرَآهَا على غلمانه قَالَ للفضل أَحْسَنت بِهَذَا أَمرتك وَقيل إِن أَحْمد بن المدبّر قَالَ حبست فِي حبس لِابْنِ طولون ضيّق وَكَانَ خلق وبعضنا على بعض فحبس مَعنا أَعْرَابِي فَلم يجد مَكَانا يقْعد فِيهِ فَقَالَ يَا قوم لقد خفت من كلّ شَيْء إِلَّا أَنِّي مَا خفت قطّ أَلا يكون لي مَوضِع من الأَرْض فِي الْحَبْس أقعد فِيهِ وَلَا خطر ذَلِك ببالي فاستعيذوا بِاللَّه من حَالنَا وَقَالَ يَمُوت ابْن المزرع كَانَ أَحْمد بن المدّبر إِذا مدحه شَاعِر لم يرض شعره قَالَ لغلامه امْضِ بِهِ إِلَى الْجَامِع فَلَا تُفَارِقهُ حَتَّى يُصَلِّي مائَة رَكْعَة ثمّ خلّه)
فتحاماه الشُّعَرَاء إِلَّا الْأَفْرَاد المجيدون فَجَاءَهُ الْجمل الْمصْرِيّ واسْمه حيسن فاستأذنه فِي النشيد فَقَالَ قد عرفت الشَّرْط قَالَ نعم قَالَ فهات إِذا فأنشده
أردنَا فِي أبي حسنٍ مديحاًكَمَا بالمدح تنتجع الْوُلَاة
فَقُلْنَا أكْرم الثقلَيْن طرّاًوَمن كفّاه دجلة والفرات
فَقَالُوا يقبل المدحات لَكِنجوائزه عَلَيْهِنَّ الصَّلَاة
فَقلت لَهُم وَمَا يُغني عياليصَلَاتي إِنَّمَا الشَّأْن الزَّكَاة
فيأمر لي بِكَسْر الصَّاد مِنْهَافتضحي لي الصّلاة هِيَ الصّلات
فَضَحِك وَقَالَ لَهُ من أَيْن لَك هَذَا قَالَ من قَول أبي تَمام الطَّائِي
هن الْحمام فَإِن كسرت عيافةمن حائهن فإنهنَّ حمام
فاستظرفه وَوَصله
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع