تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

ابْن برد الْأَعْمَى

بشار بن برد بن يرجوخ بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الرَّاء وَضم الْجِيم وَبعد الْوَاو الساكنة خاء مُعْجمَة الْعقيلِيّ بِضَم الْعين الْمُهْملَة مَوْلَاهُم الْمَشْهُور الشَّاعِر أَبُو معَاذ المرعث بِضَم الْمِيم وَفتح الرَّاء وَتَشْديد الْعين الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة وَبعدهَا ثاء مُثَلّثَة وَهُوَ الَّذِي فِي أُذُنه رعثات وَهِي القرط لِأَنَّهُ كَانَ فِي أُذُنه وَهُوَ صَغِير قرط ذكر صَاحب الأغاني فِي كِتَابه فِي أَسمَاء أجداد بشار سِتَّة وَعشْرين جدا أَسمَاؤُهُم أَعْجَمِيَّة وَذكر من أَحْوَاله وأخباره شَيْئا كثيرا

وَيُقَال إِنَّه ولد على الرّقّ وأعتقته امْرَأَة عقيلية فنسب إِلَيْهَا وَكَانَ أكمه ولد أعمى جاحظ الْعَينَيْنِ قد تغشاهما لحم أَحْمَر وَكَانَ ضخماً عَظِيم الْخلق وَالْوَجْه مجدوراً طَويلا وَهُوَ فِي أول مرتبَة الْمُحدثين من الشُّعَرَاء المجيدين وَمن شعره قَوْله

هَل تعلمين وَرَاء الْحبّ منزلَةتدني إِلَيْك فَإِن الْحبّ أقصاني
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «هل تعلمين وراء الحب منزلة»

وَقَوله

أَنا وَالله أشتهي سحر عَيْنيك وأخشى مصَارِع العشاق
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عبد إني إليك بالأشواق»

وَقَوله

يَا قوم أُذُنِي لبَعض الْحَيّ عاشقةوَالْأُذن تعشق قبل الْعين أَحْيَانًا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة»
قَالُوا بِمن لَا ترى تهذي فَقلت لَهُمالْأذن كَالْعَيْنِ توفّي الْقلب مَا كَانَا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة»

)

وَقَالَ

إِن من بردي جسماً ناحلاًلَو توكأت عَلَيْهِ لانهدم
ختم الْحبّ لَهَا فِي كَبِدِيمَوضِع الْخَاتم من أهل الذمم
وَإِذا قلت لَهَا جودي لناخرجت بِالصَّمْتِ من لَا وَنعم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لم يطل ليلي ولكن لم أنم»

وَلما أنْشد قَول الشَّاعِر

وَقد جعل الْأَعْدَاء ينتقصونهاوتطمع فِينَا ألسن وعيون
أَلا إِنَّمَا ليلى عَصا خيزرانةإِذا غمزوها بالأكف تلين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا يا حمامات الحمى عدن عودة»

فَقَالَ بشار وَالله لَو زعم أَنَّهَا عَصا مخ أَو زبد لَكَانَ قد جعلهَا جافية خشنة إِذْ جعلهَا عَصا أَلا قَالَ كَمَا قلت

وحوراء المدامع من معدكَأَن حَدِيثهَا ثَمَر الْجنان
إِذا قَامَت لمشيتها تثنتكَأَن عظامها من خيزران
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ودعجاء المحاجر من معد»

وَهُوَ الَّذِي قَالَ مَا زلت مُنْذُ سَمِعت قَول امْرِئ الْقَيْس

كَأَن قُلُوب الطير رطبا ويابساًلَدَى وَكرها الْعنَّاب والحشف الْبَالِي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

اجتهدت حَتَّى قلت

كَأَن مثار النَّقْع فَوق رؤوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

ولأرباب البلاغة على هَذَا الْبَيْت كَلَام طَوِيل مَذْكُور فِي كتبهمْ وَقد ضمنت أول هَذَا الْبَيْت فَقلت

وَلم أنس يَوْمًا حجبت فِيهِ شمسهفآذن إِذْ غَابَتْ بِضيق نفوسنا
وسد علينا الجو نشر ضبابهكَأَن مثار النَّقْع فَوق رؤوسنا

وشعره كثير وأخباره فِي كتاب الأغاني كَثِيرَة وَقيل عَنهُ إِنَّه كَانَ يفضل النَّار على الأَرْض ويصوب رَأْي إِبْلِيس فِي امْتِنَاعه من السُّجُود لآدَم وَقَالَ

إِبْلِيس خير من أبيكم آدمفتنبهوا يَا معشر الْفجار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إبليس خير من أبيكم آدم»
إِبْلِيس من نَار وآدَم طِينَةوَالْأَرْض لَا تسمعوا سمو النَّار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إبليس خير من أبيكم آدم»

وَقَالَ أَيْضا

الأَرْض مظْلمَة وَالنَّار مشرقةوَالنَّار معبودة مذ كَانَت النَّار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «الأرض مظلمة والنار مشرقة»

)

وَكَانَ بشار يرى رَأْي الكاملية وَهُوَ طَائِفَة من الرافضة يَأْتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حرف الْكَاف فِي مَكَانَهُ وَفِي ترجمتهم شَيْء من ذكر بشار بن برد الْمَذْكُور ووفد على الْمهْدي وأنشده قصيدة يمدحه بهَا مِنْهَا

إِلَى ملك من هَاشم فِي نبوةوَمن حمير فِي الْملك وَالْعدَد الدثر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»
من المشترين الْحَمد تندى من الندىيَدَاهُ ويندى عارضاه من الْعطر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»

فَلم يحظ مِنْهُ فَقَالَ يهجوه

خليفةٌ يَزْنِي بعمّاتهيلْعَب بالدُّبُّوق والصَّولجان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليفة يزني بعماته»
أبدلنا الله بِهِ غَيرهودسَّ مُوسَى فِي حر الخيزران
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليفة يزني بعماته»

وأنشدهما فِي حَلقَة يُونُس النَّحْوِيّ فسعى بِهِ إِلَى وزيره يَعْقُوب بن دَاوُد وَكَانَ بشار قد هجاه بقوله

بني أُميَّة هبوا طَال نومكمإِن الْخَلِيفَة يَعْقُوب بن دَاوُد
ضَاعَت خلافتكم يَا قوم فالتمسواخَليفَة الله بَين الناي وَالْعود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لا يأيسن فقير من غنى أبدا»

فَدخل الْوَزير يَعْقُوب على الْمهْدي وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذَا الملحد الزنديق قد هجاك قَالَ بِمَ ذَاك فَقَالَ لَا أُطِيق أقوله فأقسم عَلَيْهِ فكتبهما فَلَمَّا وقف عَلَيْهِمَا كَاد ينشق غيظاً

فانحدر إِلَى الْبَصْرَة فَلَمَّا بلغ البطيحة سمع أذاناً فِي وَقت ضحاء النَّهَار فَقَالَ انْظُرُوا مَا هَذَا فَإِذا بشار سَكرَان فَقَالَ يَا زنديق عجبت أَن يكون هَذَا غَيْرك أتلهو بِالْأَذَانِ فِي غير وَقت صَلَاة وَأَنت سَكرَان وَأمر بضربه فَضرب بالسياط بَين يَدَيْهِ على صدر الحراقة سبعين سَوْطًا تلف مِنْهَا وَكَانَ إِذا أَصَابَهُ السَّوْط قَالَ حسّ وَهِي كلمة تَقُولهَا الْعَرَب للشَّيْء إِذا أوجع فَقَالَ بَعضهم انْظُرُوا إِلَى زندقته وَكَيف يَقُول حسّ وَلَا يَقُول بِسم الله فَقَالَ بشار وَيلك أطعام هُوَ فأسمي الله عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ آخر أَفلا قلت الْحَمد لله فَقَالَ أَو نعْمَة هِيَ فَأَحْمَد الله عَلَيْهَا وَبَان الْمَوْت فِيهِ فألقي فِي سفينة حَتَّى مَاتَ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة وَقد بلغ نيفاً وَتِسْعين سنة وَقَالَ فِي حَال ضرب الجلاد لَهُ لَيْت عَيْني أبي الشمقمق تراني حَيْثُ يَقُول

هللينه هللينهطعن قثّاة لتينة
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «هللينه هللينه»
إِن بشار بن بردتَيْس أعمى فِي سفينة
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «سبع جوزات وتينه»

وَكَانَ بشار يخَاف لِسَان أبي الشمقمق ويصانعه فِي كل سنة بمبلغ من الذَّهَب حَتَّى يكف عَنهُ)

وَوجد فِي أوراقه مَكْتُوب إِنِّي أردْت هجاء آل سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس فَذكرت قرابتهم من رَسُول الله ﷺ فَأَمْسَكت عَنْهُم وَالله أعلم بحالهم وَيُقَال إِن الْمهْدي لما بلغه ذَلِك نَدم على قَتله وَكَانَ كثيرا مَا ينشد قَوْله

سترى حول سَرِيرِيحسّراً لطمن لطما
يَا قَتِيلا قتلته عَبدةالْحَوْرَاء ظلما
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «سترى حول سريري»

عَبدة اسْم محبوبته وَلما خرجت جنَازَته لم يتبعهَا إِلَّا أمة سندية لَهُ عجماء تَقول واشيداه

واشيداه بالشين المعدمة وَمن شعر بشار بن برد

يَا ابْن نهيا رَأس عَليّ ثقيلوَاحْتِمَال الرأسين خطب جليل
ادْع غَيْرِي إِلَى عبَادَة الِاثْنَيْنِفَإِنِّي بِوَاحِد مَشْغُول
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ابْنَ نِهْيَا رَأسٌ علَّي ثَقِيلُ»
يَا ابْن نهيا بَرِئت مِنْك إِلَى اللهـ جهاراً وَذَاكَ مني قَلِيل
للشاعر أبو بكر الصديق، من قصيدة «ابن نهيا رأس علي ثقيل»

فأشاع حَمَّاد عجرد هَذِه الأبيات عَن بشار وَجعل حَمَّاد مَكَان بِوَاحِد عَن وَاحِد ليصحح عَلَيْهِ الزندقة وَالْكفْر بِاللَّه فَمَا زَالَت الأبيات تَدور أَيدي النَّاس إِلَى أَن انْتَهَت إِلَى بشار فاضطرب مِنْهَا وجزع وَقَالَ أشاط ابْن الزَّانِيَة بدمي وَالله وَغَيرهَا حَتَّى شهر فِي النَّاس مَا يهلكني

وَقَالَ حَمَّاد فِي بشار

لقد صَار بشار بَصيرًا بدبرهوناظره بَين الْأَنَام ضَرِير
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
لَهُ مقلة عمياء واست بَصِيرَةإِلَى الاير من تَحت الثِّيَاب تُشِير
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
على وده أَن الْحمير تنيكهوَإِن جَمِيع الْعَالمين حمير
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة

وَمن شعره وَهُوَ فِي غَايَة الْحِكْمَة

إِذا بلغ الرَّأْي المشورة فَاسْتَعِنْبحزم نصيح أَو نصاحة حَازِم
وَلَا تحسب الشورى عَلَيْك غَضَاضَةفَإِن الخوافي رافد للقوادم
وخل الهوينا للضعيف وَلَا تكننؤوما فَإِن الْحر لَيْسَ بنائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
وأدن من الْقُرْبَى المقرب نَفسهوَلَا تشهد الشورى امْرأ غير كاتم
وَمَا خير كف أمسك الغل أُخْتهَاوَمَا خير سيف لم يويد بقائم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»
فَإنَّك لَا تستطرد الْهم بالمنىوَلَا تبلغ الْعليا بِغَيْر المكارم
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبا مسلم ما طول عيش بدائم»

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْبَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.