تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الْمُعظم صَاحب الْيمن

توران شاه الْملك الْمُعظم شمس الدولة بن أَيُّوب أَخُو

السُّلْطَان صَلَاح الدّين سيف الدّين وَكَانَ يلقب فَخر الدّين كَانَ أسن من صَلَاح الدّين وَكَانَ يرجحه على نَفسه وسيره سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة إِلَى بِلَاد النّوبَة ليفتحها فَلَمَّا قدمهَا وجدهَا لَا تَسَاوِي التَّعَب فَرجع بغنائم كَثِيرَة ورقيق ثمَّ أرْسلهُ إِلَى الْيمن وَبهَا عبد النَّبِي بن مهْدي قد استولى على أَكثر الْيمن فَقَدمهَا وظفر بِعَبْد النَّبِي وَقَتله وَملك مُعظم الْيمن وَسَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حرف الْعين مَكَانَهُ وَكَانَ سَمحا جواداً ثمَّ إِنَّه قدم دمشق سنة إِحْدَى وَسبعين وَخمْس مائَة فِي آخرهَا وَقد تمهدت لَهُ مملكة الْيمن لكنه كره الْمقَام بهَا وحن إِلَى الشَّام وثماره وَكَانَ قد جَاءَهُ رَسُول من أَخِيه صَلَاح الدّين يرغبه فِي الْمقَام بِالْيمن فَلَمَّا أدّى الرسَالَة طلب ألف دِينَار وَقَالَ لغلام امْضِ إِلَى السُّوق واشتر لي بهَا قِطْعَة ثلج فَقَالَ من أَيْن هُنَا ثلج فَقَالَ لَهُ فاشتر بهَا طبق مشمش فَقَالَ من أَيْن يُوجد ذَلِك فَأخذ يذكر لَهُ أَنْوَاع الْفَوَاكِه والغلام يَقُول مَا يُوجد فَقَالَ الْمُعظم للرسول لَيْت شعري مَا أصنع بالأموال إِذا لم أنتفع بهَا فِي شهواتي وَرجع الرَّسُول فَأذن لَهُ صَلَاح الدّين فِي الْقدوم وَكتب إِلَيْهِ صَلَاح الدّين من إنْشَاء القَاضِي الْفَاضِل

لَا تضجرن مِمَّا أبث فَإِنَّهُصدر لأسرار الصبابة ينفث
أما فراقك واللقاء فَإِن ذَامِنْهُ أَمُوت وَذَاكَ مِنْهُ أبْعث
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «لا تضجرن مما أتيت فإنه»
حلف الزَّمَان على تفرق شملنافَمَتَى يرق لنا الزَّمَان وَيحنث
حول الْمضَاجِع كتبكم فكأننيملسوعكم وَهِي الرقاة النفث
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «لا تضجرن مما أتيت فإنه»
كم يلبث الْجِسْم الَّذِي مَا نَفسهفِيهِ وَلَا أنفاسه كم يلبث
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «لا تضجرن مما أتيت فإنه»

فَلَمَّا قدم دمشق استنابه بهَا صَلَاح الدّين لما رَجَعَ إِلَى مصر ثمَّ انْتقل توران شاه إِلَى مصر سنة أَربع وَسبعين وَخمْس مائَة وَكَانَت وَفَاته بالإسكندرية فِي صفر سنة سِتّ وَسبعين وَخمْس مائَة فنقلته شقيقته سِتّ الشَّام ودفنته فِي مدرستها الْمَعْرُوفَة بهَا فِي دمشق

قَالَ ابْن الْأَثِير وَلما قدم من الْيمن وَعمل بنيابة دمشق ملك بعلبك ثمَّ عوضه أَخُوهُ عَنْهَا بالإسكندرية إقطاعاً فَذهب إِلَيْهَا وَكَانَ لَهُ أَكثر بِلَاد الْيمن ونوابه هُنَالك يحملون إِلَيْهِ الْأَمْوَال من زبيد وعدن وَمَا بَينهمَا)

وَكَانَ أَجود النَّاس وأسخاهم كفا يخرج كل مَا يحمل إِلَيْهِ من الْبِلَاد وَمَعَ هَذَا مَاتَ وَعَلِيهِ نَحْو مِائَتي ألف دِينَار فوفاها أَخُوهُ صَلَاح الدّين عَنهُ وَكَانَ منهمكاً على اللَّهْو واللعب وَفِيه شَرّ وظلم

وَقَالَ الْمُهَذّب مُحَمَّد بن عَليّ الخيمي رَأَيْت فِي النّوم شمس الدولة توران شاه بعد مَوته فمدحته بِأَبْيَات وَهُوَ فِي الْقَبْر فلف كَفنه وَرمى بِهِ إِلَيّ وَقَالَ

لَا تستقلن مَعْرُوفا سمحت بِهِمَيتا فَأَصْبَحت مِنْهُ عاري الْبدن
وَلَا تَظنن جودي شانه بخلمن بعد بذلي ملك الشَّام واليمن
إِنِّي خرجت من الدُّنْيَا وَلَيْسَ معيمن كل ملكت كفي سوى كفني

وَلما جهز السُّلْطَان صَلَاح الدّين أَخَاهُ شمس الدولة توران شاه إِلَى غَزْو بِلَاد النّوبَة وَنزل على قلعة أبريم وافتتحها بعد ثَلَاثَة أَيَّام وغنم جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا وَكتب بذلك إِلَى السُّلْطَان أنْشد أَبُو الْحسن ابْن الذروي قصيدة مِنْهَا

فَقدم الْعَزْم فَذا مبتداًيقصر ملك الأَرْض عَن منتهاه
واسحب ذيول الْجَيْش حَتَّى أرىأنجمه طالعةً عَن دجاه
سواك من ألْقى عَصَاهُ بهَاقناعةً لما اسْتَقَرَّتْ نَوَاه
عَلَيْك بالروم ودع صَاحب التَاج إِذا شِئْت وتوران شاه
فقد غَدَتْ أبريم فِي ملكهتبرم أمرا فِيهِ كبت العداه
لَا بُد للنوبة من نوبَةترضي بسخط الْكفْر دين الْإِلَه
تظل من سوبة منسوبةًلعزمه كامنةً فِي أناه
يكسو الْغُزَاة القاطني أرْضهَامَا نسجت للحرب أَيدي الغزاه
سود وتحمر الظبى حولهَاكأعين الرمد بَدَت للأساه
أَولا فسمر تحتميها القنامثل دنان بزلتها السقاه
لله جَيش مِنْك لَا ينثنيإِلَّا بنصر دميت شفرتاه
مَا بَين عقبان وَلكنهَاخيل وفرسان كَمثل البزاه
آساد حَرْب فَوق أَيْديهمأساود الطعْن فهم كالحواه
تقلدوا الْأَنْهَار واستلأموا الغُدْرَان فالنيران تجْرِي مياه

)

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف التَّاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.