من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الطَّبِيب (٤)
ثَابت بن سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة بن مَرْوَان الصابي أَبُو الْحسن الطَّبِيب المؤرخ توفّي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَثَلَاث مائَة وَقيل سنة خمس وَوصل فِي تَارِيخه إِلَى سنة سِتِّينَ وَوَصله هِلَال بن المحسن من أول سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ ولثابت كتاب التَّارِيخ الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ من أول أَيَّام المقتدر وَله كتاب مُفْرد فِي أَخْبَار الشَّام ومصر مُجَلد وَاحِد وَكَانَ طَبِيبا حاذقاً وأديباً بارعاً وَكَانَ موفقاً فِي العلاج مطلعاً على أسرار الطِّبّ ضنيناً بِمَا يحسن قَالَ ابْن بطلَان أسكت الْوَزير ابْن بَقِيَّة وَقد حضر الْأَمِير عز الدولة بختيار والأطباء مجمعون على مَوته فَقَالَ أَبُو الْحسن أَيهَا الْأَمِير إِذا كَانَ قد مَاتَ مَا يضر فصده ففصده فرشح مِنْهُ دم يسير ثمَّ لم يزل يقوى إِلَى أَن صَار يجْرِي فأفاق الْوَزير فَلَمَّا أَن خلوت بِهِ سَأَلته فَقَالَ عَادَة الْوَزير أَن يستفرغ الدَّم كل ربيع من عروق الْقعدَة وَفِي هَذَا الْفَصْل انْقَطع جَرَيَانه فَلَمَّا فصدته ثَابت الْقُوَّة من خناقها وَلما دخل عضد الدولة بَغْدَاد دخل عَلَيْهِ أَبُو الْحسن وَغَيره من الْأَطِبَّاء قَالَ نَحن قي عَافِيَة وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَيْهِم فَقَالَ سِنَان مَوضِع صناعتنا حفظ الصِّحَّة لَا مداواة الْمَرَض وَالْملك أحْوج النَّاس إِلَى ذَلِك فَقَالَ عضد الدولة صدقت فصارا ينوبان مَعَ أطبائه فَلَمَّا خرجا قَالَ سِنَان نَحن شَيخا بَغْدَاد ونترك هَذَا الْأسد يفترسنا وَكَانَ إِنْسَان يقلي الكبود إِذا اجتازا عَلَيْهِ دَعَا لَهما وَقَامَ قَائِما فَلَمَّا اجتازا عَلَيْهِ لم يجداه فسألا عَنهُ فَقيل مَاتَ فمضيا إِلَيْهِ وأحضرا لَهُ فاصداً فصده فصدة وَاسِعَة فَخرج مِنْهُ دم غليظ وَكلما خرج الدَّم خف عَنهُ حَتَّى)
تكلم وَرجع إِلَى حانوته فِي الْيَوْم الثَّالِث وسئلا عَن ذَلِك فَقَالَا كَانَ يَأْكُل من الكبود الَّتِي يقليها وبدنه يمتلئ من الدَّم الغليظ حَتَّى إِذا فاض من الْعُرُوق إِلَى الأوعية غمر الْحَرَارَة الغريزية
وخنقها كَمَا يخنق الزَّيْت الْكثير الفتيلة فَلَمَّا نقص الدَّم خف عَن الْقُوَّة الْحمل الثقيل وانتشرت الْحَرَارَة وَالصَّحِيح أَن الَّذِي جرى لَهُ ذَلِك وحكاية الْوَزير أَيْضا إِنَّمَا هُوَ أَبُو الْحسن ثَابت بن قُرَّة وَلما مَاتَ أَبُو الْحسن ثَابت بن سِنَان قَالَ أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم ابْن هِلَال الصابي يرثيه وَهُوَ أَخُو ثَابت
أسامع أَنْت يَا من ضمه الجدفنشيج باك حَزِين دمعه يكف
وزفرة من صمم الْقلب مبعثهايكَاد مِنْهَا حجاب الصَّدْر ينْكَشف
أثابت بن سِنَان دَعْوَة شهِدتلِرَبِّهَا أَنه ذُو عِلّة أَسف
مَا بَال طبك لَا يشفي وَكنت بِهِتشفي العليل إِذا مَا شفه الدنف
غالتك غول المنايا فاستكنت لَهَاوَكنت ذَا يَدهَا وَالروح تختطف
فارقتني كفراق الْكَفّ صَاحبهَاأظنها ضَارب من زندها نقف
ثوى بمغناك فِي لحد سكنت بِهِالدّين الْعقل العلياء والشرف
وَكَانَ أَبُو الْحسن قد خدم الراضي وَمن قبله من الْخُلَفَاء بالطب
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع