من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْفَيْض ذُو النُّون الْمصْرِيّ
ثَوْبَان بن إِبْرَاهِيم وَقيل الْفَيْض بن إِبْرَاهِيم الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف
بِذِي النُّون الْمصْرِيّ الصَّالح الْمَشْهُور أحد رجال الطَّرِيقَة كَانَ أوحد وقته علما وورعاً وَحَالا وأدباً وَهُوَ مَعْدُود فِي جملَة من روى الْمُوَطَّأ عَن الإِمَام مَالك
كَانَ أَبوهُ نوبياً وَقيل من أهل إخميم مولى لقريش
وَسُئِلَ عَن سَبَب تَوْبَته فَقَالَ خرجت من مصر لبَعض الْقرى فَنمت فِي الطَّرِيق فِي بعض الصحارى ففتحت عَيْني فَإِذا أَنا بقنبرة عمياء سَقَطت من وَكرها على الأَرْض فانشقت الأَرْض)
فَخرج مِنْهَا سكرجتان إِحْدَاهمَا ذهب وَالْأُخْرَى فضَّة وَفِي إِحْدَاهمَا سمسم وَفِي الْأُخْرَى مَاء فَجعلت تَأْكُل من هَذِه وتشرب من هَذِه فَقلت حسبي قد تبت ولزمت الْبَاب إِلَى أَن قبلني
وَكَانَ قد سعوا بِهِ إِلَى المتَوَكل فَاسْتَحْضرهُ من مصر فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وعظه فَبكى المتَوَكل ورده مكرماً وَكَانَ المتَوَكل إِذا ذكر أهل الْوَرع بَين يَدَيْهِ يبكي وَيَقُول إِذا ذكر أهل الْوَرع فحي هلا بِذِي النُّون وَكَانَ رجلا نحيفاً تعلوه حمرَة لَيْسَ بأبيض اللِّحْيَة
وَشَيْخه فِي الطَّرِيقَة شقران العابد
وَمن كَلَامه إِذا صحت الْمُنَاجَاة بالقلوب استراحت الْجَوَارِح
وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم السَّرخسِيّ بِمَكَّة سَمِعت ذَا النُّون يَقُول وَفِي يَده الغل وَفِي رجلَيْهِ الْقَيْد وَهُوَ يساق إِلَى المطبق وَالنَّاس يَبْكُونَ حوله وَهُوَ يَقُول هَذَا من مواهب الله وَمن عطاياه وكل فعاله عذب حسن طيب وَأنْشد من الْخَفِيف
لَك من قلبِي الْمَكَان المصونكل لومٍ عَليّ فِيك يهون
لَك عزم بِأَن أكون قَتِيلافِيك وَالصَّبْر عَنْك مَا لَا يكون
قَالَ القَاضِي شمس الدّين أَحْمد بن خلكان رَحمَه الله تَعَالَى وقفت فِي بعض المجاميع على شئ من أَخْبَار ذِي النُّون الْمصْرِيّ ﵀ فَقَالَ إِن بعض الْفُقَرَاء من تلامذته فَارقه من مصر وَقدم بَغْدَاد فَحَضَرَ بهَا سَمَاعا فَلَمَّا طَابَ الْقَوْم وتواجدوا أنْشد الْمُغنِي أَبْيَات ابْن التعاويذي من الْبَسِيط سقاك سارٍ من الوسمي هتان إِلَى أَن قَالَ مِنْهَا
بَين السيوف وَعَيْنَيْهِ مشاركةٌمن أجلهَا قيل للأغماد أجفان
قَامَ ذَلِك الْفَقِير وَدَار واستمع وصرخ وَوَقع فحركوه فوجدوه مَيتا فوصل خَبره إِلَى شَيْخه ذِي النُّون فَقَالَ لأَصْحَابه تجهزوا حَتَّى نمشي إِلَى بَغْدَاد فَلَمَّا فرغوا من أشغالهم خَرجُوا إِلَيْهَا فقدموا عَلَيْهَا وَسَاعَة قدومهم الْبَلَد قَالَ ائْتُونِي بذلك الْمُغنِي فأحضروه إِلَيْهِ فأله عَن قصَّته مَعَ ذَلِك الْفَقِير فَقص عَلَيْهِ قصَّته فَقَالَ لَهُ أنْشد ذَلِك الشّعْر وَشرع هُوَ وجماعته فِي الْغناء بذلك الشّعْر فَلَمَّا ذكر الْبَيْت فَعِنْدَ ابْتِدَائه صرخَ الشَّيْخ على ذَلِك الْمُغنِي فَوَقع مَيتا فَقَالَ الشَّيْخ قَتِيل بقتيل أَخذنَا ثأر صاحبنا ثمَّ أَخذ فِي التجهز وَالرُّجُوع إِلَى الديار المصرية وَلم يلبث بِبَغْدَاد وَعَاد)
من فوره
وَتُوفِّي ذُو النُّون فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَأَرْبَعين وَقيل سنة سِتّ وَقيل سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ ﵀ وَدفن فِي القرافة الصُّغْرَى وعَلى قَبره مشْهد وَفِي المشهد قُبُور جمَاعَة من الصلحاء
قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ روى أَحَادِيث عَن مَالك فِيهَا نظر
وَكَانَ واعظاً فصيحاً وَكَانَ أهل ناحيته يسمونه الزنديق فَلَمَّا مَاتَ أظلت الطير جنَازَته
فاحترموا بعد ذَلِك قَبره وَله تَرْجَمَة طَوِيلَة فِي تَارِيخ دمشق
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع