من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَمِين الدّين القواس
جوبان بن مَسْعُود بن سعد الله أَمِين الدُّنيسري القواس التوزي الشَّاعِر كَانَ من أذكياء بني آدم وَله النّظم الْجيد كتب عبد الرَّحْمَن السّبتي وَغَيره
وَقَالَ شمس الدّين الْجَزرِي اسْمه رَمَضَان والجوبان وَقَالَ لم لم يكن يعرف الْخط وَلَا النَّحْو
قَالَ القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن فضل الله قَالَ شَيخنَا شهَاب الدّين مَحْمُود ابْن جوبان
كَانَ يدّعي الأميّة وَكَانَ بِخِلَاف ذَلِك قَرَأَ وَكتب وَحفظ المفصّل وَكَانَت كِتَابَته من هة التَّتوير فِي غَايَة الْقُوَّة بِحَيْثُ أَنه اسْتعَار من القَاضِي عماد الدّين مُحَمَّد بن الشِّيرَازِيّ درجاً بِخَط ابْن البوّاب وَنقل مَا فِيهِ إِلَى درج بورق التُّوز وألزق التُّوز على خشبٍ وأوقف عَلَيْهِ ابْن الشِّيرَازِيّ فعجبه وَشهد لَهُ أنّ فِي بعض ذَلِك شَيْئا أقوى من خطّ ابْن البوّاب واشتهر ذَلِك بِدِمَشْق وَبَقِي النَّاس يقصدونه يتفرّجون عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ ذهن خارق وَتُوفِّي فِي حُدُود الثَّمَانِينَ وستمئة وَمن شعره من الطَّوِيل
إِذا افترّ جنح اللَّيْل عَن مبسم الْفجْرولاح بِهِ ثغرٌ من الأنجم الزُّهر
وفاحت لَهُ من عابق الرَّوْض نفحةٌرشفنا بِهِ برد الرضاب من الْخمر
وعهدي بِوَجْه الأَرْض مُبْتَسِمًا فَلمتغرغر فِيهَا الدمع فِي مقل الْعذر
إِذا رجف المَاء النسيم لوقتهكَسَاه شُعَاع الشَّمْس درعاً من التبر
وبحر الرياض الْخضر بالزهد مزبدٌكأنّا فِي فلك مَجْلِسنَا نسري
وَمن شهب الكاسات بِالنَّجْمِ نهتديإِذا تاه ساري الْعقل فِي لجّة السكر
نصون الحميَّا فِي القناني وَإِنَّمَانصون القناني بالحميَّا وَلَا نَدْرِي
وَلما حكى الرَّاووق فِي الْعين شكلهوَقد علِّق العنقود فِي سالف الدَّهْر
تذكّر عهدا بالكروم فكلهعُيُون على أَيَّام عصر الصِّبا تجْرِي
عجبت لَهُ والرّاح تبْكي بِهِ فَلمغَدَتْ بحباب الكأس باسمة الثغر
إِذا مَا أَتَانِي كأسها غير مترعٍتحققت عين الشَّمْس فِي هَالة الْبَدْر
يناولنيها فاتر اللحظ أغيدٌفَللَّه ذَاك الأغيد المخطف الخصر
ينادمنا نظماً ونثراً وَلَفظهومبسمه يُغني عَن النّظم والنثر
)
فَلم يسقني كأس المدامة دون أَنسقاني بِعَيْنيهِ كوؤساً من السحر
وَقَالَ وفرط السُّكر يثني لِسَانهإِلَى غير مَا يُرْضِي التقى وَهُوَ لَا يدْرِي
ردوا من رضابي مَا يَنُوب عَن الطِّلاإِذا كَانَ وَجْهي فِيهِ مغنٍ عَن الزهر
وَمن كَانَ لَا تحوي ذراعاه مئزريفدون الَّذِي تحوي أنامله خصري
قلت قَوْله ولمّا حكى الرّاووق الْبَيْتَيْنِ يشبه قَول الآخر فِي النَّار من الطَّوِيل
كَأَن نضيد الفحم خوف شرارهإِذا النَّار مسّت جلده فتلوّنا
تذكِّر أَيَّام السَّحَاب الَّذِي جرىبمنبته لما تأوّد أغصنا
فأنبت مِنْهُ الآبنوس بنفسجاًوأثمر عنّابا وأورق سوسنا
وَقَوله وَقد علق العنقود بعض النَّاس يظنّه مفعول مَا لم يسم فَاعله فيرفع العنقود وَصَوَابه النصب على أَنه مفعول حكى وعَلى هَذَا شكله بدلٌ من الرّاووق
وَمن شعر أَمِين الدّين الجوبان من الدوبيت
جَاءَت سحرًا تشقَّ بَحر الْغَلَسكالطِّيف تَوَارَتْ فِي ظلال الخلس
مَا أطيب مَا سَمِعت من منطقهالاتسأل مَا لاقيته من حرسي
وَمِنْه من الدوبيت
يمشي مرحاً بتيهه وَالْعجبكالرّيم إِذا رام لحاق السّرب
مَا يسْرع فِي المشية إلاّ حذراأَن ترسم عَيْني شخصه فِي قلبِي
وَمِنْه من الدوبيت
زارت سحرًا تراقب السُّمّارارعياً وتراعى بِالْبُيُوتِ النّارا
بالمهجة أفدي خاطراً عنّ لَهَاحَتَّى ركبت من أَجلي الأخطارا
وَمِنْه من الدوبيت
لَا أستمع الحَدِيث من غَيْركُمْمن لذّه فكري واشتغالي بكم
ألوي نَظَرِي كأنني أفهمهُمن قَائِله وخاطري عنْدكُمْ
وَمِنْه من الدوبيت
فِي وجنته من مهج العشاقمَا قَامَ دَلِيله على الإهراق
والسّالف قد دبَّ على جمرتهاقالورد يرى من خلل الأوراق
)
وَمِنْه فِي كشتوان من الْخَفِيف
أَنا عونٌ على بُلُوغ المرامولي اسْم بالعون والنفع سَام
أَنا بِي يتَّقى الْحَرِير من اللّبْس ولبسي فِي غَايَة الابهام وَمِنْه من السَّرِيع
يعبث عجبا بقلوب الورىفِي الشُّح بالوصل وبذل السَّماح
يؤيس بالنرجس من يجتنيفَإِن لوى أطْعمهُ بالإقاح
وَأورد لَهُ الشَّيْخ شمس الدّين فِي تَرْجَمَة عبد الْحق بن إِبْرَاهِيم بن سبعين من مخلع الْبَسِيط
مظَاهر الْحق لَا تعدُّوَالْحق فِيهَا فَلَا يحدُّ
فباطنٌ لَا يكَاد يخفىوَظَاهر لَا يكَاد يَبْدُو
إِن بطن العَبْد فَهُوَ ربٌّأَو ظهر الربّ فَهُوَ عبد
فعين كل عين زل وجوداقبضٌ وبسطٌ أخذٌ ورد
وَمن شعر جوبان أَيْضا قَوْله من الْمُحدث
سَار مَذْمُوم ركبهمْوَهُوَ عنّي مجنَّب
فَأَنا الْيَوْم بعدهمْبالمغاني أسبِّب
وَكتب على قَوس من الْخَفِيف
أَنا عون على هَلَاك عداكازادك الله نصْرَة وحماكا
فادعني فِي الوغى تجدني صبوراًنَافِذ السّهم فِي العدى فتاكا
بِي فِي الْحَرْب نلْت مطلبك الْأَقْصَى وَمَا بِي من قدرَة لولاكا وَمن شعره من مجزوء الوافر
قطعت الْعُمر منعكفاًعلى نضييع أوقاتي
فَمن أسفٍ على الْمَاضِيوَمن حرصٍ على الْآتِي
وَمِنْه من السَّرِيع
لما بدا الشَّعر على سالفيهسعى بِهِ من كَانَ يسْعَى إِلَيْهِ
مَا عَايَنت من قبله مقلتيبَدْرًا عراه النّقص من جانبيه
وَقيل إِنَّه كَانَ يهوى غُلَاما حسنا عِنْد معلّم فَكَانَ إِذا توجَّه إِلَى حانوته أَشَارَ إِلَيْهِ الْغُلَام بِأَن لَا)
يقف خوفًا من معلّمه فَقَالَ من المنسرح
أقصد حانوته فيغمرنيأَن لَا تقف عندنَا لتهتكنا
فإنّ هَذَا معلّمي رجلٌقد لَاطَ قسطاً من عمره وزنى
لَا جمّل الله من معلّمهبالسِّتر عرقاً إِن عَاشَ أَو دفنا
علَّمه صَنْعَة يعِيش بهَامَعَه وَأُخْرَى بهَا أَمُوت أَنا
قلت سكّن الْفَاء من يقف وَهِي مَفْتُوحَة وَلِهَذَا لحنٌ وسكَّن الْعين من مَعَه واللغة الفصحى تحريكها
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع