تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

النوين

جوبان النوين الْكَبِير نَائِب المملكة المغليَّة كَانَ بطلاً شجاعاً مهيباً شَدِيد الْوَطْأَة كَبِير الشَّأْن كير الْأَمْوَال عالي الهمة صَحِيح الْإِسْلَام ذَا حَظّ من صلاةٍ وبرٍّ بذل الذَّهَب الْكثير حَتَّى أوصل المَاء إِلَى مَكَّة وَجرى بهَا وَلم يبْق للْمَاء ثمن يُبَاع بِهِ وَإِنَّمَا الثّمن لأجرة نقلة لَا غير

وَأَنْشَأَ مدرسة مليحة بِالْمَدِينَةِ النبويّة وتربةً ليدفن بهَا وَكَانَ لَهُ ميل كثير إِلَى الْإِسْلَام وَهُوَ أحد الْأَسْبَاب الْكِبَار فِي تَقْرِير الصُّلْح بَين السُّلْطَان بو سعيد مخدومه وَالسُّلْطَان الْملك النَّاصِر

أَخْبرنِي جمَاعَة من أهل رحبة مَالك بن طوق أَنه لما نزل خربندا عَلَيْهَا وَنصب المجانيق فِي منجنيق قراسنقر حجرا تعتع القلعة وشقّ مِنْهَا برجاً وَلَو رمى غَيره هدمها وَكَانَ الجوبان يطوف على العساكر وَشَاهد المحاصرين فَلَمَّا رأى ذَلِك أحضر المنجنيقي وَقَالَ لَهُ تُرِيدُ أَن أقطع يدك السَّاعَة وسبّه وذمّه بانزعاج وحنق وَقَالَ والك فِي شهر رَمَضَان نحاصر الْمُسلمين ونرميهم بحجارة المناجنيقلو أَرَادَ الْقَائِد أَن يَقُول لهَؤُلَاء الْمغل الَّذين مَعَه ارموا على هَذِه القلعة مخلاة تُرَاب كلّ واحدٍ كَانُوا طمّوها وَإِنَّمَا هُوَ يُرِيد أَن يَأْخُذهَا بالأمان من غير سفك دمٍ وَالله مَتى عدت رميت حجرا آخر سمَّرتك على سهم المنجنيق

وَحكى لي مِنْهُم عَنهُ غير وَاحِد أنّه كَانَ ينْزع النَّصل من النشاب وَيكْتب عَلَيْهِ إيّاكم تذعنوا أَو تسلِّموا وطوِّلوا روحكم فَهَؤُلَاءِ مَا لَهُم مَا يَأْكُلُونَهُ وَكَانَ يحذرنا هَكَذَا بعدة سهامٍ كَانَ يرميها إِلَى القلعة وَاجْتمعَ بالوزير وَقَالَ لَهُ هَذَا القان مَا يُبَالِي وَلَا يَقع عَلَيْهِ عتبٌ وَفِي غَد وَبعده ذَا تحدّث النَّاس أيش يَقُولُونَ نزل خربندا على الرَّحبة وَقَاتل أَهلهَا وَسَفك دِمَاءَهُمْ وهدمها فِي شهر رَمَضَان فَيَقُول النَّاس فَمَا كَانَ لَهُ نَائِب مُسلم وَلَا وَزِير مُسلم وقرّر مَعَه أَن يحدّثا القان)

خربندا فِي ذَلِك ويحسّنا لَهُ الرحيل عَن الرحبة فدخلا إِلَيْهِ وَقَالا لَهُ الْمصلحَة أَن تطلب كبار هَؤُلَاءِ وقاضيهم ويطلبوا مِنْك الْأمان ونخلع عَلَيْهِم ونرحل بحرمتنا فَإِن الطابق وَقع فِي خَيْلنَا وَمَا للمغل مَا تَأْكُل خيلهم وَإِنَّمَا هم يَأْخُذُونَ قشور الشّجر ينحتونها ويطعمونها خيلهم وَهَؤُلَاء مُسلمُونَ وَهَذَا شهر رَمَضَان وَأَنت مُسلم وَتسمع قراءتهم الْقُرْآن وضجيج الْأَطْفَال وَالنِّسَاء فِي اللَّيْل فوافقهم على ذَلِك وطلبوا القَاضِي وَأَرْبَعَة أنفس من كبار البحرية وحضروا قُدَّام خربندا وخلعوا عَلَيْهِم وأعادوهم وَبَاتُوا فَمَا أصبح للمغل أثر وَتركُوا المناجنيق وأثقالها رصاصاً وَالطَّعَام والعجين وَغَيره لم يصبح لَهُ أثر هَذِه الْحَرَكَة تكفيه عِنْد الله تَعَالَى حقن دِمَاء الْمُسلمين وَرفع الْأَذَى عَنْهُم لكنه أباد عددا كثيرا من الْمغل وَجرى لَهُ مَا تقدم فِي تَرْجَمَة ايرنجي وَأخذ من الرشيد الْوَزير ألف ألف دِينَار وَقد مرَّ ذكر ابْنه تمرتاش وَابْنَته بغداذ وَكَانَ ابْنه دمشق قَائِد عشرَة آلَاف فَزَالَتْ سعادتهم وتنمّر لَهُم بوسعيد وَقتل دمشق خواجا وَلَده وهرب أَبوهُ إِلَى وَالِي هراة لائذاً بِهِ فآواه وأطلعه إِلَى القلعة ثمَّ قَتله وَنقل تَابُوت جوبان إِلَى الْمَدِينَة النبويّة لِأَن ابْنَته بغداذ جهَّزته مَعَ الركب ليدفن فِي تربته فَمَا تمّ لَهُ ذَلِك وَبلغ الْخَبَر السُّلْطَان الْملك النَّاصِر فجَّهز الهجن إِلَى الْمَدِينَة وَأمرهمْ أَن لَا يمكّن من الدّفن فِي تربته فَدفن تابوته فِي البقيع وَكَانَت قتلته فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وسبعمئة وَكَانَ من أَبنَاء السِّتين لِأَنَّهُ لما قدم دمشق مَعَ قازان كَانَ من أكبر قواده رَحمَه الله تَعَالَى وَخلف من الْأَوْلَاد تمرتاش وَتقدم ذكره ودمشق ملك وصرغان شيرا وبغبصطي وسلجوكشاه وَالْملك الْأَشْرَف وَالْملك الأشتر

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْجِيم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.