من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن الْمُحدث الْكَاتِب
الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عدنان بن شُجَاع الحمداني بدر الدّين ابْن الْمُحدث المجود الْكَاتِب
كَانَ فَاضلا ينظم وينثر وَله كتاب بربى بَاب الْجَابِيَة بِدِمَشْق وَكَانَ يكْتب الْعَصْر فِي الْمدرسَة الأمينية كتب عَلَيْهِ جمَاعَة وَكتب هُوَ على الشَّيْخ نجم الدّين بن البصيص
كَانَ الْملك الأوحد لَهُ مَعَه صُحْبَة فَتحدث لَهُ مَعَ الأفرم أَن يدْخل فِي ديوَان الْإِنْشَاء بِدِمَشْق فرسم لَهُ بذلك فَأبى فلامه الْملك الأوحد على ترك ذَلِك فَقَالَ أَنا إِذا دخلت بَين الموقعين مَا يرتب لي أَكثر من خَمْسَة دَرَاهِم فِي كل يَوْم وَمَا يجلسونني فَوق بني فضل الله وَلَا فَوق بني القلانسي وَلَا فَوق بني غَانِم فَم يجلسونني إِلَّا دونهم وَلَو تَكَلَّمت قَالُوا أبْصر
المصفعة وَاحِد كَانَ فَقِيه كتاب قَالَ يُرِيد يقْعد فَوق السَّادة من الموقعين وَإِذا جَاءَت سفرة مَا يخرجُون غَيْرِي فَإِن تَكَلَّمت قَالَ أبْصر المصفعة قَالَ يحتشم على السّفر فِي ركاب ملك الْأُمَرَاء وَهَذَا أَنا كل يَوْم يحصل لي من التكتيب الثَّلَاثُونَ درهما وَالْأَكْثَر والأقل وَأَنا كَبِير هَذِه الصِّنَاعَة وَأحكم فِي أَوْلَاد الرؤساء والمحتشمين
ونظم فِي ذَلِك من الْخَفِيف
لائمي فِي صناعتي مستخفاًبِي إِذْ كنت للعلا مُسْتَحقّا
)
مَا غزالٌ يقبل الْكَفّ منيبعد بري وَلم يضع لي حَقًا
مثل تيسٍ أبوس مِنْهُ يداقد صغرت من ندىً لأسأل رزقا
فيولي عني ويلوي عَن ردسلامي ويزدريني حَقًا
فاقتصد وَاقْتصر عَلَيْهَا فَمَا عِنْد إِلَه السَّمَاء خيرٌ وَأبقى وَقَالَ أَيْضا من الطَّوِيل
غَدَوْت بتعليم الصغار مؤجراوحولي من الغلمان ذُو الأَصْل والفصل
يقبل كفي مِنْهُم كل سَاعَةويعطونني شَيْئا أَعم بِهِ أَهلِي
وَذَاكَ بِأَن أسعى إِلَى بَاب جَاهِلأقبل كفيه أَحَي إِلَى مثلي
أميرٌ إِذا ميزت لَكِن بِلَا حجىًوَكم قد رَأينَا من أَمِير بِلَا عقل
قلت هَذَا نظم عَجِيب التَّرْكِيب
وَقَالَ فِي فرحة من السَّرِيع
مَا فرحتي إِلَّا إِذا واصلتفرحة بَين الكس والكاس
لَا أَن أَرَاهَا وَهِي فِي مجْلِسمَا بَين طباخٍ وعداس
وَكَانَ قد أَنْشدني شَيْئا من شعره وَكتب إِلَيّ أبياتاً لامية ملزومة فأجبته عَنْهَا فِي وَزنهَا ورويها والتزمت الْمِيم قبل اللَّام وَلم أجد أبياته لعدمها عِنْد تَعْلِيق هَذِه التَّرْجَمَة فَمَا أثبتها وَلَا أبياتي إِذْ لَا فَائِدَة فِي ذَلِك
وَكنت وقفت لَهُ على قصيدة بِخَطِّهِ نونية أَولهَا من الطَّوِيل
نعم هَذِه نجدٌ وهاتيك نعْمَانفمل إِن قلبِي للصبابة أوطان
وَفِي القصيدة جدولان مكتوبان بالحمرة من كل بَيت كلمتان الأولى من النّصْف الأول وَالثَّانيَِة من النّصْف الثَّانِي ومجموع الْجَدْوَل الأول قَوْله تَعَالَى إِن فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار والفلك الَّتِي تجْرِي فِي الْبَحْر الْآيَة
وَمن شعره أَيْضا من الطَّوِيل
وَقد عنفوني فِي هَوَاهُ بقَوْلهمْستطلع مِنْهُ الذقن فاقصر عَن الْحزن
فَقلت لَهُم كفوا فَإِنِّي واقعٌوحقكم بالوجد فِيهِ إِلَى الذقن
وَله يُعَارض القصيدة الهيئية من الهزج)
عَن الغي إِلَى الرشدعدلت الْآن عَن قصدي
وميلت وُجُوه الْهزْل عَن عمدٍ إِلَى الْجد وأجدي بِي أَن أعلم أَن الْجَهْل لَا يجدي لِأَنِّي نلْت من لذات دهري غَايَة الْقَصْد
فكم عاشرت من حرٍوَكم حارفت من عبد
وَكم صاحبت ذَا جهلوَكم خالطت ذَا رشد
وَكم صافيت صوفياوزاورت أَخا زهد
وعاشرت كبار الأَرْض فِي قرب وَفِي بعد
وَكم مازحت سوقياًوَكم مازجت من جندي
وَكم لقلقت بالتركيوَكم بقبقت بالكردي
وَكم نادمت فِي ليلِيأَمِيرا مَا لَهُ قصدي
إِلَى أَن صَار فِي كفي مَا يَكْفِي من الرفد
وَكم سَافَرت فِي الْبرلرؤيا الجزر وَالْمدّ
وَكم واكلت فِي الأسطول من برٍ وَمن وغد
وَكم خاللت من خلٍّوَكم داريت من ضد
وَكم سَافَرت فِي بحرٍطَوِيل الْحر وَالْبرد
وَكم لاقيت من نحسٍوَكم صادفت من سعد
وَكم غازلت غزلانامن النسوان والمرد
وَكم قبلت من ثغرٍوَكم عانقت من قد
وَكم غالبت من لاعب بالشطرنج والنرد
وَكم ظبيٍ رخيم الدل يَحْكِي الْبَدْر فِي السعد
ثنى نحوي عطفيهوَقد أنْجز لي وعدي
فأضحى رِيقه خمريوَأمسى خَدّه وردي
وَكم من غادة لمياء قد مَالَتْ على زندي
وضمتني إِلَى صدرٍتمليت بِهِ وحدي
)
وعمداً واصلت وَصليوَقد صدت عَن الصد
وباتت وَهِي لي إِذْ بت أرضي قَصدهَا تفدي
فتهدي وافر النهدوأهدي وافر النهد
ونادمت وغنيتوألهبت بِمَا أبدي
من الأسمار والأشعار والأسحار والوعد
وَكم سرمطت سرماطاًمن الْحل إِلَى العقد
وعزبرت وعزمتعلى الْكَفّ مَعَ الزند
وَفِي المندل أحضرتبحرق الْعود والند
وجمعت جموع الجان فِي الْحَال إِلَى عِنْدِي
فَمنهمْ طائعٌ قوليوَمِنْهُم ناكث عهدي
وَمِنْهُم من لَهُ استخدمت حَتَّى صَار كَالْعَبْدِ وَمِنْهُم من لَهُ أحرقت إِذْ خَالف من جد
وَكم أرمدت من عينوَكم أبرأت من رمد
وَكم قطعت ملبوساًمن الصُّوف إِلَى الْبرد
إِلَى المنظر والجوخ السقلاط إِلَى الْهِنْدِيّ
وَكم قطعت من جلديعباةً قطعت جلدي
وَكم شقيت صهيونيوَكم كفنت من سندي
وَكم شعشعت حلبوينلندماني على الْورْد
وَكم أشعلت من شمعتروق الْعين بالوقد
وأقلامي بهَا أفعل فعل السَّيْف ذِي الْحَد وَهل من كاتبٍ مثلي من قبلي أَو بعدِي
إِذا والى لَهُ قلمٌكَمثل الْبَحْر ذِي الْعد
وَإِن عادى لَهُ كلمكَمثل النَّار فِي الوقد
وَكم قد طَال بل قد طَابَ فِي كسب الْعلَا سهدي وطالعت عُلُوم النَّاس عَن قصد وَعَن جهد)
وعاشرت من الْكتاب أهل الْحل وَالْعقد وجالست ذَوي الْأَلْبَاب أهل الْجد وَالْجد وشكري دَائِما لله رَبِّي الصَّمد الْفَرد
لما يسر من فضلوَمَا أنعم من رفد
وَأَرْجُو مِنْهُ غفراناإِذا أمسيت فِي لحدي
فَمَا لي غَيره مولىلَهُ شكري مَعَ الْحَمد
وَله أَيْضا من الْخَفِيف
كم كَذَا فِيهِ تقعدي يَا تاجهمَا تزوري الحريف وَقت الحاجه
وتغيبي شهرا وشهراً وَتَأْتِيهَكَذَا هَكَذَا تكون الخواجه
خبروكي عني بِأَنِّي عديمٌلَيْسَ لي قطّ قحبة هياجه
كم أَتَتْنِي صبيةٌ مثل بدرٍكسها قد رَبًّا مثل الكماجه
مَا تجيني إِلَّا بنقلٍ وشمعوشرابٍ وخضرة ودجاجه
وَإِذا نمت كفها فَوق زكليوعَلى نيكه تطيل اللجاجه
وَإِذا مَا عانقتها فِي فرَاشفَهِيَ تحتي شخارة غناجه
كلما أَن ذاقت لقلقاس أيريأطعمته من حَيْضهَا زيرباجه
لَا تقولي بسى من الشَّيْخ بسىإِن ترك الشُّيُوخ عِنْدِي سماجه
كل ستٍ وكل بنتٍ إِلَى مَاقد علمتي يَا ستنا محتاجه
لَا تضيعي مثلي وعودي إِلَى الووخلي يَا سِتّ عَنْك الزلاجه وأنشدني من لَفظه شمس الدّين مُحَمَّد بن بَادِي قَالَ أَنْشدني الشَّيْخ بدر الدّين حسن بن الْمُحدث لنَفسِهِ من المنسرح
كن عاذراً شاتم الْمُؤَدب إِذْيَأْخُذ من عرضه ويشتمه
لِأَنَّهُ ناكه على صغرٍوَمن ينيك الصَّغِير يَظْلمه
وكل فلسٍ حواه يَأْخُذهُوكل قوت بِالضَّرْبِ يؤلمه
نيكٌ وأخذٌ وَالضَّرْب بعدهمَاوالحقد إِحْدَى الثَّلَاث يضرمه
قلت مَا جزم الشَّرْط وَلَا جَوَابه فِي الْبَيْت الثَّانِي)
وَمن شعره أَيْضا من مجزوء الرجز
بقل هُوَ الله أحدأعيذ خداً قد وَقد
وناظراً وسنانهعَلَيْهِ طرفِي مَا رقد
أَقُول لما زارنيأنْجز حرٌ مَا وعد
من كأسه وخدهتخال وردا قد ورد
من حمل ثقل ردفهمَا قَامَ إِلَّا وَقعد
وَلَا انثنى من لينهإِلَّا وَقد قلت انْعَقَد
كالظبي إِلَّا أَنهيفعل أَفعَال الْأسد
فِي جيد من عنفنيعَلَيْهِ حبلٌ من مسد
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع