من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
بدر الدّين الْغَزِّي
الْحسن بن عَليّ بن حمد بن حميد بن إِبْرَاهِيم بن شنار بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالنُّون وَبعد الْألف رَاء بدر الدّين الْغَزِّي سَأَلته عَن مولده فَقَالَ سنة سِتّ وَسَبْعمائة بغزة
شَاعِر جيدٌ جزل الْأَلْفَاظ متين التراكيب متسرع البديهة حسن التروي لَهُ غوصٌ على الْمعَانِي كتب الْمَنْسُوب وعارض ابْن شَهِيد فِي كِتَابه التوابع والزوابع وَوضع فِي تِلْكَ الْمَادَّة كتابا سَمَّاهُ قريض القرين وجوده
وأنشدني بِدِمَشْق وصفد والديار المصرية غَالب شعره وَدخل ديوَان الْإِنْشَاء بِدِمَشْق أَيَّام الْأَمِير سيف الدّين يلبغا ﵀ فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَلم يزَل إِلَى أَن توفّي ﵀ وَعَفا عَنهُ وسامحه فِي لَيْلَة الْخَمِيس حادي عشر شهر رَجَب الْفَرد سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة وَدفن فِي مَقَابِر بَاب الصَّغِير بِدِمَشْق مرض بدوسنطاريا كبدية مُدَّة سِتَّة عشر يَوْمًا
وبيني وَبَينه مكاتبات ومراجعات ذكرتها فِي كتاب ألحان السواجع أَنْشدني من لَفظه لنَفسِهِ فِي مليح على فَمه حبٌ مجزوء الرمل يَا فَم المعشوق سُبْحَانَ الَّذِي زادك زينا
قد تحليت بدرٍفتحببت إِلَيْنَا
وأنشدني أَيْضا من الوافر)
توهم إِذْ رأى حبا يحاكيعلى شَفَتَيْه درا فِي عقيق
فَقلت لَهُ وحقك لَيْسَ هَذَاسوى حببٍ على كأس الرَّحِيق
وأنشدني أَيْضا من المتقارب
وأغصان دوح زها دفهافَللَّه بالقصف تعميرها
تغنى على الْعود ورقاؤهاوينقر فِي الدُّف شحرورها
وأنشدني لَهُ أَيْضا من الوافر
شممت نسيم زهر اللَّوْن لماخرجنَا سبكرةً تَنْفِي الهموما
فتحت الدوح شاهدنا بدوراًوَفِي أَعْلَاهُ عاينا نجوما
وأنشدني لَهُ أَيْضا من مجزوء الْكَامِل أَو مَا ترى الفوار قَارب أَن يقوض
والزهر فِي ورقٍزمرده مفضض
كالخد عذر بعضهوَالْبَعْض أَبيض
وأنشدني من لَفظه لَهُ من الْخَفِيف
ثغر من قد هويته يهديفِي ظلام الدجنة الحالك
بِالثُّرَيَّا شبهته ظلماوالثريا أقل من ذَلِك
وأنشدني من لَفظه لَهُ من الرمل
مَا ترى التفاح يهديزهره نشراً ذكيا
فاق زهر الْأُفق فَانْظُروتأمله مَلِيًّا
كل غُصْن مِنْهُ يَبْدُوفَوْقه ألف ثريا
وأنشدني من لَفظه لَهُ من الطَّوِيل
وصفراء حَال المزج يصْبغ ضوءهاأكف الندامى وَهُوَ فِي الْحَال ناصل
وتهفو بألباب الرِّجَال لِأَنَّهَادويهيةٌ تصفر مِنْهَا الأنامل
وأنشدني من لَفظه لَهُ من مسدس الرجز
أَنا الْقَلِيل الْعقل فِي صرفي الَّذِيأملكهُ فِي كلف المشارب
مَا نلْت من تَضْييع موجودي سوىتصفية الكاسات فِي شواربي
)
وأنشدني من لَفظه لَهُ من مسدس الرجز
أعجب مَا فِي مجْلِس اللَّهْو جرىمن أدمع الراووق لما انسكبت
لم تزل البطة فِي قهقهةمَا بَيْننَا تضحك حَتَّى انقلبت
وأنشدني من لَفظه أَيْضا من مسدس الرجز
يَا من يلوم فِي التصابي خَلِّنِيفأذني عَن الملام قد نبت
تصفية الكاسات فِي شواربيأضحكت البطة حَتَّى انقلبت
وأنشدني من لَفظه لَهُ من الطَّوِيل
وأهيف كالغصن المرنح شاقنيفطار إِلَيْهِ الْقلب من فرط شوقه
رأى الْبَدْر يَحْكِي وَجهه وَهُوَ سَافرفَحَمله من جوره فَوق طوقه
وأنشدني من لَفظه لَهُ من الْكَامِل
يَا صاحباً مَا زَالَ فِي إنعامهلثياب راجيه المؤمل رافي
قد قطعت فرجيتي حَتَّى لقدظهر القطوع بهَا على أكتافي
وأنشدني من لَفظه لَهُ من المتقارب
وأيكيةٍ هَتَفت سحرةًفهاجت عَليّ غراماً دَفِينا
تكَاد إِذا رجعت صَوتهَاقضيب الأراكة ينْقد لينًا
تغني فتستوقف الصَّبْر عَنلجاجته وتحث الشجونا
وتبكي وَلَكِن بِلَا أدمعٍوَمَا هَكَذَا يَنْبَغِي أَن تَكُونَا
وأنشدني من لَفظه لَهُ من الْكَامِل
غصنٌ رَشِيق الْقد لَان معاطفاًنشوى وبالشعر الْمرجل أورقا
وبمثل بدر التم أثمر فانظرواهَذَا القوام أجل أم غُصْن النقا
وأنشدني من لَفظه لَهُ من الطَّوِيل
سرت من بعيد الدَّار لي نفحة الصِّبَافقد أَصبَحت حسرى من السّير ظالعه
وَمن عرقٍ مبلولة الجيب بالندىوَمن تَعب أنفاسها متتابعه
وَكتب إِلَيّ بِالْقَاهِرَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة من الْبَسِيط
ليل التجنب من أجفاننا شهبهومجدب الرّبع مَا كَانَت دَمًا سحبه
)
مَا للنوى أطلعت فِي غاربٍ قمراًيقلهُ البان يَوْم الْبَين لَا غربه
تنظمت عبراتي فِي ترائبهعقدا كَمَا انتثرت فِي وجنتي سخبه
يَا من وفى الدمع إِذْ خَان الوداد لَهُغدر الحبيب وَفَاء الدمع أَو سَببه
قد كنت أَحسب صبري لَا يذم وَقدمضى وَفِي ذمَّة الأشواق أحتسبه
يَا نازحاً سكن الْقلب الخفوق وَمنإِحْدَى الْعَجَائِب نائي الْوَصْل مقتربه
مَا لَاحَ برقٌ وَلَا ناحت مطوقةٌوَلَا تناوح من بَاب الْحمى عذبه
أَلا تساعد قلبِي والدموع وأحناء الضلوع على شوقٍ علا لهبه
حكيت يَا برق قلبِي فِي الخفوق وَلميفتك إِلَّا لهيب الوجد لَا شنبه
من لي بأغيد بدر التم حِين بداقد سَاءَ إِذْ رام تَشْبِيها بِهِ أدبه
ممنعٌ بِالَّذِي ضمت غلائلهمن القنا وَبِمَا أصمت بِهِ هدبه
بَين الأسنة محجوبٌ وَلَو قدرُوامَا قَوس حَاجِبه أغنتهم حجبه
سلبنني بالضنى لحمي لواحظهوهم أَسد الشرى المسلوب لَا سلبه
لَو لم يكن رِيقه خمرًا ومرشفهكأساً لما كَانَ يَحْكِي ثغره حببه
كَذَا ابْن ابْنك لَوْلَا مَا حواه لماعَن الْكَتَائِب أغنت فِي الوغى كتبه
ذاد الأولى عَن طَرِيق الْمجد ثمَّ نحاآثاره فعلت أحبالهم هضبه
وآب يقطف من أغصانه ثمراًإِذا أَتَى غَيره بالشوك يحتطبه
أقلامه فَرحا بِالْفَضْلِ أنملهاكلٌ مخلق ثوب الْمجد مختضبه
تكَاد ألسنها تمتد من شغفإِلَى أجل مَعَاني القَوْل تقتضبه
يراعه روعت لامات أحرفهاأحشاء منحرفٍ لاحاته يُلَبِّهِ
أضحت مسببة الأرزاق حِين حكتسبابةً لعدوٍ قد وهى سَببه
يَا من يجيل قداح الميسر ارْمِ بهَاوارم الفجاج لتيهٍ نجحه طلبه
واقصد جناب صَلَاح الدّين تلق فَتىيهزه حِين يُتْلَى مدحه طربه
بنت على عنق العيوق همتهبَيْتا تمد على هام السها طنبه
قد أَتعبت راحتاه الْكَاتِبين وَلميُدْرِكهُ حِين جرى نَحْو الْعلَا تَعبه
فاعجب لَهَا رَاحَة تَسْقِي اليراع ندىًإِذْ لم تكن أورقت فِي ظلها قضبه
)
تناسب الدّرّ من ألفاظها فَإلَىبجر الندى لَا إِلَى بَحر الدنا نسبه
يرضى ويغضب فِي حَالي ندىً وردىًوَبَين هذَيْن منهوك الْحمى نشبه
رِضَاهُ للطالبي جدواه ثمَّ علىمَا تحتوي يَده من مَاله غَضَبه
وَقَالَ موشحةً عَارض بهَا قَول ابْن سناء الْملك الراح فِي الزجاجة أذكى الجوى وهاجه برد اللمى فِي ثغر ريم مايس الْقد يحميه أَن أرومه لحظٌ أرى فرط الفتور سَيْفه الْهِنْدِيّ
ظبيٌ رمى فُؤَادِيمن لحظه بِسَهْم
وَقد حمى رقاديلما أَبَاحَ سقمي
فالطرف للسهادوللسقام جسمي
واعجب من انقياديإِلَيْهِ وَهُوَ خصمي
لَكِنَّهَا اللجاجة ترمي بهَا عقل الْحَلِيم سُورَة الوجد إياك أَن تلومه فاللوم فيهذي الْأُمُور قَلما يجدي
أفديه ظَبْي أنسألمى الشفاه أحوى
حشاشتي وَنَفْسِيمرعىً لَهُ ومثوى
كذبت فِيهِ حسيإِذْ لم تلنه شكوى
وجسمه بلمسيعِنْد العناق يطوى
يَا حسن الاندماجه فِي خصره المضنى السقيم وَهُوَ فِي الْبرد فالقامة القويمة بالخد
كالغصن النَّضِير ناضر الْورْد
لله مِنْهُ طرفٌيدمي الْقُلُوب لحظا
ووجنةٌ تشفوَلَا ينيل حظا
يرق إِذْ يرفقلبِي لَهَا ليحظى
تريك حِين تصفوجسماً يخال فظا
كالراح فِي الزجاجه تزهى بهَا كف النديم عِنْدَمَا تبدي أشعةً عَظِيمَة تندى إِذا شيمت وتوري جذوة تهدي
يَا لوعة الغرامزيدي وَيَا جفوني
بأدمعي الهواميجودي وَلَا تخوني
)
فَهَتَفَ الْحمامقد هيجت شجوني
وكل مستهامٍمُسْتَأْنف الحنين
لَا تنكر انزعاجه للبرق فِي اللَّيْل البهيم مقلةٌ تهدي إِلَى الحشا السليمه خفقاً أباتته سميري لَيْلَة الصد
دع ذَا وَقل مديحافِي أَحْمد بن يحيى
من لم يزل مزيحاأعذار كل عليا
منتسباً صَرِيحًاآخِرَة وَدُنْيا
تخال مِنْهُ يوحافِي الدست حسن رُؤْيا
إِذا رأى ابتهاجه للجود وللداعي المضيم سَاعَة الْجهد فالكف مِنْهُ ديمه وَالْوَجْه شمس ذَات نور فِي سَمَاء الْمجد
للسر مِنْهُ حصنٌعلى الورى مطل
لَيست بِهِ تظنعوراء تستدل
غاراته تَشِنْعلى العدى فتبلو
أخبارهم ويعنومِنْهُم لَهَا الْأَجَل
فَمن رأى هياجه سواهُ بالليث الكليم وَهُوَ فِي السرد وَنَفسه الكريمه فِي السّلم كالغيث للطير سَاعَة الرفد
وغادةٍ ثنتنيأعطافها الرشاق
لَكِنَّهَا أرتنيأَن الدما تراق
بالصد والتجنيوَبعدهَا الْفِرَاق
قَالَت فرغت عنيوالصحبة اتِّفَاق
فَقلت بانحراجه يَا سِتّ خليني بشؤمي وانجزي وعدي قَالَ أَنا مقيمه فاعمل وهات لي قلت زوري فالذهب عِنْدِي
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع