تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

ابْن حرّاز

الْحُسَيْن بن أبي مَنْصُور بن حرَّاز بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء المشدَّدة وَبعد الْألف زايٌ أَبُو عبد الله الهمامي وجيه الدّين وَهُوَ ابْن أُخْت أبي الْغَنَائِم مُحَمَّد بن عَليّ بن الْمعلم الهرثي كَانَ وجيه الدّين يعرف النَّحْو واللغة قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الشُّعَرَاء سمعته يَقُول حفظت كتاب سِيبَوَيْهٍ بعد الْمفصل للزمخشري أَقَامَ بِمصْر فِي خدمَة الْكَامِل بن الْعَادِل وصادف عِنْده الْقبُول وَلما سيَّر الْكَامِل وَلَده إِلَى الْيمن ليفتحها نظم وجيه الدّين من الْبَسِيط

مهما أمرت يواتي أَمرك الْقدرسر بالعساكر مَقْرُونا بهَا الظَّفر
لَك العزائم لَا تنبو مضاربهاتضاءلت عِنْدهَا الهنديَّة البتر
جيَّشت مِنْهَا جيوشاً خلتها سحباًلَهَا الصَّوارم برقٌ والدِّما مطر
قد أينعت سمرها مِمَّا ارتوت علقاًكَأَنَّمَا الْهَام فِي أطرافها ثَمَر
بديهة الرَّأْي مِنْهَا كلما صدرتبالحزم فَهِيَ لأرباب النُّهى فكر

ثمَّ ذكر ابْنه فَقَالَ من الْبَسِيط

سَاق المقانب قد حفَّت بمقتبلٍعَلَيْهِ ألوية الإقبال تنتثر
إِذا رَأَتْهُ وَهُوَ وافى الْمُلُوك بهَاأَلْقَت إِلَيْهِ جنَاح الذُّلِّ تعتذر
فَيمسك الْحلم مِنْهُ صوب بادرةٍإنَّ الْكِرَام يرَوْنَ الْعَفو إِن قدرُوا

)

قَالَ وجيه الدّين كنت قلت إِن قدرُوا شرطا فَقَالَ الْكَامِل لَا تجْعَل هُنَا شرطا وَلَكِن قل أَن قدرُوا فَأَنا أوردهُ كَمَا أَرَادَ وَهُوَ لعمري أُصِيب لشاكلة الْمَعْنى وأحيز لخصل الْحسن وَأَجَازَهُ عَنْهَا الْكَامِل جَائِزَة سنيةً قَالَ وجيه الدّين اشْتغل عني الْكَامِل مُدَّة بأَخيه الْمُعظم وَنحن فِي نواحي أشموم من نواحي مصر فَكتبت إِلَيْهِ من الْكَامِل

مولَايَ إنَّ سهاد ليلى والبكاأَمْسَى رَقِيق عناهما إنساني
وَزَوَال ذَاك الرِّقِّ مِنْكُم نظرةٌمَا آن لي أَن تعتقوا أجفاني

فَلَمَّا وقف الْكَامِل عَلَيْهِمَا قَالَ لينصرف الجامعة وَيُؤذن لَهُ وَقَالَ فيهم أَيْضا من الْكَامِل

إيهاً بني أَيُّوب أَنْتُم روضةٌوَأَبُو المظفَّر غيثها المدرار
غصنٌ من الْمَعْرُوف يثني عطفهكرمٌ لَهُ الذّكر الْجَمِيل ثمار
وكأنَّ مدحي فِيهِ معصم غادةٍوندى يَدَيْهِ الْغمر فِيهِ سوار

وودع الْكَامِل يَوْمًا وَقد خرج إِلَى الصَّيْد فَلَمَّا رَجَعَ دخل إِلَيْهِ وأنشده من الْكَامِل

عتب الغرام عليَّ يَوْم وداعكمإِذْ كَانَ لي صبرٌ على التَّوديع
وبجا على خدَّيَّ من ألم الجوىعقدٌ تنظَّم من سقيط دموعي
وتولَّعت ريح الصَّبا بصبابتيفسرت بقلبٍ بالغرام ولوع
وَرَأى السَّحَاب فضيض دمعي فِيكُمفغدا يجفنٍ للبكاء هموع
مَالِي تؤنِّبني العواذل فِيكُموَجَمِيع شوقي قد أذاب جميعي

فَقَالَ الْكَامِل لَو قلت ولبعض شوقي قد أذاب جميعي كَانَ أحسن قَالَ فرويته مثل مَا قَالَ

قَالَ وجيه الدّين بَينا أَنا ذَات يَوْم فِي بعض شوارع الْقَاهِرَة إِذا برجلٍ من الصُّوفِيَّة قد لزم بأطواقي فارتعت لَهُ وَقلت وَيلك ماخبرك فَقَالَ أَنْت الْمُدَّعِي الَّذِي يَقُول من الْبَسِيط

قل للَّذين نأوا هَل عنْدكُمْ خبرٌبأنَّ ليلِي عَلَيْكُم كلُّه سهر
هذي النُّجُوم سلوها فَهِيَ تخبركمهلزار جفني كرىً أَو راقه سحر

فَقلت أَنا قَائِل ذَلِك وَمَا أنْكرت فِيهِ فَقَالَ وَيحك إنَّ الْجُنَيْد يَقُول وَقد وصفت رجلا

فأطنب ثمَّ قَالَ نعم الرجل هُوَ لَوْلَا أَنه يرتاح فِي الأسحار وَأَنت تَقول مَا راقني سحر فَمَا زلت أخضع لَهُ حَتَّى تركني وَقَالَ خرجت مرّة مَعَ الْكَامِل إِلَى الصَّيْد فَنَهَضَ بِاللَّيْلِ لصيد الطير وَأَمرَنِي بالكون مَعَه فَقلت يَا مَوْلَانَا لَا أحسن الصَّيْد وَلَا أحبه فاعفني فَلم يقبل وَمضى)

بسفنه وَمن مَعَه وَتَرَكَنِي وَأمر رجلا من الحرس أَن يكون مني بِحَيْثُ أَن يرى مَا يكون مني

فمنت فَلَمَّا انْتَبَهت لم أر أحدا البتَّة فَقلت من الْبَسِيط إِن كُنْتُم قد ولتعم بالجفاء وسسلمتم لي الهمَّ تسليمي إِلَى الحرس

فكلُّ ماءٍ سرت فِيهِ مراكبكمدمعي وكلُّ هواءٍ مزعجٍ نَفسِي

وَقَالَ وَقع بيني وَبَين أَوْلَاد الشَّيْخ وَاقع أوجب تركي لَهُم بعد ودٍّ أكيد فشكوني إِلَى الْكَامِل

فتنكَّر لي وتنمَّر وَعَبس وَقَالَ مَا لي أرى فَخر الدّين عتْبَان عَلَيْك قلت لسوء مُعَامَلَته لي فَقلت إِن رسم مَوْلَانَا السلطات خلَّد الله ملكه أَن أكون جليس بَيْتِي وأنقطع عَن الْخدمَة فعلت ذَلِك دَاعيا لأيامه فَإِنِّي عَاجز عَن مداراة هَؤُلَاءِ فَقَالَ لَا أكلِّفك هَذَا وَلَكِن آمُر الغلمان أَنهم مَتى رأوك أخذُوا نعالك قَالَ فهوَّنت ذَلِك وَقلت مَا عَسى أَن يبلغ بِي إِذا ثمَّ أَمرنِي بالملازمة فَجعلت أجيء فَكَمَا يَقع عليَّ عين الغلمان أخذُوا نَعْلي من رجْلي فَأدْخل إِلَيْهِ مرّة حافياً وَمرَّة بخفافي وَقد تنجَّست بالطين فَإِذا أردْت أَن أَطَأ الْبسَاط نَادَى السُّلْطَان وَمن حَضَره لَا تنجِّس الْبسط فَدخلت إِلَيْهِ يَوْمًا وأنشدته من الْكَامِل

مولَايَ إنَّك قد قتلت حواسديلَو يعلمُونَ بِأَحْسَن الألطاف
مَا إِن أمرت بخلع نَعْلي دَائِماإِلَّا لتجعلني كبشر الحافي

قَالَ فتبسّم وَقَالَ نعم أحسناً إِلَيْك ورفعناك إِلَى هَذِه الدرجَة فاشكرنا إِذْ جعلناك مثل ذَلِك الرجل الصَّالح وَلم يغيِّر شَيْئا ثمَّ دخلت يَوْمًا وَقد رشُّوا الطَّرِيق بِالْمَاءِ فملأت خفافي بالطين وَصَاح الغلمان لَا تدس الْبسط فتقدمت وأنشدت من السَّرِيع

يَا ملك الدُّنْيَا وَمن حازهابعدله والبذل والباس
أَمرتنِي أَن لَا أَطَأ حافياًبساطك المغتصَّ بِالنَّاسِ
قلي مَا أصنع فِي قدرتيأجعَل رجليَّ على راسي

قَالَ فتبسّم وَلم يغيِّر شَيْئا فعجزت وَقصرت حيلتي وَجعلت أَحْلف لَهُ أَن ذَلِك بلغ مني مبلغا عَظِيما وَلَقِيت مِنْهُ شدّةً وأسأله الْعَفو فَلَا يزيدني على الضحك فشكوت ذَلِك إِلَى الصّلاح الإربلي الشَّاعِر فَقَالَ عِنْدِي لَك حِيلَة إِن شكرتها لي علَّكمتكها فَقلت مَا أشكرني لما يذهب عني هَذِه الوصمة فَقَالَ إِذا دخلت على السُّلْطَان فقع على نَعله وخذها بمنديلك وَقل يَا مَوْلَانَا إنَّ نَعْلي قد استجارت بِهَذِهِ النَّعْل كَمَا أَن صَاحبهَا ملك الْمُلُوك قَالَ فَفعلت ذَلِك)

فَضَحِك حَتَّى اسْتلْقى وَقَالَ بحياتي من علَّمك هَذَا قلت صَلَاح الدّين قَالَ قد علمت أَنَّهَا من فعلاته وأعفاني وَمن شعره من الْكَامِل

عاتبتها فسقت بنرجس لحظهاوردا بفرط حيائه يتورَّد
صنمٌ تعبَّد ناظري بجمالهفلواحظي أبدا إِلَيْهِ تسْجد

وَكتب تحتهَا قولي فلوا حظي أبدا إِلَيْهَا تسْجد من البديع فَكتب الْكَامِل تَحْتَهُ أخذت هَذَا من قَول الشَّاعِر من المنسرح

ولي حبيبٌ لم تبد صورتهللنَّاس إلَاّ صلَّت لَهُ الحدق

فأقسم لَهُ بحياته أَنه لم يسمع ذَلِك

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْحَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.