تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الحلَاّج

ديوان الحلاج

ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن الحلاج؟

الْحُسَيْن بن منصورٍ الحلَاّج الزَّاهِد الْمَشْهُور من أهل الْبَيْضَاء بَلْدَة بِفَارِس

نَشأ بواسط وَالْعراق وَصَحب الْجُنَيْد وَغَيره وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِي أمره فَمنهمْ من يُبَالغ فِي تَعْظِيمه وَمِنْهُم من يكفِّره قَالَ ابْن خلكان وَرَأَيْت فِي كتاب مشكاة الْأَنْوَار لأبي حَامِد الْغَزالِيّ فصلا طَويلا فِي حَاله وَقد اعتذر لَهُ عَن الْأَلْفَاظ الَّتِي كَانَت تصدر عَنهُ مثل قَوْله أَنا الحقّ وَمَا فِي الجبَّة إِلَّا الله وَهَذِه الإطلاقات الَّتِي ينبو السَّمع عَنْهَا وَعَن ذكرهَا وَحملهَا كلَّها على محامل حسنةٍ وأوَّلها وَقَالَ هَذَا من فرط المحبَّة وشدّة الوجد وَجعل هَذَا مثل قَول الْقَائِل من الرمل

أَنا من أَهْوى وَمن أَهْوى أَنافَإِذا أبصرتني أبصرتنا

وَمن الشّعْر الْمَنْسُوب إِلَيْهِ على اصطلاحهم وإشاراتهم قَوْله من الْبَسِيط

لَا كنت إِن كنت أَدْرِي كَيفَ كنت وَلَالَا كنت إِن كنت أَدْرِي كَيفَ لم أكن
للشاعر الحلاج، من قصيدة «أرسلت تسأل عني كيف كنت وما»

وَقَوله أَيْضا على هَذَا الِاصْطِلَاح من الْبَسِيط

أَلْقَاهُ فِي اليمِّ مكتوفاً وَقَالَ لَهُإيَّاك إيَّاك أَن تبتلَّ بِالْمَاءِ
للشاعر الحلاج، من قصيدة «ما يفعل العبد والأقدار جارية»

وَقَالَ أَبُو بكر بن ثوابة القصري سَمِعت الْحُسَيْن بن مَنْصُور وَهُوَ على الْخَشَبَة يَقُول من الوافر

طلبت المستقرَّ بكلِّ أرضٍقلم أر لي بأرضٍ مستقَّرا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «طلبت المستقر بكل أرض»
أَطَعْت مطامعي فاستعبدتنيوَلَو أنِّي قنعت لَكُنْت حرَّا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «طلبت المستقر بكل أرض»

)

وَالْبَيْت الَّذِي قبل قَوْله لَا كنت إِن كنت أَدْرِي من الْبَسِيط

أرْسلت تسْأَل عني كَيفَ كنت وَمَالاقيت بعْدك من همٍّ وَمن حزن
للشاعر الحلاج، من قصيدة «أرسلت تسأل عني كيف كنت وما»

وَقيل أنّ بَعضهم كتب إِلَى أبي الْقَاسِم سمنون بن حَمْزَة الزَّاهِد يسْأَله عَن حَاله فَكتب إِلَيْهِ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَكَانَ جدّه مجوسياً وَصَحب الْجُنَيْد وَمن فِي طبقته وَأفْتى أَكثر عُلَمَاء عصره بِإِبَاحَة دَمه وَيُقَال أَن أَبَا الْعَبَّاس ابْن سُرَيج كَانَ إِذا سُئِلَ عَنهُ يَقُول هَذَا رجل خَفِي عني حَاله وَمَا أَقُول فِيهِ شَيْئا وَكَانَ قد جرى مِنْهُ كَلَام فِي مجْلِس حَامِد بن الْعَبَّاس الْوَزير بِحَضْرَة القَاضِي أبي عمر فَأفْتى بحلِّ دَمه وَكتب خطّه بذلك وَكتب مَعَه من حضر الْمجْلس من الْفُقَهَاء فَقَالَ لَهُم الحلَاّج ظَهْري حمى وَدمِي حرَام وَمَا يحلّ لكم أَن تتأوَّلوا عليّ بِمَا يبيحه وَأَنا اعتقادي الْإِسْلَام ومذهبي السُّنَّة وتفضيل الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَبَقِيَّة الْعشْرَة الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم ولي كتب فِي السّنَّة مَوْجُودَة فِي الورّاقين فَالله الله فِي دمي وَلم يزل يردِّد هَذَا القَوْل وهم يَكْتُبُونَ خطوطهم إِلَى أَن استكملوا مَا احتاجوا إِلَيْهِ ونهضوا من الْمجْلس وَحمل الحلاج إِلَى السِّجن وَكتب الْوَزير إِلَى المقتدر يُخبرهُ بِمَا جرى فِي الْمجْلس وسيَّر الْفَتْوَى فَعَاد الْجَواب بِأَن الْقُضَاة إِذا كَانُوا أفتوا بقتْله فليسلّم إِلَى صَاحب الشرطة وليتقَّدم إِلَيْهِ بضربه ألف سوطٍ فَإِن مَاتَ من الضَّرْب وَإِلَّا ضرب مرّة أُخْرَى ألف سوطٍ ثمَّ تضرب عُنُقه فسلّمه الْوَزير إِلَى الشرطي وَقَالَ لَهُ مَا رسم بِهِ المقتدر وَقَالَ إِن لم يتْلف بِالضَّرْبِ فتقطع يَده ثمَّ رجله ثمَّ يَده ثمَّ رجله ثمَّ تحزّ رقبته وَتحرق جثته وَإِن خدعك وَقَالَ لَك أَنا أجري الْفُرَات ودجلة ذَهَبا فَلَا تقبل ذَلِك مِنْهُ وَلَا ترفع الْعقُوبَة عَنهُ فتسلّمه الشرطي لَيْلًا وَأصْبح يَوْم الثُّلَاثَاء لسبعٍ بَقينَ أَو لستٍ بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة تسعٍ وَثَلَاث مائَة فَأخْرجهُ عِنْد بَاب الطَّاق وَاجْتمعَ من العامَّة خلق كثير لَا يُحْصى عَددهمْ وضربه الجلاد ألف سوطٍ وَلم يتأوَّه بل قَالَ الشرطي لما بلغ ستَّ مائةٍ ادْع بِي إِلَيْك فإنَّ لَك عِنْدِي نصيحةً تعدل فتح قسطنطينَّية فَقَالَ لَهُ قد قيل لي عَنْك أَن تَقول هَذَا وَأكْثر مِنْهُ وَلَيْسَ لي إِلَى أَن أَربع الضَّرْب عَنْك سَبِيل فَلَمَّا فرغ من ضربه قطع أَطْرَافه الْأَرْبَع ثمَّ حزَّ رَأسه وأحرق جثته وَلما صَارَت رَمَادا أَلْقَاهَا فِي دجلة وَنصب الرَّأْس على الجسر بِبَغْدَاد وَجعل أَصْحَابه يعدون نُفُوسهم بِرُجُوعِهِ بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا واتّفق أَنه مَا زَادَت الْفُرَات تِلْكَ السّنة زِيَادَة وافرةً فادَّعى أَصْحَابه أَن ذَلِك بِسَبَب إِلْقَاء رماده فِيهَا وادَّعى بعض أَصْحَابه أَنه لم يقتل وَإِنَّمَا ألقِي شبهه على)

عدوه انْتهى قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين قَتَلُوهُ على الْكفْر والحلول والانسلاخ من الدّين نسْأَل الله الْعَفو كَانَ قد صحب الْجُنَيْد وَعَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ وَغَيرهمَا وَقد أفرد ابْن الْجَوْزِيّ أخباره فِي تصنيفٍ سَمَّاهُ الْقَاطِع لمحال الحاجِّ بمحال الحلاّج أفتى الْفُقَهَاء بِبَغْدَاد بِكُفْرِهِ وَمن نظر فِي مَجْمُوع أمره علم أَن الرجل كَانَ كذابا مموِّهاً ممخرقاً حلولياً لَهُ كَلَام يستحوذ بِهِ على نفوس جهَّال العوامّ حَتَّى ادّعوا فِيهِ الربوبية وَكَانَ قد قبض عَلَيْهِ بالسوس وَحمل

إِلَى على بن أَحْمد الرَّاسِبِي فأقدمه إِلَى الحضرة فَجرى مَا جرى وَظهر بِبَغْدَاد وبالأهواز أَنه ادّعى الإلهية وَأَنه يَقُول بحلول اللاهوت فِي الاشراف ووجدوا فِي منزله رِقَاعًا فِيهَا رموز وَيكْتب إِلَى تلاميذه من النّور الشَّعشاني قَالَ مجد الدّين ابْن النجار وَذكر سنداً مِنْهُ يتَّصل بِالْقَاضِي أبي الْحسن عليّ بن عبد الْعَزِيز الْجِرْجَانِيّ حكى عَن أبي الْحسن العناد الصُّوفِي نه قَالَ حضرت بعض عقبات أَصْبَهَان فَرَأَيْت شَيخا ينزل عَن الْعقبَة فَكَانَ الشَّيْخ الْحُسَيْن بن مَنْصُور الحلاّج فعرفته بِصفتِهِ فسلَّمت عَلَيْهِ فَرد السَّلَام وَقَالَ أغلام النوريّ قلت نعم قَالَ فَجَلَسَ على حجرٍ وَقَالَ من الوافر

لَئِن أمسيت فِي ثوبي عديمٍلقد بليا على حرٍّ كريم
للشاعر الحلاج، من قصيدة «لئن أمسيت في ثوبي عديم»
فَلَا يغررك أَن أَبْصرت حَالامغيَّرةً عَن الْحَال الْقَدِيم
فلي نفسٌ ستتلف أَو سترقىلعمرك بِي إِلَى خطبٍ جسيم

فَقلت الصُّحبة فَقَالَ الصُّحبة صعبة وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْهَوَاء فَطرح فِي ركوتي عشرَة دَنَانِير

ثمَّ لم ألتق مَعَه إِلَى حِين ثمَّ الْتَقَيْنَا بجبال فَارس فسلَّمت عَلَيْهِ فَقَالَ أغلام النوريّ قلت نعم فَجَلَسَ فَقَالَ اكْتُبْ من مجزوء الْكَامِل دنيا تغالطني كأنِّي لست أعرف حَالهَا مدَّت إليَّ يَمِينهَا فرددتها وشمالها ورأيتها مكارةً فَوهبت جُمْلَتهَا لَهَا حظر المليك حرامها وَأَنا اجْتنبت حلالها وَمَتى أردْت وصالها حتَّى أَخَاف زَوَالهَا فَقلت الصُّحبة فَقَالَ إِنِّي أقصد قوما لَعَلَّهُم لَا يحتملونك ولعلك لَا تحتملهم وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْهَوَاء ثمَّ طرح فِي ركوتي دَنَانِير ثمَّ مضى على ذَلِك سِنِين فَلَقِيته يَوْمًا فِي الكرخ وَقد غطَّى)

وَجهه بفوطةٍ وَكَانَ مَطْلُوبا فسلَّم عليّ وَقَالَ أغلام النوريّ قلت نعم فَجَلَسَ على عتبَة بَاب دارٍ وَأَنْشَأَ يَقُول من الطَّوِيل

لَئِن سهرت عَيْني لغيرك أَو بَكتفَلَا أدْركْت مَا أمَّلت وتمنَّت
وَإِن طلبت نَفسِي سواك فَلَا رعترياض المنى من وجنتيك وجنَّت

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْحَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.