من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الرِّوَايَة
حمَّاد بن أبي ليلى ميسرَة أَبُو سَابُور أَبُو الْقَاسِم الكوفيّ الْمَعْرُوف بالرواية وَلَاؤُه لبكر بن وَائِل كَانَ اخبارياً علَاّمة خَبِيرا بأيام الْعَرَب ووقائعها وشعرها وَكَانَت بَنو أُميَّة تقدَّمه وتؤثره وتحب مُجَالَسَته قيل أَن الْوَلِيد قَالَ لَهُ كم مِقْدَار مَا تحفظ من الشّعْر قَالَ أنْشدك على كلِّ حرف مائَة قصيدة طَوِيلَة سوى المقطّعات من شعر الْجَاهِلِيَّة دون الْإِسْلَام فامتحنه فأنشده أَلفَيْنِ وَسبع مائَة قصيدة فَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم وَكَانَ غير موثوق بِهِ كَانَ ينْحل شعر الرجل غَيره وَيزِيد فِي الْأَشْعَار وَهُوَ أوّل من جمع شعر الْعَرَب قَالَ الْمَدَائِنِي وَمن أهل الْكُوفَة ثَلَاثَة نفر من بكر بن وَائِل أَئِمَّة أَبُو حنيفَة فِي الْفِقْه وَحَمْزَة الزيات فِي الْقرَاءَات وَحَمَّاد الراوية فِي الشِّعر وَكَانَ الْمَنْصُور يستخفّ مُطِيع بن إِيَاس ويحبّه فَذكر لَهُ حمّاداً وَكَانَ صديقه وَكَانَ حمّاد مطّرحاً مجفوّاً فِي أيامهم فَقَالَ لَهُ آتنا بِهِ لنراه فَأَتَاهُ مُطِيع وأعلمه بذلك
فَقَالَ لَهُ حمّاد دَعْنِي فإنّ دَوْلَتِي كَانَت مَعَ بني أُميَّة وَمَا لي مَعَ هَؤُلَاءِ خير فَأبى مُطِيع وألزمه بالتَّوجُّه مَعَه إِلَى الْمَنْصُور فَأمره بِالْجُلُوسِ وَقَالَ لَهُ أَنْشدني قَالَ أَيهَا الْأَمِير لشاعر بِعَيْنِه أم لمن حضر قَالَ بل أَنْشدني لجرير قَالَ فسلخ وَالله شعر جرير من قلبِي إِلَّا قَوْله من الْكَامِل
بَان الخليط برامتين فودَّعواأَو كلَّما عزموا لبينٍ تجزع
)
فاندفعت فَأَنْشَدته إِيَّاه حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى قَوْله
وَتقول بوزع قد دببت على الْعَصَاهلا هزئت بغيرنا يَا بوزع
فَقَالَ لَهُ أعد هَذَا الْبَيْت فأعدته فَقَالَ بوزع أيش هُوَ فَقلت اسْم امْرَأَة فَقَالَ هُوَ بَرِيء من الله وَرَسُوله نفيّ من العبَّاس إِن كَانَت بوزع إِلَّا غولاً من الغيلان تَرَكتنِي يَا هَذَا وَالله لَا أَنَام اللَّيلة من فزع بوزع يَا غلْمَان فقاه قَالَ فصفعت حَتَّى لم أدر أَيْن أَنا ثمَّ قَالَ جرُّوا بِرجلِهِ فجروا برجلي حَتَّى أخرجت من بَين يَدَيْهِ محسوباً فتخرَّق السَّواد وانكسر جفن السِّيف فَلَمَّا انصرفت أَتَانِي مُطِيع يتوجَّع لي فَقلت لَهُ ألم أخْبرك أَنِّي لَا أُصِيب من هَؤُلَاءِ خيرا وأنَّ حظي قد مضى مَعَ بني أُميَّة وَكَانَ انْقِطَاع حمّاد إِلَى يزِيد بن عبد الْملك وَكَانَ هِشَام يجفوه فَلَمَّا ولي الْأَمر اختفى حمَّاد وَبَقِي سنة فِي بَيته لَا يخرج ثمَّ إِن هشاماً استقدمه من الْكُوفَة إِلَى دمشق فِي اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة وَدفع إِلَيْهِ مُتَوَلِّي الْكُوفَة خمس مائَة دِينَار وجملاً مرحولاً فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ فَإِذا جاريتان لم ير مِثْلَمَا وَفِي أذن كلِّ وَاحِدَة لؤلؤتان فِي حلقتين يوقدان فَقَالَ لَهُ بَيت خطر لي لم أدر لمن هُوَ وَهُوَ من الْخَفِيف
فدعوا بالصَّبوح يَوْمًا بجاءتقينةٌ فِي يَمِينهَا إبريق
فَقلت هَذَا يَقُوله عدي بن زيد فِي قصيدة فَقَالَ أنشدنيها فَأَنْشَدته بكر العاذلون فِي وضح الصُّبْح يَقُولُونَ لي أَلا تستفيق
ويلومون فِيك يَا ابْنة عبد اللهوَالْقلب عنْدكُمْ موثوق
لست أَدْرِي إِذْ أَكْثرُوا العذل عِنْدِيأعدوٌ يلومني أم صديق
زانها حسنها وفرعٌ عميمٌ وأثيتٌصلت الجبين أنيق
وثنايا مفلَّجات عذابٌلَا قصارٌ تزري وَلَا هنَّ روق
فدعَتْ بالصَّبوح يَوْمًا فَجَاءَتقينةٌ فِي يَمِينهَا إبريق
قدَّمته على عقارٍ كعين الدّيكصفَّى سلافها الرّاووق
ثمَّ كَانَ المواج مَاء سحابٍغير مَا آجنٍ وَلَا مطروق
فطرب هِشَام وَقَالَ يَا جَارِيَة اسقيه فسقته فَذهب ثلث عقله ثمَّ قَالَ أعد فَأَعَادَ فطرب فَقَالَ يَا جَارِيَة اسقيه فسقته فَذهب ثلثا عقله ثمَّ قَالَ لَهُ أعد فَأَعَادَ فَقَالَ سل حوائجك
فَقَالَ إِحْدَى الجارتين فَقَالَ هما جَمِيعًا لَك بِمَا لَهما وَمَا عَلَيْهِمَا ثمَّ قَالَ للأولى اسقيه فسقته)
فَسقط مَعهَا وَلم يعقل فَلَمَّا أصبح إِذا هُوَ بالجارتين عِنْد رَأسه وَعشرَة من الخدم مَعَ كل وَاحِدَة بدرة فَأخذ الْجَمِيع وَانْصَرف هَكَذَا أورد صَاحب الأغاني هَذِه الْحِكَايَة وَفِي
بَعْضهَا زِيَادَة وَقَالَ فِي الأول أَن هشاماً كتب إِلَى عَامله يُوسُف بن عمر بتجهيز حمّاد إِلَيْهِ قَالَ شمس الدّين ابْن خلكان هَكَذَا سَاق الحريري هَذِه الْحِكَايَة وَمَا يُمكن أَن تكون هَذِه الْوَاقِعَة مَعَ يُوسُف بن عمر الثقفيّ لِأَنَّهُ لم يكن والياً بالعراق فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور بل كَانَ توليه خَالِد بن عبد الله القسريّ قَالَ وَهِشَام لم يكن يشرب الْخمر قلت وَمَعَ سَعَة هَذِه الرِّوَايَة كَانَ لَا يحسن من الْقُرْآن إِلَّا أمَّ الْكتاب فألزموه فَقَرَأَ فِي الْمُصحف فصحَّف فِي مَوَاضِع مِنْهَا أَن اتَّخذي من الْجبَال بُيُوتًا وَمن الشَّجر وممَّا يغرسون بالغين الْمُعْجَمَة وَالسِّين الْمُهْملَة وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إلَاّ عَن موعدةٍ وعدها أَبَاهُ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وليكون لَهُم عدوّاً وحربا بالراء وَالْبَاء الْمُوَحدَة ويعزِّزوه بزايين ولكلِّ امرىءٍ مِنْهُم يومئذٍ شأنٌ يعنيه بِفَتْح الْيَاء وَالْعين الْمُهْملَة وهم أحسن أثاثاً وزيّا بالزاي وعذابي أُصِيب بِهِ من أَسَاءَ بِالسِّين الْمُهْملَة وَفتح الْهمزَة الثَّانِيَة ونبلو أحباركم بِالْحَاء الْمُهْملَة وصنعة الله وَمن أحسن من الله صَنْعَة بالنُّون وَالْعين الْمُهْملَة وسلامٌ عَلَيْكُم لَا نتبع الْجَاهِلين بالنُّون وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْبَاء وَالْمُوَحَّدَة وَالْعين الْمُهْملَة وَقل إِن كَانَ للرَّحمن ولدٌ فَأَنا أوَّل العايذين بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف والذال الْمُعْجَمَة
كتب حمَّاد إِلَى بعض الْأَشْرَاف من الْخَفِيف
إنَّ لي حَاجَة فرأيك فِيهَالَك نَفسِي فدى من الأوصاب
وَهِي لَيست مِمَّا يبلغهَا عيري وَلَا يستطيعها فِي كتاب غير أَنِّي أقولها حِين أَلْقَاك رويداً أسرُّها فِي حجاب فَكتب إِلَيْهِ الرجل اكْتُبْ لي حَاجَتك وَلَا تشهرني فِي شعرك فَكتب إِلَيْهِ حمَّاد من الْخَفِيف
إنَّني عاشقٌ لجبَّتك الدّكناءعشقاً قد حَال دون الشَّراب
فاكسنيها فدتك نَفسِي وَأَهليأتباها بهَا على الْأَصْحَاب
وَلَك الله وَالْأَمَانَة أَن أجعلهاعمرها أَمِير ثِيَابِي
فَبعث بهَا إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو الغول يهجوه من الْكَامِل
نعم الْفَتى إِن كَانَ يعرف ربَّهأَو حِين وَقت صلَاته حمَّاد
ضمَّت مشافره الشّمول فأنفهمثل الْقدوم يسنُّها الحدَّاد
)
وابيضَّ من شرب المدامة وَجههفبياضه يَوْم الْحساب سَواد
وأخبارحمَّاد كَثِيرَة فِي كتاب الأغاني وَغَيره وَتُوفِّي سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع