من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
صَاحب الْموصل
زنكي بن آقسنقر بن عبد الله الْملك الْمَنْصُور عماد الدّين أَبُو الْجُود الْمَعْرُوف وَالِده بالحاجب
كَانَ صَاحب الْموصل وَتقدم ذكر أَبِيه كَانَ من الْأُمَرَاء المقدمين وفوض إِلَيْهِ السُّلْطَان مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه السلجوقي ولَايَة بَغْدَاد سنة إِحْدَى وَعشْرين وَخمْس مائَة
وَكَانَ لما قتل آقسنقر البرسقي ورد مرسوم السُّلْطَان من خُرَاسَان بِتَسْلِيم الْموصل إِلَى دبيس بن صَدَقَة الْأَسدي صَاحب الْحلَّة وَقد تقدم فتجهز دبيس للمسير وَكَانَ بالموصل أَمِير كَبِير يعرف بالجاولي يستحفظ قلعة الْموصل ويتولاها من جِهَة البرسقي
فطمع فِي الْبِلَاد وحدثته نَفسه بتمليكها
فَأرْسل إِلَى بَغْدَاد أَبَا الْحسن عَليّ بن الْقَاسِم الشهرزوري وَصَلَاح الدّين مُحَمَّدًا اليغيساني لتقرير قَاعِدَته فَلَمَّا وصلا إِلَيْهَا وجدا المسترشد قد أنكر تَوْلِيَة دبيس وَقَالَ لَا سَبِيل إِلَى هَذَا وترددت الرسائل بَينه وَبَين السُّلْطَان مَحْمُود وَآخر مَا وَقع الِاخْتِيَار عَلَيْهِ تَوْلِيَة زنكي الْمَذْكُور بِاخْتِيَار المسترشد فاستدعى الرسولين الواصلين من الْموصل وَقرر مَعَهُمَا أَن يكون الحَدِيث فِي الْبِلَاد لزنكي ففعلا ذَلِك
وبذل المسترشد من مَاله مائَة ألف دِينَار فَبَطل أَمر دبيس وَتوجه زنكي إِلَى الْموصل وتسلمها
وَدخل فِي عَاشر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَعشْرين وَخمْس مائَة على مَا ذكره ابْن العقيمي)
وَلما تسلم زنكي الْموصل سلم إِلَيْهِ السُّلْطَان مَحْمُود ولديه ألب رسْلَان وفروخ شاه الْمَعْرُوف بالخفاجي ليربيهما فَلهَذَا قيل لزنكي أتابك ثمَّ إِن زنكي استولى على مَا والى الْموصل من الْبِلَاد وَفتح الرها سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة وَكَانَت لجوسلين الأرمني وَتوجه إِلَى قلعة جعبر ومالكها يَوْمئِذٍ سيف الدولة أَبُو الْحسن عَليّ بن مَالك فحاصرها وأشرف على أَخذهَا فَأصْبح يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس شهر ربيع الآخر سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة مقتولاً قَتله خادمه وَهُوَ رَاقِد على فرَاشه لَيْلًا وَدفن بصفين رَحمَه الله تَعَالَى وَسَار وَلَده نور الدّين فاستولى على حلب وَاسْتولى وَلَده الآخر سيف الدّين غَازِي أَخُو قطب الدّين مودود على الْموصل وَكَانَ زنكي قد اسْتردَّ من الفرنج حصوناً كَثِيرَة مثل كفر طَابَ والمعرة وَملك الْموصل وحلب وحماة وحمص وبعلبك وَمَدَائِن كَثِيرَة
وَقَالَ الرئيس أَبُو يعلى التَّمِيمِي يرثي ﵀ بقصيدة مِنْهَا من الطَّوِيل
ودانت وُلَاة الأَرْض فِيهَا لأَمرهوَقد آمنته كتبه وخواتمه
وَزَاد على الْأَمْلَاك بَأْسا وسطوةوَلم يبْق فِي الْأَمْلَاك ملك يقومه
فَلَمَّا تناهى ملكه وجلالهوراعت وُلَاة الأَرْض مِنْهُ لوائمه
أَتَاهُ قَضَاء لَا ترد سهامهفَلم تنجه أَمْوَاله ومغانمه
وأدركه للحين فِيهَا حمامهوحامت عَلَيْهِ بالمنون حوائمه
وأضحى على ظهر الْفراش مجدلاًصَرِيعًا تولى ذبحه فِيهِ خادمه
وَقَالَ الْحَكِيم أَبُو المغربي يرثيه من الْخَفِيف
عين لَا تذخري الدُّمُوع وابكيواستهلي دمعاً على فقد زنكي
لم يهب شخصه الردى بعد أَن كَانت لَهُ هَيْبَة على كل تركي
خير ملك ذِي هَيْبَة وبهاءوعظيم بَين الْأَنَام بزرك
يهب المَال والجياد لمن يممه مادحاً بِغَيْر تلكي
إِن دَارا تمدنا بالرزاياهِيَ عِنْدِي أَحَق دَار بترك
فاسكبوا فَوق قَبره مَاء وردوانضحوه بزعفران ومسك
أَي فتكٍ جرى لَهُ فِي الأعاديبعد مَا استفتح الردى أَي فتك
كل خطب أَتَت بِهِ نوب الدهر يسير فِي جنب مصرع زنكي
)
بعد مَا كَاد أَن تدين لَهُ الروم ويحوي الْبِلَاد من غير شكّ
وَأَوْلَاد زنكي ﵀ غَازِي ومحمود ومودود أَبُو مُلُوك الْموصل وأمير ميران وَبنت
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع