تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

أَبُو دلامة

ديوان أبو دُلامة

ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن أبو دُلامة؟

زند بالنُّون بعد الزَّاي سَاكِنة بن الجون هُوَ أَبُو دلامة بِضَم الدَّال كَانَ صَاحب نَوَادِر وأخبار وأدب ونظم وَكَانَ عبدا أسود توفّي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة

توفّي للمنصور ابْنة عَم فَحَضَرَ جنازتها وَجلسَ لدفنها وَهُوَ متألم لفقدها كئيب عَلَيْهَا فَأقبل أَبُو دلامة وَجلسَ قَرِيبا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور وَيحك مَا أَعدَدْت لهَذَا الْمَكَان وَأَشَارَ إِلَى الْقَبْر

فَقَالَ ابْنة عَم أَمِير الْمُؤمنِينَ فَضَحِك الْمَنْصُور حَتَّى اسْتلْقى ثمَّ قَالَ لَهُ وَيحك فضحتنا بَين النَّاس

وَكَانَ روح بن حَاتِم المهلبي والياً على الْبَصْرَة فَخرج إِلَى حَرْب الجيوش الخراسانية وَمَعَهُ أَبُو دلامة فَخرج فِي صف الْعَدو مبارز فَخرج إِلَيْهِ جمَاعَة فَقَتلهُمْ فَتقدم روح إِلَى أبي دلامة بمبارزته فَامْتنعَ فألزمه فاستعفاه فَلم يعفه فأنشده أَبُو دلامة من الْبَسِيط

إِنِّي أعوذ بِروح أَن يقدمنيإِلَى الْقِتَال فيخزى بِي بَنو أَسد
إِن الْمُهلب حب الْمَوْت أورثكموَلم أرث أَنا حب الْمَوْت عَن أحد
إِن الدنو إِلَى الْأَعْدَاء أعلمهُمِمَّا يفرق بَين الْمَرْء والجسد

فأقسم عَلَيْهِ ليخرجن وَقَالَ وَلم تَأْخُذ رزق السُّلْطَان قَالَ لأقاتل عَنهُ قَالَ فَمَا لَك لَا تبرز إِلَى عَدو الله فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير إِن خرجت إِلَيْهِ لحقت بِمن مضى وَمَا الشَّرْط أَن أقتل عَن السُّلْطَان بل أقَاتل عَنهُ

فَحلف روح ليخرجن إِلَيْهِ فيقتله أَو يأسره أَو يقتل دون ذَلِك فَلَمَّا رأى أَبُو دلامة الْجد مِنْهُ قَالَ أَيهَا الْأَمِير تعلم أَن هَذَا أول يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة وَلَا بُد فِيهِ من الزوادة فَأمر لَهُ بذلك فَأخذ رغيفاً مطوياً على دجَاجَة وَلحم وسطيحة شراب وشيئاً من نقل)

وَشهر سَيْفه وَحمل وَكَانَ تَحْتَهُ فرس جواد فَأقبل يجول ويلعب بِالرُّمْحِ وَكَانَ مليحاً فِي الميدان والفارس يلاحظه وَيطْلب مِنْهُ غرَّة حَتَّى إِذا وجدهَا حمل عَلَيْهِ وَالْغُبَار كالليل

فأغمد أَبُو دلامة سَيْفه وَقَالَ للرجل لَا تعجل واسمع مني عافاك الله كَلِمَات ألقيهن إِلَيْك فَإِنَّمَا أَتَيْتُك فِي مُهِمّ فَوقف مُقَابِله وَقَالَ مَا هُوَ المهم قَالَ أتعرفني قَالَ لَا قَالَ أَنا أَبُو دلامة قَالَ قد سَمِعت بك حياك الله فَكيف برزت إِلَيّ وطمعت فِي بعد من قتلت من أَصْحَابك قَالَ مَا خرجت لأقتلك وَلَا لأقاتلك وَلَكِنِّي رَأَيْت لباقتك وشهامتك فاشتهيت أَن تكون لي صديقا وَإِن لأدلك على مَا هُوَ أحسن من قتالنا قَالَ قل على بركَة الله قَالَ أَرَاك قد تعبت وَأَنت بِغَيْر شكّ جوعان ظمآن قَالَ كَذَلِك هُوَ قَالَ فَمَا علينا من خُرَاسَان وَالْعراق إِن معي لَحْمًا وخبزاً وَشَرَابًا ونقلاً كَمَا يتَمَنَّى المتمني وَهَذَا غَدِير مَاء نمير بِالْقربِ منا فَهَلُمَّ بِنَا إِلَيْهِ نصطبح وأترنم لَك بِشَيْء من حداء الْأَعْرَاب فَقَالَ هَذَا غَايَة أملي فَقَالَ فها أَنا أستطرد لَك فاتبعني حَتَّى نخرج من حلق الطعان ففعلا وروح يتطلب أَبَا دلامة فَلَا يجده والخراسانية تتطلب فارسها فَلَا تَجدهُ فَلَمَّا طابت نفس الْخُرَاسَانِي قَالَ لَهُ أَبُو دلامة إِن روحاً كَمَا علمت من أَبنَاء الْكَرم وحسبك بِابْن الْمُهلب جواداً وَإنَّهُ ليبذل لَك خلعة فاخرة وفرساً جواداً ومركباً مفضضاً وسيفاً محلى ورمحاً طَويلا وَجَارِيَة بربرية وَإنَّهُ فِي أَكثر الْعَطاء وَهَذَا خَاتِمَة معي لَك بذلك فَقَالَ وَيحك مَا أصنع بأهلي وعيالي فَقَالَ استخر الله تَعَالَى وسر معي ودع أهلك فَالْكل يخلف عَلَيْك فَقَالَ سر بِنَا على بركَة الله فسارا حَتَّى قدما من وَرَاء الْعَسْكَر فهجما على روح فَقَالَ يَا أَبَا دلامة أَيْن كنت قَالَ فِي حَاجَتك أما قتل الرجل فَمَا أطقته وَأما سفك دمي فَمَا طبت بِهِ نفسا وَأما الرُّجُوع خائباً فَلم أقدم عَلَيْهِ وَقد تلطفت بِهِ وَأَتَيْتُك بِهِ وَهُوَ أَسِير كرمك وَقد بذلت لَهُ عَنْك كَيْت وَكَيْت فَقَالَ يمضى إِذا وثق لي قَالَ بِمَ ذَا قَالَ بِنَقْل أَهله قَالَ الرجل أَهلِي على بعد وَلَا يمكنني نقلهم الْآن وَلَكِن آمدد يدك أصافحك وأحلف لَك مُتَبَرعا بِطَلَاق الزَّوْجَة أَنِّي لَا أخونك فَإِن لم أُفٍّ إِذا حَلَفت بِطَلَاقِهَا فَلَا ينفعك نقلهَا

فَقَالَ صدقت فَحلف لَهُ وعاهده ووفى لَهُ بِمَا ضمنه أَبُو دلامة وَزَاد عَلَيْهِ وانقلب الْخُرَاسَانِي يُقَاتل الخراسانية وينكي فيهم أَشد نكاية وَكَانَ ذَلِك أكبر أَسبَاب الظفر لروح

وَكَانَ الْمَنْصُور قد أَمر بهدم دور كَثِيرَة مِنْهَا دَار أبي دلامة فَكتب إِلَى الْمَنْصُور من الْخَفِيف

يَا ابْن عَم النَّبِي دَعْوَة شيخقد دنا هدم دَاره وبواره
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «يا ابن عم النبي دعوة شيخ»

)

فَهُوَ كالماخض الَّتِي اعتادها الطلق فقرت وَمَا يقر قراره
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «يا ابن عم النبي دعوة شيخ»
لكم الأَرْض كلهَا فأعيرواعبدكم مَا احتوى عَلَيْهِ جِدَاره

وَلما قدم الْمهْدي من الرّيّ إِلَى بَغْدَاد دخل عَلَيْهِ أَبُو دلامة للسلام والهناء بقدومه فَأقبل عَلَيْهِ الْمهْدي فَقَالَ كَيفَ أَنْت أَبَا دلامة قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من الْكَامِل

إِنِّي حَلَفت لَئِن رَأَيْتُك سالمابقرى الْعرَاق وَأَنت ذُو وفر
لتصلين على النَّبِي مُحَمَّدولتملأن دراهماً حجري
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني نذرت لئن رأيتك سالما»

قَالَ الْمهْدي أما الأولى فَنعم وَأما الثَّانِيَة فَلَا فَقَالَ جعلني الله فدَاك إنَّهُمَا كلمتان لَا يفرق بَينهمَا فَقَالَ يمْلَأ حجر أبي دلامة دَرَاهِم

فَقعدَ وَبسط حجره فملئ دَرَاهِم فَقَالَ قُم الْآن يَا أَبَا دلامة فَقَالَ يتخرق قَمِيصِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى أشيل الدَّرَاهِم وأقوم فَردهَا إِلَى الأكياس وَقَامَ

وَمرض وَلَده فاستدعى طَبِيبا ليداويه وَجعل لَهُ جعلا فَلَمَّا برِئ قَالَ لَهُ وَالله مَا عندنَا مَا نعطيك وَلَكِن ادْع على فلَان الْيَهُودِيّ وَكَانَ ذَا مَال بِمِقْدَار الْجعل وَأَنا وَوَلَدي نشْهد لَك

فَمضى الطَّبِيب إِلَى قَاضِي الْكُوفَة يَوْمئِذٍ وَكَانَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَقيل عبد الله بن شبْرمَة وَحمل إِلَيْهِ الْيَهُودِيّ الْمَذْكُور وَادّعى عَلَيْهِ فَأنْكر الْيَهُودِيّ

فَقَالَ لي بَيِّنَة وَخرج لإحضارها فأحضر أَبَا دلامة وَابْنه فدخلا إِلَى الْمجْلس وَخَافَ أَبُو دلامة أَن يُطَالِبهُ القَاضِي بالتزكية فَأَنْشد فِي الدهليز قبل دُخُوله بِحَيْثُ يسمع القَاضِي من الطَّوِيل

إِن النَّاس غطوني تغطيت عَنْهُموَإِن بحثوا عني ففيهم مبَاحث
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إن الناس غطوني تغطيت عنهم»
وَإِن نبثوا بئري نبثت بئارهمقوم كَيفَ تِلْكَ النبائث

ثمَّ حضرا بَين يَدي القَاضِي وأديا الشَّهَادَة فَقَالَ كلامك مسموع وشهادتك مَقْبُولَة ثمَّ غرم الْمبلغ من عِنْده وَأطلق الْيَهُودِيّ وَمَا أمكنه أَن يرد شَهَادَتهمَا خوفًا من لِسَان أبي دلامة وَقَول الحريري فِي المقامة الْأَرْبَعين وَأَنت تعلم أَنَّك أَحْقَر من قلامة وأعيب من بغلة أبي دلامة

كَانَت لأبي دلامة بغلة يركبهَا فِي مواكب الْخُلَفَاء والكبراء ويضحكهم بشماسها وحرانها وقماصها وَقد جمعت جَمِيع المعايب فَذكر بعض عيوبها فِي قصيدة وَهِي

أبعد الْخَيل أركبها كراماوَبعد الفره من خضر البغال
رزقت بغيلة فِيهَا وكالوليته لم يكن غير الوكال

)

رَأَيْت عيوبها كثرت فَلَيْسَتْوَإِن أكثرت ثمَّ من الْمقَال
ليحصي منطقي وَكَلَام غَيْرِيعشير خصالها شَرّ الْخِصَال
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
فأهون عيبها أَنِّي إِذا مَانزلت فَقلت امشي لَا أُبَالِي
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
تقوم فَمَا تبت هُنَاكَ شبْرًاوترمحني وَتَأْخُذ فِي قتالي
وَأَنِّي إِن ركبت أذبت نَفسِيبِضَرْب بِالْيَمِينِ وبالشمال
وبالرجلين أركلها جَمِيعًافيا لي فِي الشَّقَاء وَفِي الكلال
أَتَانِي خائب يبْتَاع منيقديم فِي الخبارة والضلال
فَلَمَّا ابتاعها مني وبتتلَهُ فِي البيع غير المستقال
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
أخذت بِثَوْبِهِ أبرئت مِمَّاأعد عَلَيْك من سوء الْخلال
بَرِئت إِلَيْك من مششي يَديهَاوَمن جرد وَمن بَلل المخال
وَمن فتق بهَا فِي الْبَطن ضخموَمن عقالها وَمن انْتِقَال
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
وَمن قطع اللِّسَان وَمن بَيَاضبعينيها وَمن قرض الحبال
وَمن عض الْغُلَام وَمن خراطإِذا مَا هم صحبك بارتحال
وأقطف من فريخ الذَّر مشياًبهَا عرن وداء من سلال
وتكسر سرجها أبدا شماساًوتقمص للأكاف على اغتيال
وَيُدبر ظهرهَا من مسح كفوتهزل فِي الجمام من الْجلَال
تظل لركبة مِنْهَا وقيذاًيخَاف عَلَيْك من ورم الطحال
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
ومثفار تقدم كل سرجتصير دفتيه على القذال
وتحفى لَو تسير على الحشاياوَلَو تمشي على دمث الرمال
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
إِذا استعجلتها عثرت وبالتوَقَامَت سَاعَة عِنْد المبال
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
تفكر أَيْن تعمدني فتقطوكَأَن برجلها قيد الشكال
وتضرط أَرْبَعِينَ إِذا وقفناعلى أهل الْمجَالِس للسؤال
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
فتقطع منطقي وتحول بينيوَبَين حَدِيثهمْ مِمَّا يوالي
وتذعر للدجاجة أَن ترَاهَاوتنفر للصفير وللخيال
فَأَما الاعتلاف فأدن مِنْهَامن الأتبان أَمْثَال الْجبَال

)

وَأما القت فأت بِأَلف وقركأعظم حمل أحمال الْجمال
فلست بعالف مِنْهُ ثَلَاثًاوعندك مِنْهُ عود للخلال
وَإِن عطشت فأوردها دجيلاًإِذا أوردت أَو نهري بِلَال
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
فَذَاك لِرَبِّهَا سقيت حميماًوَإِن مد الْفُرَات فللنهال
وَكَانَت قارحاً أَيَّام كسْرَىوتذكر تبعا عِنْد الفصال
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
وَقد دبرت ونعمان صبيوَقبل فصاله تِلْكَ اللَّيَالِي
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أبعد الخيل أركبها ورادا»
وتذكر إِذْ نشا بهْرَام جوروعامله على خرج الجوالي
وَقد مرت بقرن بعد قرنوَآخر عهدها لهلاك مَالِي
فَأَبْدَلَنِي بهَا يَا رب طرفايزين جمال مركبه جمالي

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الزَّاي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.