تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

لبرفّاء الشَّاعِر

السريّ بن أَحْمد بن السريّ الْكِنْدِيّ الرفّاء الشَّاعِر الْمَشْهُور كَانَ فِي صباه يرفو يطرّز فِي دكّان بالموصل وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يتولّع بالأدب وَالشعر حتّى مهر

وَقصد سيف الدولة بن حمدَان وَأقَام عِنْده بحلب ثُمَّ وَقع بَينه وَبَين الخالديّان هجاء وَآل الْأَمر بَينهم إِلَى أَن قطع سيف الدولة رسمه فانحدر إِلَى بَغْدَاد ومدح الْوَزير المهلَّبي وَغَيره من الرؤساء فراح عِنْدهم فلمّا قدم الخالديّين بَغْدَاد بَالغا فِي أذيّته بكلّ مُمكن حَتَّى عدم الْقُوت فَجَلَسَ ينْسَخ وَيبِيع شعره وادّعى عَلَيْهِمَا سَرقَة شعره وَشعر غَيره وَكَانَ مغرى بنسخ ديوَان كشاجم وَهُوَ إِذْ ذَاكَ ريحَان تِلْكَ الْبِلَاد وَالسري يذهب مذْهبه وَكَانَ يدسّ فِيمَا يَكْتُبهُ من شعره أحسن شعر الخالديّينِ ليزِيد فِي حجم مَا ينسخه وَينْفق سوقه ويُغلي شعره ويغضّ مِنْهُمَا وَكَانَ

السريّ شَاعِرًا مطبوعاً كثير الافتنان فِي الْوَصْف والتشبيه وَلَمْ يكن لَهُ رُوَاء وَلَا منظر وَلَا يحسن من الْعُلُوم غير نظم الشّعْر وَجمع شعره قبل وَفَاته وتوفيّ فِي حُدُود الستّين وَالثَّلَاث مائَة فَقيل سنة نَيف وستّين وَقيل اثْنَتَيْنِ وستّين وَقيل أَربع وَمن شعر الرفّاء من الطَّوِيل

وبِكْرٍ شِرَبْناها عَلَى الْورْد بُكرَةًفَكَانَت لَنَا وِرداً إِلَى بُكرّةِ الغَدِ
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «وبكر شربناها على الورد بكرة»
إِذا قَامَ مُبْيَضّ اللِباس يديرهاتوهّمته يسعَى بِكُمّ مُوَدَّدِ
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «وبكر شربناها على الورد بكرة»

قلت مثله قَول الآخر من المتقارب

كَأَنَّ المديرَ لَهَا باليمينِإِذا قَامَ للسقْيِ أَو باليَسارِ
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
تدرع ثوبا من الياسمينلَهُ فَردُكُمٍّ مِن الجلّنارِ
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وَقَوْلِي أَنا أَيْضا من أَبْيَات من الطَّوِيل)

وساقٍ لَنَا فِي كَفّه ورُضابهووجْنِتِهِ واللَحْظ أَربع أكؤُسِ
إِذا حثها أَبْصَرْتَ أبْيَضَ ثَوبِهلَهُ نِصْفُ كُمٍّ من سناها مورّسِ

وَمن شعر السريّ الرفّاء ممّا قَالَه فِي دير الشَّيَاطِين من الْبَسِيط

عصى الرشادَ وَقَدْ ناداه من حينٍوراكضُ الغَيَّ فِي تِلْكَ الميادينِ
مَا حنّ شَيْطَانه العاتي إِلَى بَلَدٍإِلَّا ليَقربَ من دير الشياطينِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «عصى الرشاد فقد ناداه من حين»
وفِتيَةِ زَهَرُ الآدابِ بَينهمأبهى وأنضر من زَهْر البساتينِ
مَشوا إِلَى الراح مشي الرخّ وَانْصَرفُواوالراح يمشي بهم مَشْي الفرازينِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «عصى الرشاد فقد ناداه من حين»
فَصُرِّعوا بَيْنَ أعطان الهياكِلِ فِيتِلْكَ الْجنان وأقمار الدواوينِ
حتّى إِذا نطق الناقوس بينهمُمُزَنَّرُ الخَصِرْ روميّ القرابينِ
يرى المدامةَ دِيناً حبّذا رَجُلٌيعُدُّ لَذَّةَ دُنْيَاهُ من الدينِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «عصى الرشاد فقد ناداه من حين»
فَحَثَّ أقداحها بيض السوالف فِيحُمرِ الغلائلِ فِي خُضر الرياحينِ
كأنّها وَبَيَاض المَاء يقرعهاوَرْدٌ تصافحه أوْراقُ نسرينِ

قَالَ الخالديّان قَدْ نازعه فِي أَبْيَات مِنْهَا جماعةٌ من شعرائنا لمّا بلغ السّري الرفّاء أنّ الخالدّيين يُريدَان الْعود إِلَى بَغْدَاد فِي أَيَّام المهلّبي كتب إِلَى أبي الخطّاب الْمفضل بن ثَابت الصَّابِئ من الْكَامِل

بَكَرَتْ عَلَيْكَ مُغيرةُ الْأَعْرَابفأحفظ ثِيابَك يَا أَبَا الخطابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
وَرَدَ العِراقَ ربيعةٌ بن مُكَدَّمٍوعُتيبةُ بنُ الْحَارِث بن شِهابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
أفعندنا شَكٌّّ بأنهّما همافِي الفَتْكِ لَا فِي صِحّةِ الأنْسابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
جلبا إِلَيْك الشعرّ مِن أوْطانِهِجَلْبَ التجارِ طرائفَ الأجلابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
فبدائعُ الشُّعَرَاء فِيمَا جهّزامقرونةٌ ببدائعِ الكُتابِ
شَنّا عَلَى الْآدَاب أقْبَحَ غارةٍجَرَحَتْ قُلوبَ محاسِنِ الآدابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
فحذارِ مِن حَرَكاتِ صِلَّيْ قَفرةٍوحَذارِ مِن حَرَكاتِ لَيْشَي عابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
لَا يَسْلُبانِ أَخا الثَراءِ وإنمّايَتَنَاهَبانِ نَتَائِجَ الألْبابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
إنْ عَزَّ مَوجودُ الكَلامِ عَلَيْهِمَافَأَنا الَّذِي وَقَفَ الكًلامُ بِبابي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
أَو يَهْبطا مِنْ ذلّتي فَأَنا الَّذِيضِرُبتْ عَلَى الشَرَفِ الرفيعِ قبابي

)

كم حاوَلا أمَدي فطال عَلَيْهِمَاأَن يُدرِكا إِلَّا مَطارَ تُرابي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
عَجزا وَلنْ يقف العبيد إِذا جَروايَوْم الرِّهَان مَواقِف الأربابِ
وَلَقَد حَميتُ الشعرَ وَهْوَ لِمَعْشَرٍرمم سِوى الأسماءِ والألقابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
وضربتُ عَنهُ المدّعين وإنمّاعَنْ حَوْزَةِ الْآدَاب كانَ ضرابي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
فغدت نبيط الخالدية تَدعِيشعري وترفل فِي حبير ثِيَابِي
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
قَومٌ إِذا قصدُوا الملوكَ لِمَطْلَبٍنُفِضَتْ عمائِمُهُم عَلَى الأبْوابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
مِنْ كُلِّ كَهْلٍ نستطير سِبالُهلَوْنَينِ بَينَ أنامِلِ البوّابِ
مُغْضٍ عَلَى ذلّ الحِجابِ يرُدُّهُدَامِي الجَبين تجهُّمُ الحُجابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
ومُفَوَّهين تَعَرَّضا لجرايتيفَتَعَرَّضَتْ لَهُما صُدورُ حِرابي
نظرا إِلَى شِعْري يَرُوقُ فترّبامِنه خُدودَ كواعبِ أتْرابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
شِرَباهُ فَاعْتَرَفا لَهُ بِعُذوبةٍوَلَرُبَّ عذبٍ عادَ سَوْطَ عَذابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
فِي عارَةٍ لَمْ تَنْثَلِم فِيهَا الظِباضَرْباً وَلَمْ تَنْدَ القنا بِخِضّابِ
تُرِكَتْ غرائبُ مَنطِقي فِي غُربَةٍمَسْبِبَّة لَا تَهتَدِي لإبابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
جرحى وَمَا ضرُبَتْ بِحَدِّ مُهَنّدٍأسرى وَمَا حُمِلَتْ عَلَى أقْتابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
لَفْظٌ صَقَلْتُ مُتونَه فكأنّهفِي مُشرِقاتِ التَزْمِ درُّ سَحابِ
وكأنمّا أجْريت فِي صَفَحاتِهِحُرَّ اللُجينِ وخالصَ الزريابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
أعْرَبْتُ فِي تَحْبيره فُروَاتُهُفِي نُزهةٍ مِنهُ وَفِي استِغْرابِ
وقطعتُ فِيهِ سبيبةً لن تشتغلعَنْ حُسنِهِ بِصِبىً وَلَا بتَصابي
وَإِذا تَرَقْرَقَ فِي الصَّحِيفَة مَاؤُهُعَبِقَ النسيم فَذَاك مَاء شَبَابِي
يُصغي اللَبيبُ لَهُ فيَقْسِمُ لُبّهبَينَ التعجُّبِ مِنْهُ والإعْجابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
جدٌّ يَطير شاعة وفُكاهَةٌتستعطِفُ الأحْبابَ للأحْبابِ
أعزِزْ عليّ بأنْ أرى أشلاءَهتَدْمَى بِظُفْرِ للعَدوّ ونابِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»
أَفِنٍ رَماهُ بغارةٍ مأفونَةِباعَتْ ظِباءَ الرّوم فِي الْأَعْرَاب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بكرت عليك مغيرة الأعراب»

وَهِي طَوِيلَة وَهَذَا مِنْهَا كَاف وَلَهُ كتاب المحبّ والمحبوب والمسوم والمشرو وَكتاب الديرة وَمن شعر السّري الرفّاء من السَّرِيع)

وَكَانَتْ الإبْرةُ فِيمَا مَضىصِيَانة وَجْهي وأشْعاري
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ينبيك عن صحة أخباري»
فأصْبَحَ الرِزقُ بِهَا ضيفاًكأنَّه من ثُقْبِها جارِ

وَمِنْه من الْكَامِل

يَلْقَى النَدَى برقيق وجهٍ مُسفِرٍفَإِذا التقى الْجَمْعَانِ عادَ صَفيقا
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «أما الخيال فما يغب طروقا»
رَحبُ المنازلِ مَا أَقَامَ فإنْ سرَىفِي حجِفل ترك الفضاء مضيقا
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «أما الخيال فما يغب طروقا»

وَمِنْه من الْكَامِل

أَلْبَستَني نِعَماً رأيتُ بِهَا الدُجىصُبْحاً وكُنتُ أرَى الصَباحَ بهيما
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «الله جارك ظاعنا ومقيما»
فغَدوتُ يحَسُدني الصَديقُ وقَبْلَهاقَدْ كَانَ يَلْقاني العدوُّ رحِيما
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «الله جارك ظاعنا ومقيما»

وَمِنْه من الوافر

بنفسي من أجودُ لَهُ بنفسيويَبْخلُ بالتحيّة والسلامِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بنفسي من أجود له بنفسي»
وحَتْفِي كامِنٌ فِي مُقْلَتَيهِكمُونَ المَوْتِ فِي حَدّ َالحُسامِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بنفسي من أجود له بنفسي»

اجْتمع الشُّعَرَاء الشُّيُوخ فِي دهليز سيف الدولة كالنامي والصنوبري وَمن الناشئين كالببغاء والخالديّين والسريّ الرفّاء فتذاكروا الشّعْر وأنشدوا قصيدة أبي الطيّب من الطَّوِيل فَدَيْنَكَ من رَبعٍ وَإِن زدتنا كرْبَا واسنحسن الْجَمَاعَة قَوْله من الطَّوِيل

نزلنَا عَن الأكوار نمشي كَرَامَةلمن بانَ عَنهُ أنْ نُلِمَّ بِهِ رَكْبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

فَقَالَ السريّ لَوْلَا أنْكم بعد هَذَا إِذا سَمِعْتُمْ مَا قلته ادّعيتم أنّني سرقْتُهُ مِنْهُ لأمسكْتُ ثُمَّ أنْشد لاميّةً فِيهَا من الْكَامِل

نُحفى وننزل وَهوَ أعْظَمُ حُرمةًمِن أنْ يُدالَ برِاكبٍ أَو ناعِلِ
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «تأبى الصبابة أن تصيخ لعاذل»

فحكموا لَهُ بِالزِّيَادَةِ فِي قَوْله نحفى وننزل

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف السِّين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.