من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْحداد الإسكندري
ظافر بن الْقَاسِم بن مَنْصُور بن خلف أَبُو مَنْصُور الجذامي الإسكندري الْحداد الشَّاعِر صَاحب الدِّيوَان الْمَشْهُور أَخذ عَنهُ الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي وَتُوفِّي سنة خمس وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَمن شعره قصيدته الْمَشْهُورَة وَهِي الْكَامِل
لَو صَحَّ بِالصبرِ الْجَمِيل ملاذهمَا سح وابل دمعه ورذاذه
مَا زَالَ جَيش الْحبّ يَغْزُو قلبهحَتَّى وهى وتقطعت أفلاذه
لم يبْق فِيهِ مَعَ الغرام بَقِيَّةإِلَّا رسيس يحتويه جذاذه
من كَانَ يرغب فِي السَّلامَة فَلْيَكُنأبدا من الحدق المراض عياذه
لَا يخدعنك بالفتور فَإِنَّهُمرض يضر بقلبك استلذاذه
يَا أَيهَا الرشأ الَّذِي من طرفهسهم إِلَى حب الْقُلُوب نفاذه
در يلوح بفيك من نظامهخمر يجول عَلَيْهِ من نباذه
وقناة ذَاك الْقد كَيفَ تقومتوَسنَان ذَاك اللحظ مَا فولاذه
رفقا بجسمك لَا يذوب فإننيأخْشَى بِأَن يجفو عَلَيْهِ لاذه
هاروت يعجز عَن مواقع سحرهوَهُوَ الإِمَام فَمن ترى أستاذه
تالله مَا علقت محاسنك امْرأإِلَّا وَعز على الورى استنقاذه
أغريت حبك بالقلوب فأذعنتطَوْعًا وَقد أودى بهَا استحواذه
مَالِي أتيت الْحَظ من أبوابهجهدي فدام نفوره ولواذه
إياك من طمع المنى فعزيزهكذليله وغنيه شحاذه
ذالية ابْن دُرَيْد استهوي بهَاقوم غَدَاة نبت بِهِ بغداذه
دانوا لزخرف قَوْله فتفرقتطَمَعا بهم صرعاه أَو جذاذه
من قدر الرزق السّني لَك إِنَّمَاقد كَانَ لَيْسَ يضرّهُ إِنْفَاذه
قَالَ قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين ابْن خلكان رَأَيْت عماد الدّين ابْن باطيش فِي كِتَابه الْمُغنِي)
شرح الْمُهَذّب فِي الْفِقْه لما انْتهى إِلَى ذكر أبي بكر مُحَمَّد بن الْحداد الْمصْرِيّ الشَّافِعِي ذكر بعض هَذِه الأبيات وَعَزاهَا إِلَيْهِ وَمَا أوقعه فِي ذَلِك إِلَّا أَن ظافر يعرف بالحداد وَمن شعر ظافر الْحداد قَوْله الطَّوِيل
يذم المحبون الرَّقِيب وليت ليمن الْوَصْل مَا يخْشَى عَلَيْهِ رَقِيب
قلت وَهُوَ مِمَّن أَجَاد التَّشْبِيه فَمن ذَلِك قَوْله من أَبْيَات الطَّوِيل
وَقد سبحت فِيهِ الثريا كَأَنَّهَابنيقات وشي فِي قَمِيص حداد
ولاحت بَنو نعش كتنقيط كَاتببيسراه للتعليم آخر صَاد
إِلَى أَن بدا ضوء الصَّباح كَأَنَّهُرِدَاء عروس فِيهِ صبغ مداد
قلت هُوَ يشبه قَول الْقَائِل الْكَامِل
خلقت نُجُوم بَنَات نعش سَبْعَةتترى كَمَا نظم الخرائد جوهرا
تبدو كَمَا رسمت بنان مكتبلمكتب فِي اللَّوْح صاداً أعسرا
وَقَالَ ظافر الْحداد الْبَسِيط
كَأَن أنجمها فِي الجو زاهرةدَرَاهِم والثريا كف منتقد
وَقَالَ أَيْضا الْكَامِل
والجو من شفق الْغُرُوب مفروزكحديقة حفت بورد أَحْمَر
وبدا الْهلَال لليلتين كَأَنَّهُفتر حوى تفاحة من عنبر
وَقَالَ أَيْضا الْكَامِل
وَاللَّيْل قد ولى بعبسة هاربوَالصُّبْح قد وافى ببشر معرس
وَالْفَجْر قد أخْفى النُّجُوم كَأَنَّهُسيل يفِيض على حديقة نرجس
قلت أَخذ اللَّفْظ وَالْمعْنَى من قَول حجاج الْكَامِل
هذي المجرة والنجوم كَأَنَّهَانهر تفتح فِيهِ رَوْضَة نرجس
وَأما مُحَمَّد بن عَطِيَّة الْكَاتِب القيرواني فَقَالَ
الْكَامِل وكنما الْفجْر المطل على الدجىونجومه المتأخرات تقوضا
نهرٌ تعرض فِي السَّمَاء وَحَولهأَشجَار وردٍ قد تفتح أبيضا
وَقَالَ ظافر الْحداد الْبَسِيط)
والأقحوانة تحكي ثغر غانيةتبسمت فِيهِ من عجب وَمن عجب
فِي الْقد وَالْبرد والريق الشهي وطيب الرّيح واللون والتفليج والشنب
كشمسة من لجين فِي زبرجدةقد برقتْ تَحت مِسْمَار من الذَّهَب
قلت أَخذه ابْن عبَادَة الإسكندري وشاركه فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى فَقَالَ الْبَسِيط
والأقحوانة تجلو وَهِي ضاحكةعَن وَاضح غير ذِي ظلم وَلَا شنب
كَأَنَّمَا شمسة من فضَّة حرستخوف الْوُقُوع بمسمار من الذَّهَب
وَقَالَ ظافر أَيْضا الْكَامِل
والأقحوانة فِي الرياض تخالهاثغراً يعَض على حُرُوف رباعي
وَقَالَ المتقارب
كَأَن سنابل حب الحصيدوَقد شارفت وَقت إبانها
كبائس مضفورة ربعتوأرخي فَاضل خيطانها
وَقَالَ المتقارب
غدونا على أرؤس أحكمتوتمت محَاسِن أوصافها
حكت قطع الْقطن مندوفةكَمَا فَارَقت يَد ندافها
كَأَن تماثيل أجسامهاوأفواهها تَحت آنافها
خليع الطراطير بيضًا وَقدتفتق مَا فَوق أطرافها
وَقَالَ ظافر أَيْضا فأبدع الطَّوِيل
كَأَن حباب المَاء ثوب مرائشوَقد شابه لون الضُّحَى فتلونا
فَكَانَ كأحناك الظباء تثاءبتفأظهرن تدريجاً هُنَاكَ مغضنا
إِذا أبرم التيار دارته حكتأنامل خراط يحرر مدهنا
وَقَالَ الطَّوِيل
ترى مِنْهُ تَحت المَاء درعاً وجوشناًوسيفاً بِلَا غمد وَإِن كَانَ راكداً
كَأَن الصِّبَا لما أدارت حبابهتمر على سيف صقيل مباردا
وَقَالَ الْبَسِيط
هلل فَإِن هِلَال الْعِيد عَاد بِمَاقد كنت تعهد من لَهو وَمن طرب
)
كحلقة من لجين ذاب أَكْثَرهَالما تغافل ملقيها على اللهب
وَقَالَ الطَّوِيل
تَأَمَّلت بَحر النّيل طولا وَخَلفهمن الْبركَة الْغناء كل مقعر
فَكَانَت وَقد لاحت بسيطة خضرَةوَكَانَت وفيهَا المَاء بَاقٍ موفر
عِمَامَة شرب ذِي حواش بخضرةأضيف إِلَيْهَا طيلسان مقور
وَكَانَ الْأَمِير ابْن ظفر أَيَّام ولَايَته الثغر قد ضَاقَ خَاتم على خِنْصره وأفرط إِلَى أَن ورم فأحضر ابْن ظافر لقطع الْخَاتم فَلَمَّا قطع الْحلقَة أنْشدهُ بديها السَّرِيع
قصر عَن أوصافك الْعَالموَكثر الناثر والناظم
من يكن الْبَحْر لَهُ رَاحَةيضيق عَن خنصرها الْخَاتم
فَاسْتَحْسَنَهُ ووهب لَهُ الْحلقَة وَكَانَت من ذهب وَكَانَ بَين يَدي الْأَمِير غزال مستأنس قد ربض وَجعل رَأسه فِي حجره فَقَالَ ظافر بديها المتقارب
عجبت لجرأة هَذَا الغزالوَأمر تخطى لَهُ وَاعْتمد
وأعجب بِهِ إِذْ بدا جاثماًوَكَيف اطْمَأَن وَأَنت الْأسد
فَزَاد الْأَمِير والحاضرون فِي الِاسْتِحْسَان مِنْهُ وَتَأمل ظافر شَيْئا كَانَ على بَاب الْمجْلس يمْنَع الطير من دُخُولهَا فَقَالَ بديها المتقارب
رَأَيْت ببابك هَذَا المنيفشباكاً فأدركني بعض شكّ
وفكر فِيمَا رأى خاطريفَقلت الْبحار مَكَان الشبك
وَمن نظم ظافر الْحداد أَيْضا فِي كرْسِي النّسخ الْكَامِل
انْظُر بِعَيْنَيْك فِي بديع صنائعيوَعَجِيب تركيبي وَحِكْمَة صانعي
فكأنني كفا محب شبكتيَوْم الْفِرَاق أصابعاً بأصابع
قلت أوردت يَوْمًا هَذَا الْمَقْطُوع بِحَضْرَة بعض الأفاضل فَقَالَ لي ذكر الْمُحب هُنَا حَشْو وَلَا علاقَة للمحب والتشبيه يَصح بِدُونِ إِضَافَة الْكَفّ إِلَى محب أَو غَيره فَقلت ذكر الْمُحب هُنَا أوقع فِي النَّفس من ذكر غَيره لِأَن الْغَالِب فِي تشبيك الْإِنْسَان كَفه بِالْأُخْرَى عِنْدَمَا يبغته الْأَمر الَّذِي يكرههُ وَلَا أكره من حَالَة الْفِرَاق عِنْد الْمُحب فلاق ذكره هُنَا دون غَيره فَاسْتَحْسَنَهُ الْحَاضِرُونَ ولظافر الْحداد موشحات مِنْهَا قَوْله)
ثغر لَاحَ يستأسر الْأَرْوَاحلما فاح بِالْخمرِ والتفاح
الْجَانِيذَا التائه الْجَانِي
يلحانيمن لَيْسَ بالحاني
أفنانيطير بأفناني
أحيانيفِي بعض أحياني
لما صَاح مَا خلته يَا صَاحإِلَّا رَاح من ذَا نشوة من رَاح
بدر بَانفِي مثل خوط البان
وَجه زَانقداً كعود الزان
والإخوانفِي اللوم لي خوان
والعينانلما جَفا عينان
جسم رَاح يدميه لمس الراحلما لَاحَ لم أحتفل باللاح
يَا فتاكبِالْقَتْلِ من أَفْتَاك
مَا أسراكنيلاً إِلَى أسراك
مَا أحلاكسُبْحَانَ من حلاك
مَا أنساكوَجها وَمَا أسناك
كالمصباح نور بِلَا إصباحكم أرتاح للقرب مَا يرتاح
أغْلى ليموتِي بأغلالي
أوصى لينيران أوصالي
بلباليأولى ببلبالي
يَا حَاليانْظُر إِلَى حَالي
هَا قد ساح من مقلتي سحاحذُو إفصاح بسرنا فضاح
قلبِي مَالفِيهِ إِلَى الآمال
مَا لي حَاليَا قوم لما حَال
لما غالقلبِي وصبري غال
لَوْلَا الْخَالمَا كنت إِلَّا خَال
)
ذَا المزاح مازحته مَا رَاحالْإِصْلَاح أَن أترك الْإِصْلَاح
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع