من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الشَّاعِر الْحَنَفِيّ
الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف الشَّاعِر كَانَ ظريفاً كيساً مجيدا الْغَزل حُلْو النادرة وَله مَعَ الرشيد أَخْبَار وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة على الْأَصَح وَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَهُوَ خَال إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولي قَالَ بشار بن برد مَا زَالَ غُلَام من بني حنيفَة يدْخل نَفسه فِينَا ويخرجها حَتَّى قَالَ الْبَسِيط
أبْكِي الَّذين أذاقوني مَوَدَّتهمْحَتَّى إِذا أيقظوني للهوى رقدوا
واستنهضوني فَلَمَّا قُمْت منتصباًبثقل مَا حملوني مِنْهُم قعدوا
لأخْرجَن من الدُّنْيَا وحبهمبَين الجوانح لم يشْعر بِهِ أحد
وَقَالَ عمر بن شبة مَاتَ إِبْرَاهِيم الْموصِلِي النديم سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَمَات فِي ذَلِك الْيَوْم الْكسَائي النَّحْوِيّ وَالْعَبَّاس بن الْأَحْنَف وهشيمة الخمارة فَرفع ذَلِك إِلَى الرشيد فَأمر الْمَأْمُون أَن يُصَلِّي عَلَيْهِم فَخرج فصفوا بَين يَدَيْهِ فَقَالَ من هَذَا الأول فَقَالُوا إِبْرَاهِيم)
الْموصِلِي فَقَالَ أخروه وَقدمُوا الْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف فَقدم فصلى عَلَيْهِم فَلَمَّا فرغ وَانْصَرف دنا مِنْهُ هَاشم بن عبد الله ابْن مَالك الْخُزَاعِيّ فَقَالَ يَا سَيِّدي كَيفَ آثرت الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف على من حضر بالتقدمة فَأَنْشد الْكَامِل
وسعى بهَا نَاس فَقَالُوا إِنَّهَالهي الَّتِي تشقى بهَا وتكابد
فجحدتهم ليَكُون غَيْرك ظنهمإِنِّي ليعجبني الْمُحب الجاحد
ثمَّ قَالَ أتحفظها فَقلت نعم وأنشدته فَقَالَ الْمَأْمُون أَلَيْسَ من قَالَ هَذَا الشّعْر أولى بالتقدمة فَقلت بلَى وَالله يَا سَيِّدي قلت الْكسَائي إِنَّمَا مَاتَ بِالريِّ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة على خلاف فِيهِ وَمَا كَانَ الْمَأْمُون مِمَّن يقدم الْعَبَّاس على مثل الإِمَام الْكسَائي وَلَكِن هَكَذَا جَاءَ وَقد روى الصولي أَنه رأى الْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف بعد موت هَارُون الرشيد فِي منزله بِبَاب الشَّام وَهَذَا يدل أَيْضا على أَن الرشيد مَا أَمر الْمَأْمُون بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِم وَمن شعر الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف الْكَامِل
يَا أَيهَا الرجل المعذب نَفسهأقصر فَإِن شفاءك الإقصار
نزف الْبكاء دموع عَيْنك فاستعرعينا يعينك دمعها المدرار
من ذَا يعيرك عينه تبْكي بهَاأَرَأَيْت عينا للبكاء تعار
وَمِنْه الْكَامِل
تَعب يطول مَعَ الرَّجَاء لذِي الْهوىخير لَهُ من رَاحَة فِي الياس
لَوْلَا محبتكم لما عاتبتكمولكنتم عِنْدِي كبعض النَّاس
وَمِنْه قَوْله الطَّوِيل
وحدثتني يَا سعد عَنْهُم فزدتنيجنوناً فزدني من حَدِيثك يَا سعد
هَواهَا هوى لم يعرف الْقلب غَيرهفَلَيْسَ لَهُ قبل وَلَيْسَ لَهُ بعد
وَمِنْه الطَّوِيل
إِذا أَنْت لم تعطفك إِلَّا شَفَاعَةفَلَا خير فِي ود يكون بشافع
فأقسم مَا تركي عتابك عَن قلىوَلَكِن لعلمي أَنه غير نافعي
وَأَنِّي إِذا لم ألزم الصَّبْر طَائِعافَلَا بُد مِنْهُ مكْرها غير طائع
وَقَالَ الْمَدَائِنِي كَانُوا يَقُولُونَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف مثل أبي الْعَتَاهِيَة فِي الزّهْد يكثران الحز وَلَا يصيبان الْمفصل وَقَالَ غَيره كَانَت فِي الْعَبَّاس آلَات الظّرْف كَانَ جميل المنظر نظيف الثَّوْب)
فاره الْمركب حسن الْأَلْفَاظ حسن الحَدِيث كثير النَّوَادِر بَاقِيا على الشَّرَاب شَدِيد الِاحْتِمَال طَوِيل المساعدة قَالَ أَبُو بكر الصولي حدثت عَن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء الْبَصْرِيّ قَالَ
حَدثنِي رجل من قُرَيْش قَالَ خرجت خرجت حَاجا فخرجنا نصلي فِي بعض الطَّرِيق فجاءنا غُلَام فَقَالَ فِيكُم أحد من أهل الْبَصْرَة فَقُلْنَا كلنا من أهل الْبَصْرَة قَالَ إِن مولَايَ من أَهلهَا وَهُوَ يدعوكم فقمنا إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ نَازل على عين مَاء فَقَالَ إِنِّي أحب أَن أوصِي إِلَيْكُم ثمَّ رفع رَأسه يترنم المديد
يَا بعيد الدَّار عَن وَطنهمُفردا يبكي على سكنه
كلما جد الرحيل بِهِزَادَت الأسقام فِي بدنه
ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ فأفاق وَهُوَ يَقُول
وَلَقَد زَاد الْفُؤَاد هوىهَاتِف يبكي على فننه
شفه مَا شفني فَبكىكلنا يبكي على شجنه
ثمَّ مَاتَ فَقُلْنَا للغلام من مَوْلَاك فَقَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف فأصلحنا من شَأْنه وصلينا عَلَيْهِ ودفناه ﵀ وَطَلَبه يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي يَوْمًا فَقَالَ إِن مَارِيَة هِيَ الْغَالِبَة على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإنَّهُ جرى بَينهمَا عتب فَهِيَ بعزة دَالَّة المعشوق تأبى أَن تعتذر وَهُوَ بعز الْخلَافَة وَشرف الْملك وَالْبَيْت يَأْبَى ذَلِك وَقد رمت الْأَمر من قبلهَا فأعياني وَهُوَ أَحْرَى أَن تستفزه الصبابة فَقل شعرًا تسهل بِهِ عَلَيْهِ هَذِه الْقَضِيَّة وَأَعْطَاهُ دَوَاة وقرطاساً وَطَلَبه الرشيد فَتوجه إِلَيْهِ ونظم الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف قَوْله الْكَامِل
العاشقان كِلَاهُمَا متغضبوَكِلَاهُمَا متوجد متجنب
صدت مغاضبة وَصد مغاضباًوَكِلَاهُمَا مِمَّا يعالج مُتْعب
رَاجع أحبتك الَّذين هجرتهمإِن المتيم قَلما يتَجَنَّب
إِن التجنب إِن تطاول مِنْكُمَادب السلو لَهُ فعز الْمطلب
ثمَّ قَالَ لأحد الرُّسُل ابلغ الْوَزير أَنِّي قد قلت أَرْبَعَة أَبْيَات فَإِن كَانَ فِيهَا مقنع وجهت بهَا فَعَاد الرَّسُول وَقَالَ هَاتِهَا فَفِي أقل مِنْهَا مقنع وَفِي قدر الروي فَكتب الأبيات وَكتب تحتهَا أَيْضا السَّرِيع
لَا بُد للعاشق من وَقْفَةتكون بَين الْوَصْل والصرم
حَتَّى إِذا الهجر تَمَادى بِهِرَاجع من يهوى على رغم
)
فَدفع الرقعة يحيى إِلَى الرشيد فَقَالَ وَالله مَا رَأَيْت شعرًا أشبه بِمَا نَحن فِيهِ من هَذَا الشّعْر وَالله لكَأَنِّي قصدت بِهِ فَقَالَ يحيى وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لأَنْت الْمَقْصُود بِهِ فَقَالَ الرشيد يَا غُلَام هَات نَعْلي فَإِنِّي وَالله أرَاجعهَا على رغم فَنَهَضَ وأذهله السرُور أَن يَأْمر
للْعَبَّاس بِشَيْء ثمَّ إِن مَارِيَة لما علمت بمجيء الرشيد إِلَيْهَا قَامَت تَلَقَّتْهُ وَقَالَت كَيفَ ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَعْطَاهَا الشّعْر وَقَالَ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِي إِلَيْك قَالَت فَمن قَالَه قَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف قَالَت فَبِمَ كوفئ قَالَ مَا فعلت بعد شَيْئا فَقَالَت وَالله لَا أَجْلِس حَتَّى يكافأ فَأمر لَهُ بِمَال كثير وَأمرت هِيَ لَهُ بِدُونِ ذَلِك وَأمر لَهُ يحيى بِدُونِ مَا أمرت بِهِ وَحمل على برذون ثمَّ قَالَ لَهُ الْوَزير يحيى من تَمام النِّعْمَة عنْدك أَن لَا تخرج من الدَّار حَتَّى نؤثل لَك بِهَذَا المَال ضَيْعَة فَاشْترى لَهُ ضيَاعًا بجملة من ذَلِك المَال وَدفع إِلَيْهِ بَقِيَّة المَال
وَمن شعره الطَّوِيل
جرى السَّيْل فاستبكاني السَّيْل إِذْ جرىوفاضت لَهُ من مقلتي غرُوب
وَمَا ذَاك إِلَّا حَيْثُ أيقنت أَنهيمر بوادٍ أَنْت مِنْهُ قريب
يكون أجاجاً دونكم فَإِذا انْتهىإِلَيْكُم تلقى طيبكم فيطيب
أيا سَاكِني أكناف دجلة كلكُمْإِلَى النَّفس من أجل الحبيب حبيب
وَله تغزل كثير فِي فوز وظلوم وَخَبره مَعَ فوز مَذْكُور فِي كتاب الأغاني لأبي الْفرج وَقَالَ أَبُو الْفرج حَدثنِي أَبُو جَعْفَر النَّخعِيّ قَالَ كَانَ الْعَبَّاس يهوى عنان جَارِيَة النطاف فَجَاءَنِي يَوْمًا فَقَالَ امْضِ بِنَا إِلَى عنان قَالَ فصرنا إِلَيْهَا فرأيتها كالمهاجرة لَهُ فَجَلَسْنَا قَلِيلا ثمَّ ابْتَدَأَ الْعَبَّاس فَقَالَ الرمل المجزوء
(قَالَ عَبَّاس وَقد أجهد من وجد شَدِيد)
(لَيْسَ لي صَبر على الهجر وَلَا لذع الصدود)
(لَا وَلَا يصبر للهجر فؤاد من حَدِيد)
فَقَالَت عنان
من ترَاهُ كَانَ أغْنىمِنْك عَن هَذَا الصدود
بعد وصل لَك منيفِيهِ إرغام الحسود
(فَاتخذ للهجر إِن شِئْت فؤاداً من حَدِيد)
)
مَا رَأَيْنَاك على مَاكنت تجني بجليد
فَقَالَ عَبَّاس
لَو تجودين لصبرَاح ذَا وجد شَدِيد
وَأخي جهل بِمَا قدكَانَ يجني بالصدود
لَيْسَ من أحدث هجراًلصديق بسديد
لَيْسَ مِنْهُ الْمَوْت إِن لمتصلي بِبَعِيد
قَالَ فَقلت للْعَبَّاس وَيحك مَا هَذَا الْأَمر قَالَ أَنا جنيت على نفس بتتايهي عَلَيْهَا فَلم أَبْرَح حَتَّى ترضيتها لَهُ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع