تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

القَاضِي شرف الدّين كَاتب السِّرّ

عبد الْوَهَّاب بن فضل الله القَاضِي شرف الدّين أَبُو مُحَمَّد الْأَثِير الأثيل يَمِين الْمُلُوك والسلاطين الْقرشِي الْعمريّ وَتقدم ذكر نسبه إِلَى عمر ﵁ فِي تَرْجَمَة ابْن أَخِيه القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن يحيى مولده فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين وست ماية

كَانَ كَاتبا أديباً مترسلاً كتب الْمَنْسُوب الْفَائِق ومتع بحواسه لم يفقد مِنْهَا شَيْئا وَلم يتَغَيَّر كِتَابه)

وَمَات وَهُوَ جَالس ينفذ بريداً إِلَى بعض النواحي وتنقل إِلَى أَن صَار صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء بِمصْر مُدَّة طَوِيلَة وَكَانَ مخاديمه يعظمونه ويحترمونه مثل حسام الدّين لاجين وَالْملك الْأَشْرَف وَالْملك النَّاصِر وَلَدي قلاوون والأمير سيف الدّين تنكز كَانَ قَلِيل يذكرهُ وَيجْعَل أَفعاله قَوَاعِد يمشي النَّاس عَلَيْهَا وَكَانَ كَامِلا فِي فنه مَا كتب عَن مُلُوك الأتراك أحد مثله وَلَا عرف مقاصدهم مثله وَكَانَ يَدُور فِي كَلَامه ويتحيل حَتَّى يخرج عَن ثقل الْإِعْرَاب وَمَا يلحن لِأَن ذَلِك خرج مُلُوك عصره رَآهُ الْملك الْأَشْرَف مرّة وَقد قَامَ وَمَشى تلقى أَمِيرا فَلَمَّا حضر عِنْده قَالَ رَأَيْتُك قد قُمْت من مَكَانك وخطوت خطوَات فَقَالَ يَا خوند كَانَ الْأَمِير سيف الدّين بيدار النَّائِب قد جَاءَ وَسلم عَليّ فَقَالَ لَا تعد تقم لأحد أبدا أَنْت تكون قَاعِدا عِنْدِي وَذَاكَ وَاقِف وَحكى لي القَاضِي

شهَاب الدّين ابْن القيسراني قَالَ كنت يَوْمًا أَقرَأ الْبَرِيد على الْأَمِير سيف الدّين تنكز فَتحَرك على جَائِر الْمَكَان طَائِر فَالْتَفت إِلَيْهِ يَسِيرا وَرجع إِلَيّ وَقَالَ كنت يَوْمًا بالمرج وَشرف الدّين ابْن فضل الله يقْرَأ عَليّ بريداً جَاءَ من السُّلْطَان وَالصبيان قد رموا جلمة على عُصْفُور فاشتغلت بِالنّظرِ إِلَيْهَا فَبَطل الْقِرَاءَة وَأَمْسِكْنِي وَقَالَ يَا خوند إِذا قَرَأت عَلَيْك كتاب السُّلْطَان إجعل بالك كُله مني وَيكون كلك عِنْدِي لَا تشتغل بغيري أبدا وافهمه لَفْظَة لَفْظَة أَو كَمَا قَالَ وَمَا رأى أحد مَا رَآهُ من تَعْظِيمه فِي نفوس النَّاس وَكَانَ فِي مبدأ أمره يلبس القماش الفاخر وَيَأْكُل الْأَطْعِمَة المنوعة الفاخرة وَيعْمل السماعات المليحة ويعاشر الْفُضَلَاء مثل ابْن مَالك بدر الدّين وَغَيره ثمَّ انْسَلَخَ من ذَلِك كُله لما دَاخل الدولة وقتر على نَفسه وَاخْتصرَ فِي ملبسه وانجمع عَن النَّاس انجماعاً كلياً وَكَانَ قد سمع فِي الكهولة من ابْن عبد الدَّائِم وَأَجَازَ لَهُ ابْن مسلمة وَغَيره وَلما مَاتَ خلف نعْمَة طائلة

وَكَانَ السُّلْطَان الْملك النَّاصِر قد نَقله من مصر إِلَى الشَّام عوضا عَن أَخِيه القَاضِي محيي الدّين لِأَن السُّلْطَان كَانَ قد وعد القَاضِي عَلَاء الدّين الْأَثِير لما كَانَ مَعَه بالكرك بالمنصب فَأَقَامَ بِدِمَشْق إِلَى سنة سبع عشرَة وَسبع ماية وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي شهر رَمَضَان

ورثاه القَاضِي شهَاب الدّين مَحْمُود وَهُوَ بِمصْر أَنْشدني ذَلِك إجَازَة وَكتب بهَا إِلَيّ القَاضِي محيي الدّين يحيي أَخِيه

لتبكي الْمَعَالِي والنهى الشّرف الْأَعْلَىوتبك الورى الْإِحْسَان والحلم والفضلا
وتنتحب الدُّنْيَا لمن لم تَجِد لَهُوَإِن جهدت فِي حسن أَوْصَافه مثلا

)

وَمن أتعب الناي أَتبَاع طَرِيقهفكفوا وأعيتهم طَرِيقَته المثلى
لقد أثكل الْأَيَّام حَتَّى تجهمتوَإِن كَانَت الْأَيَّام لَا تعرف الثكلا
وَفَارق مِنْهُ الدست صَدرا مُعظمارحيباً يرد الْحزن تَدْبيره سهلا
فكم حاط بِالرَّأْيِ الممالك فاكتفتبِهِ أَن تعد الْخَيل للصون والرجلا
وَكم جردت أَيدي العدى نصل كيدهمفَرد إِلَى أَعْنَاقهم ذَلِك النصلا
وَكم جلّ خطب لَا يحل انْعِقَادهفاعمل فِيهِ صائب الرَّأْي فانحلا
وَكم جَاءَ أَمر لَا يُطَاق هجومهفَلَمَّا تولى أَمر تَدْبيره ولى
وَكم كف محذوراً وَكم فك عانياًوَكم رد مَكْرُوها وَكم قد جلا جلى

مِنْهَا

وَقد كَانَ للاجين ظلاً فقلصتيَد الْمَوْت عدوا عَنْهُم ذَلِك الظلا
وعف عَن الْأَعْرَاض مغض عَن القذىصبور عَلَيْهِ فِي الورى يحمل الكلا
سأندبه دهري وأرثيه جاهداًوَأكْثر فِيهِ من بُكَائِي وَإِن قلا
وَلم لَا وَقد صاحبته كل مدتيأرَاهُ أَبَا برا ويعتدني نجلا
وَلم يرنا فِي طول مدتنا امْرُؤفيحسبنا إِلَّا الْأَقَارِب والأهلا
وَكم أرشدتني فِي الْكِتَابَة كتبهوَلَو زل عَن إرشادها خاطري ضلا
وَكم مشكلات لم يبن لمحدقإِلَيْهَا جلاها فانجلت عِنْدَمَا أمْلى
فَمن هَذِه حَالي وحالته معيأيحسن أَن أبْكِي على فَقده أم لَا
وعهدي بِهِ لَا أبعد الله عَهدهوأقلامه أَنى جرت نشرت عدلا
وتجري بِمَا تجْرِي الْمُلُوك من الندىبهَا فتزيل الجدب وَالْمحل والأزلا
لقد كَانَ لي أنس بِهِ وَهُوَ نازحكَأَن التنائي لم يفرق لنا شملا
وَقد زَالَ ذَاك الْأنس واعتضت بعدهدموعاً إِذا أنشأتها أنشأت الوبلا
فَلَا دمعي الهامي يجِف وَلَا الأسىيخف جواه إِن أقل لَهما مهلا
وَلَا حرقي تخبو وَإِن يطف وقدهابِمَاء دموعي صَار فِيهَا غضى جزلا
إِلَى الله أَشْكُو فقد صحب رزئتهموفقد ابْن فضل الله قد عدل الكلا
وَلم يتْرك الْمَوْت الَّذِي حم مِنْهُمحميماً وَلَا خلى الردى مِنْهُم خلا

)

وعمهم دَاعِي الْحمام فَأَسْرعُواجَمِيعًا وَألْفي قَوْلنَا فيهم إِلَّا
وَكم يرتجي الساري الونى عَن رفاقهإِذا ركبهمْ يَوْمًا بدارهم حلا
أيطمع من قد جَازَ معترك الردىبإبطائه عَمَّن تقدمه كلا
وَلَا سِيمَا من عَاهَدَ الدَّاء جِسْمهيعاوده بدءاً إِذا ظَنّه ولى
عزاءك محيي الدّين فِي الذَّاهِب الَّذِيقضى إِذْ قضى فرض المناقب والنقلا
فمثلك من يلقى الخطوب بكاهليقل الَّذِي تعيى الْجبَال بِهِ حملا
وَفِي الصَّبْر أجر أَنْت تعرف فَضلهوآثاره الْحسنى فَلَا تدع الفضلا
وَسلم لأمر الله وَارْضَ بِحكمِهِتحز مِنْهُ فضلا مَا بَرحت لَهُ أَهلا
وَلَا زَالَ صوب المزن وَالْعَفو دَائِمايؤمانه حَتَّى إِذا وصلا آنهلا

ورثاه الشَّيْخ عَلَاء الدّين عَليّ بن غَانِم أَنْشدني لنَفسِهِ إجَازَة

مَا كنت عَن حزني عَلَيْك بلاهيلما فقدتك يَا ابْن فضل الله
أَصبَحت ذَا جلد لفقدك واهنحزنا عَلَيْك وَذَا اصطبار واه
كم صنت سر الْملك مِنْك بهمةوَفِيه كِفَايَة مَا صانها إِلَّا هِيَ
وَلكم مُهِمّ مُشكل أمضيتهإِذْ أَنْت فِيهِ آمُر أَو ناه
من للْمصَالح والمهمات الَّتِيمَا كنت عَنْهَا سَاعَة بالساهي
كم حَاجَة حصلت بجاهك وَانْقَضَتوكريهة فرجتها لله
من ذَا يقوم مقَام فضلك فِي العلىمن سَائِر الأنظار والأشباه
مَا زلت عمرك محسناً حَتَّى انْتهىوَلكُل عمر فِي الزَّمَان تناه
كم قَائِل مَا زلت أَنْت ملاذهقد كنت عزي فِي الزَّمَان وجاهي
وَلكم سعيد مَاتَ بعْدك خاملاًبك كَانَ بفخر دَائِما ويباهي
مَا فَرد داهية برزئك قد دهتبل قد دهت لما فقدت دواهي
قسما لقد خمل الزَّمَان وَكَانَ لما كنت بِهِ هُوَ الزَّمَان الزاهي
لله در معارف قد حزتهامن ذَا يجاري فَضلهَا ويباهي
أنطقت أَفْوَاه الرفاق بمدحك العالي لفضل دَامَ مِنْك وفاهي
أسفي على مَا فَاتَ مِنْك وَأَنت لمتَبْرَح بقربي منعماً وتجاهي

)

أبكيك مَا بَقِي الْبكاء بكاء محزون على طول المدى أَواه
فسقت ضريحك رَحْمَة فياضةترويه بالأنواء والأمواه

وَلما طلب إِلَى مصر كتب إِلَيْهِ عَلَاء الدّين الوداعي وَمن خطه نقلت

وَافَقت رَبِّي من ثَلَاث بِأَنتبقى وترقى وتنال الْعلَا
وَقد رَأَتْ عَيْنَايَ أمنيتيوَالْحَمْد لله تَعَالَى على
والآن فِي مصر فَلَا بُد منأَن تخلف الْفَاضِل والأفضلا

وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا

لَئِن كَانَ أُصَلِّي من ذؤابة كِنْدَةأولي الحكم الغراء والمنطق الْفَصْل
فَمَا زلت طول الدَّهْر أشكر فَضلكُمْإِلَى أَن دَعونِي فِي الْفَضَائِل بِالْفَضْلِ

وَأما إنْشَاء القَاضِي شرف الدّين صَاحب هَذِه التَّرْجَمَة فَمن نثره كتاب بشرى بالنيل هُوَ

لَا زَالَت البشائر تستمتع بمحاورته وتغتبط بمجاورته وتود لَو اسْتَقر بذراه قَرَارهَا وَطَالَ مَعَه سرارها هَذِه الْجُمْلَة تبشره بِنِعْمَة عظمت مواهبها وعذبت مشاربها وانتشرت فِي البسيطة مذاهبها وروت الآمال الظماء وضاهت الأَرْض بهَا السَّمَاء وأغنت عَن منَّة الْغَمَام وعممت مصر بالهناء حَتَّى فاض إِلَى الشَّام وَهِي وَفَاء النّيل الَّذِي وفى وَفِي وفائه حَيَاة الْبِلَاد والعباد وشكر النِّعْمَة بِهِ مُتَعَيّن على الْحَاضِر والباد

وَمن إنشائه ورد كِتَابه فتمتع مِنْهُ بعرائس أبكار الأفكار وتملا مِنْهُ بنفائس من أنفاس الأزهار وَشَاهد كل سطر مِنْهُ أحسن من سطر وَكَانَ ناظره صَائِما عَن النّظر لبعده فَأوجب عَلَيْهِ عِنْد قدومه فطرا وردد فكره فِي بدائعه الرائقة الرائعة وَرَأى التشريف بإرساله من جملَة صنائعه المتتابعة ووقف عَلَيْهِ وسر بدنوه وإيابه وشكر الْأَيَّام الَّتِي خولته من اقترابه مَا لم تطمعه الأوهام فِي تمثيله وَلم يدر فِي حسابه وَالله تَعَالَى يقرن الْيمن بِهَذِهِ الْحَرَكَة ويجعلها مُشْتَمِلَة على السَّعَادَة مَخْصُوصَة بِالْبركَةِ

وَمِنْه نُسْخَة كتاب كتبه عَن نَائِب السلطنة بِالشَّام لما قدم الْمُبَارك الَّذِي ادّعى أَنه ابْن الْمُسْتَنْصر سَلام عَلَيْكُم طبتم فادخلوها خَالِدين

لِيَهنك النِّعْمَة المخضر جَانبهَامن بعد مَا اصفر فِي أرجائها العشب

ضاعف الله جلال الجناب الشريف العالي المولوي السيدي النَّبَوِيّ وَجعل قدومه كاسمه)

الْمُبَارك على الْإِسْلَام

وَاسم شققت لَهُ من اسْمك فاكتسىشرف الْعُلُوّ بِهِ وَفضل العنصر

وَأورد ركابه الأَرْض الشامية وُرُود الْغَمَام وَبَين أنوار الْخلَافَة على جبين مجده فَلَا تضام النواظر فِي رؤيتها وَلَا الأفرام وأضاء بِوُجُودِهِ بَيت الْإِمَامَة من يعود إِلَى عوائده الْحسنى فِي سالف الْأَيَّام وسخر لَهُ العزائم والشكائم وَجعل من شيمته السيوف والأقلام ورد الْكتاب الْكَرِيم تبدو البركات من صفحاته وتسري نسمات السعد من أنفاس كَلمه الطّيب ونفحاته وَكَانَ كالسحاب إِذا سح وابله وكالذكر الْمَحْفُوظ إِذا عَمت ميامنه الْإِسْلَام وفواضله وكالبدر وافته لوقت سعوده وَتمّ سناه اسْتَقَلت مَنَازِله فَتَلقاهُ حِين ألْقى إِلَيْهِ من سَمَاء الشّرف بالإعظام وَحل الواردون بِهِ من مَوَاطِن الْقبُول مَحل الْمَلَائِكَة الْوَحْي الْكِرَام وتلا على من قبله يَا بشراي هَذَا سيد وَلم يقل هَذَا غُلَام فَأَي قلب لم يسر بمقدمه وَأي طرف لم يستطلع أنوار مطلعه على الدُّنْيَا ومنجمه

من شعره يمدح الْملك الْمَنْصُور قلاوون الألفي

تهب الألوف وَلَا تهاب لَهُمألفا إِذا لاقيت فِي الصَّفّ
ألف وَألف فِي ندى ووغىفلأجل ذَا سموك بالألفي

وَمِنْه لما ختن الْملك النَّاصِر مُحَمَّد

لم يروع لَهُ الْخِتَان جنَانًاقد أصَاب الْحَدِيد مِنْهُ الحديدا
مِثْلَمَا تنقص المصابيح بالقطفتزداد فِي الضياء وقودا

وَمِنْه

كتبت والشوق يدنيني إِلَى أملمن اللِّقَاء ويقصيني عَن الدَّار
والشوق يضرم فِيمَا بَين ذَاك وَذَابَين الجوانح أَجزَاء من النَّار

وَمِنْه

فِي ذمَّة الله ذَاك الركب إِنَّهُمسَارُوا وَفِيهِمْ حَيَاة المغرم الدنف
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «حيث انتهيت من الهجران بي فقف»
فَإِن أعش بعدهمْ فَردا فيا عجبيوَإِن أمت هَكَذَا وجدا فيا أسفي

وَمِنْه تهنئة لفتح الدّين ابْن عبد الظَّاهِر ببنت

أمولاي فتح الدّين هنئ خدركمبقرة عين للصيانة وَالْمجد

)

ومتعتم فِيهَا بأيمن غرَّةمباركة فِي الصَّالِحَات من الْوَلَد
وصين بَين سعد حماكم وعشتمميامين فرسَان اليراعة وَالْحَمْد
وعوذتم من عين حَاسِد فَضلكُمْومجدكم فِي الدست يَوْمًا وَفِي المهد
فأولادكم إِمَّا بدور فَضِيلَةوَإِمَّا شموس هن أخبية السعد
فبورك فِيهَا طلعة فلربماأَفَادَ بني سعد فخاراً بَنو نهد

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْعين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.