من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْوَزير ابْن خاقَان
عبيد الله بن يحيى بن خاقَان الْأَمِير التركي الْبَغْدَادِيّ الْوَزير وزر للمتوكل وَمَا زَالَ عَلَيْهَا إِلَى أَن قتل المتَوَكل وَتُوفِّي عبيد اله سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمَا يتين وَجَرت لَهُ أُمُور فِي انخفاض وارتفاع ونفاه المستعين إِلَى برقة ثمَّ قدم بَغْدَاد ووزر للمعتمد وَكَانَ عبيد الله جواداً كَرِيمًا)
سمح الْأَخْلَاق ممدحاً وَلم يكن لَهُ من الصِّنَاعَة حَظّ وَإِنَّمَا أيد بأعوان كفاة وَكَانَ وَاسع الْحِيلَة حسن المداراة وَلم يزل جمَاعَة بعد قتل المتَوَكل يحرضون الْمُنْتَصر على قتلت عبيد الله ويعرفونه ميله إِلَى المعتز حَتَّى هم بذلك ثمَّ إِنَّه نَفَاهُ وأبعده إِلَى إقريطش
أَخذ يَوْمًا بلجام دَابَّته بعض النَّاس وَقَالَ لَهُ يَا زنديق فَقَالَ مَا أَنا بزنديق لِأَنِّي مَا عبدت إِلَّا الله فَقَالَ لَهُ يَا فَاسق فَقَالَ مَا أَنا بفاسق فَقَالَ لَهُ يَا كَذَّاب فَقَالَ صدقت نبلى بأنكاد مثلكُمْ يضطروننا إِلَى أَن نكذب لَهُم خل اللجام ثمَّ أَمر أَن لَا يتبعهُ أحد قَالَ أَبُو الشبل عصم بن وهب البرجمي حضرت مجْلِس عبيد الله وَكَانَ محسناً إِلَيّ فَجرى ذكر البرامكة وكرمهم فَقُمْت وَقلت
رَأَيْت عبيد الله أفضل سؤدداًوَأكْرم من فضل بن يحيى بن خَالِد
أُولَئِكَ جادوا وَالزَّمَان مساعدوَقد جاد ذَا والدهر غير مساعد
واعتل مرّة فَأمر المتَوَكل الْفَتْح أَن يعودهُ فَأَتَاهُ وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يسْأَل عَن علتك فَقَالَ عبيد الله
عليل من مكانينمن الأسقام وَالدّين
وَفِي هذَيْن لي شغلوحسبي شغل هذَيْن
فَأمر لَهُ المتَوَكل بِأَلف ألف دِرْهَم وَكَانَ المتَوَكل قد بَقِي شَهْرَيْن بِلَا وَزِير لما نكب مُحَمَّد بن الْفضل الجرجرائي وَقَالَ مللت عرض الْمَشَايِخ فَاطْلُبُوا خلي حَدثا من أَوْلَاد الْكتاب فَاخْتَارُوا لَهُ ثَلَاثَة إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولي وَمُحَمّد بن نجاح بن سَلمَة وَعبيد الله بن خاقَان فَأَما إِسْحَاق فَإِن أَبَاهُ اسْتغْفر لَهُ وَحلف لَهُ أَنه لَا يصلح لهَذَا الْأَمر وَكَانَ اكْتُبْ النَّاس وأذكاهم وأمات ابْن سَلمَة فَإِن المتَوَكل لما رَآهُ استثقله وَأما عبيد الله فأعجبه خطه وشكله وحلاوته وَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَكتب إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا وولاه الْعرض وَبَقِي سنة تؤرخ الْكتب باسم الْفَتْح بن خاقَان وباسم وصيف التركي ثن إِنَّه اخْتصَّ بالمتوكل وَطرح ذكر وصيف وورخت الْكتب باسميهما وَدخل فِيمَا بعد وَقد وزر للمعتمد بعد حُضُوره من الغرب
دخل إِلَى الميدان فِي دَاره يَوْم الْجُمُعَة لعشر خلون من ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ ومايتين ليضْرب بالصوالجة فصدمه خادمه رَشِيق فَسقط عَن دَابَّته وَحمل إِلَى منزله فَمَا نطق بِحرف حَتَّى مَاتَ بعد ثَلَاث سَاعَات وَالنَّاس فِي صَلَاة الْجُمُعَة وَقَالَ يحيى بن عبيد الله بن المنجم)
يرثي الْوَزير عبيد الله بن يحيى بن خاقَان
أَبَا حسن لَا تبعدن فقد مضىمن الأَرْض مَا إِن مضيت بهاؤها
وهى الْملك وانحلت عرى الدّين بعدهوأظلم من أَرض الْعرَاق ضياؤها
لقد فَارق الدُّنْيَا حميدا وألسن الْبرية مَصْرُوف إِلَيْهِ ثناؤها
يطيب نَفسِي أنني لست بَاقِياوَلست أرى نفسا يَدُوم بَقَاؤُهَا
عزاء أَمِير الْمُؤمنِينَ لنَفسك البقاء طَويلا والنفوس فداؤها
وَلَا تحبطن أجر الْمُصِيبَة إِنَّهعلى قدر أحزان النُّفُوس جزاؤها
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع