من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو الْفَتْح ابْن هيجون البلطي
عُثْمَان بن عِيسَى بن هيجون أَبُو الْفَتْح البلطي الأديب النَّحْوِيّ لَهُ شعر ومجاميع فِي الْأَدَب
وَكَانَ طَويلا ضخماً كثير اللِّحْيَة ويلبس عِمَامَة كَبِيرَة وثياباً كَثِيرَة فِي الْحر تصدر فِي الْجَامِع الْعَتِيق بِمصْر وروى وَتُوفِّي سنة تسع وَتِسْعين وَخمْس مائَة وبلط بلد قريبَة من الْموصل
وَكَانَ قد أَقَامَ بِدِمَشْق مُدَّة يتَرَدَّد إِلَى الزبداني للتعليم وَلما فتحت مصر انْتقل إِلَيْهَا وحظي بهَا ورتب لَهُ صَلَاح الدّين على جَامع مصر جَارِيا يقرئ بِهِ النَّحْو وَالْقُرْآن وَلما كَانَ
فِي آخر سني الغلاء بِمصْر توفّي وَبَقِي فِي بَيته ثَلَاثَة أَيَّام مَيتا لِأَنَّهُ كَانَ يحب الِانْفِرَاد وَالْخلْوَة وَكَانَ يتطلس وَلَا يُدِير الطيلسان على عُنُقه بل يُرْسِلهُ وَكَانَ إِذا دخل فصل الشتَاء اختفى وَلم يكد يظْهر وَكَانُوا يَقُولُونَ لَهُ أَنْت فِي الشتَاء من حشرات الأَرْض وَإِذا دخل الْحمام يدْخل وعَلى رَأسه مزدوجة مبطنة بِقطن فَإِذا صَار عِنْد الْحَوْض كشف رَأسه بِيَدِهِ الْوَاحِدَة وصب المَاء الْحَار الناضح بِيَدِهِ الْأُخْرَى على رَأسه ثن يغطيه إِلَى أَن يمْلَأ السطل ثمَّ يكشفه وَيصب عَلَيْهِ ثمَّ يغطيه يفعل ذَلِك مرَارًا وَيَقُول أَخَاف من الْهَوَاء وَكَانَ إِمَامًا نحوياً مؤرخاً شَاعِرًا وَله الْعرض الْكَبِير نَحْو ثَلَاث مائَة ورقة وَكتاب الْعرُوض الصَّغِير وَكتاب العظات والموقظات وَكتاب النبر فِي الْعَرَبيَّة وَكتاب أَخْبَار المتنبي وَكتاب المستزاد على المستجاد من فعلات الأجواد وَكتاب علم أشكال الْخط وَكتاب التَّصْحِيف والتحريف وَكتاب تَعْلِيل الْعِبَادَات
وَحضر يَوْمًا عِنْد البلطي بعض المطربين فغناه صَوتا أطربه فَبكى البلطي وَبكى المطرب فَقَالَ البلطي أما أَنا فَإِنِّي طربت فَأَنت علام تبْكي فَقَالَ تذكرت وَالِدي فَإِنَّهُ كَانَ إِذا سمع هَذَا الصَّوْت بَكَى فَقَالَ البلطي فَأَنت إِذا وَالله ابْن أخي وَخرج فَأشْهد على نَفسه جمَاعَة من عدُول)
مصر بِأَنَّهُ ابْن أَخِيه وَلَا وَارِث لَهُ سواهُ وَلم يزل ذَلِك المطرب يعرف بِابْن أخي البلطي وَكَانَ البلطي مَاجِنًا خليعاً خميراً منهمكاً على الشَّرَاب وَاللَّذَّات
وَمن شعره
دَعوه على ضعْفي يجور ويشتطفَمَا بيَدي حل لذاك وَلَا ربط
وَلَا تعتبوه فالعتاب يزِيدهُملالاً وَأَنِّي لي اصطبار إِذا يَسْطُو
تنازعت الآرام والدر والمهىلَهُ شبها والغصن والبدر والسقط
فللريم مِنْهُ اللحظ واللون والطلىوللدر مِنْهُ اللَّفْظ واللحظ والخط
وللغصن مِنْهُ الْقد والبدر وَجههوَعين المهى عين بهَا أبدا يَسْطُو
وللسقط مِنْهُ ردفه فَإِذا مَشىبدا خَلفه كالموج يَعْلُو وينحط
وَمِنْه على نمط قَول الحريري فِي مقاماته
محملة الْعَاقِل عَن ذِي الْخَنَاتوقظه إِن كَانَ فِي محلمه
مكلمة الخابط فِي جَهلهلقلب من يردعه مكلمه
مهدمة الْعُمر لحر إِذاأصبح بَين النَّاس ذَا مهدمه
مُحرمَة الْمُلْحِف أولى بِهِإياك أَن ترعى لَهُ محرمه
مسلمة يمْنَعهَا غَاصِبحَقًا فأمسى جوره مسلمه
مظْلمَة يَفْعَلهَا ظَالِماتلقيه يَوْم الْحَشْر فِي مظلمه
من دَمه أهدره الْحبّلَا غرو إِذا حلت بِهِ مندمه
أسلمه الْحبّ إِلَى هلكهفَإِن نجا مِنْهُ فَمَا أسلمه
أشأمه الْبَين وَقد أعرقوافيا لهَذَا الْبَين مَا أشأمه
مكتمة الأحزان فِي أدمعييَبْدُو نصول الشيب من مكتمه
مُحرمَة الدَّهْر رفيقي فَفِيذرى جمال الدّين لي محرمه
مقسمة الأرزاق فِي كَفهأَبْلَج زانت وَجهه مقسمه
قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الأدباء وَهِي خَمْسُونَ بَيْتا من هَذَا الأنموذج قلت لست هَذِه الأبيات من نمط قَول الحريري الْمَشْهُور فِي مقاماته بل هَذِه من بَاب الجناس التَّام وَهُوَ مَا اتّفق لَفظه وَاخْتلف مَعْنَاهُ لِأَن الحريري يَأْتِي الأول بلفظتين إِمَّا مستقلتين وَإِمَّا الثَّانِيَة بعض كلمة أُخْرَى)
ثمَّ يَأْتِي فِي الآخر بِكَلِمَة وَاحِدَة تشبه تينك اللفظتين الْأَوليين وَهُوَ ظَاهر وَمَا كَأَن البلطي ذاق قَول الحريري وَمَا أَتَى فِي قَوْله مَا يشبه قَول الحريري إِلَّا قَوْله من دَمه ومندمه لَا غير وَأورد لَهُ ياقوت أَيْضا نمط قَول الحريري فِي مقاماته آس أرملاً إِذا عرا وَهِي أَبْيَات يقْرَأ كل بَيت مِنْهَا مقلوباً
اسع لَا بَقَاء سناإنسأ قباً لعسا
اسخ بمولى درعردعاء لوم بخسا
اسد ندا عف نمامن فَعَاد ندسا
إسمح بصد ناعممعاند صبح مسا
قلت بَينهَا وَبَين أَبْيَات الحريري بون عَظِيم
وَأورد لَهُ أبياتاً تزيد على الْعشْرين كل قافية مِنْهَا يجوز فِيهَا الرّفْع وَالنّصب والجر وَمِنْهَا
إِنِّي امْرُؤ لَا يطبينيالشادن الْحسن القوام
رفع القوام بالْحسنِ صفة مشبهة باسم الْفَاعِل ونصبه على الشّبَه بالمفعول بِهِ وجره بِالْإِضَافَة
فَارَقت شرة عيشتيإِذْ فارقتني والغرام
رَفعه عطفا على الضَّمِير فِي فارقتني ونصبه عطفا على شَره وجره على عيشتي
لَا أستلذ بقينة تشدولدي وَلَا غُلَام
رَفعه عطفا على الضَّمِير فِي تشدو ونصبه على أَنه اسْم لَا وجره عطفا على قينة
وَقد أوردهَا ياقوت فِي المعجم جَمْعَاء
ومدح القَاضِي الْفَاضِل بموشحة وَهِي
ويلاه من راوغبجوره يقْضِي
ظَبْي بني يزْدَادمِنْهُ الجفا حظي
قد زَاد وسواسيمذ زَاد فِي التيه
لم يلق فِي النَّاسمَا أَنا لاقيه
من قيم قاسيبالهجو يغريه
أروم إيناسيبِهِ ويثنيه
)
إِذا وصال سَاغَبِقُرْبِهِ يُرْضِي
لأبعده الْأُسْتَاذلَا خيط بِالْحِفْظِ
وكل ذَا الوجدبطول إبراقه
مضرج الخدمن دم عشاقه
مصَارِع الْأسدفِي لحظ أحداقه
لَو كَانَ ذَا دَاوُدرق لعشاقه
شَيْطَانه النزاغعلمه بغضي
واستحوذ استحواذبِقَلْبِه الْفظ
دع ذكره وَاذْكُرخُلَاصَة الْمجد
الْفَاضِل الْأَشْهربِالْعلمِ والزهد
والطاهر المئزروالصادق الْوَعْد
وَكَيف لَا أشكرمولى لَهُ عِنْدِي
نعمى لَهَا إسباغصائنة عرضي
من كف كاس غاذوالدهر ذُو عظ
منَّة مستبقضَاقَ بهَا ذرعي
قد أفحمت نطقيواستنفدت وسعي
وملكت رقيلمكمل الصنع
دَافع عَن رِزْقِيفِي موطن الدّفع
لما سقى ايتاغدهري فِي دحض
أنقذني إنقاذمن همه حفظي
ذُو الْمنطق الصائبفِي حومه الْفَصْل
ذكاؤه الثاقبيجل عَن مثل
فَهُوَ الْفَتى الْغَالِبكل ذَوي النبل
من عَمْرو والصاحبوَمن أَبُو الْفضل
لَا يَسْتَوِي الأفراغبِوَاحِد الأَرْض
)
أَيْن من الآزاذنفاية المظ
يَا أَيهَا الصَّدْرفت الورى وَصفا
قد مسني الضّروَالْحَال مَا تخفى
وَعَبْدك الدَّهْريسومني خسفا
وَلَيْسَ لي عذرمَا دمت لي كهفا
من صرف دهر طاغأَنى لَهُ أغضي
من يَك أَمْسَى عاذلم يخْش من بهظ
وَقَالَ أبياتاً حصر قوافيها وَمنع أَن يُزَاد فِيهَا وَهِي
بِأبي من تهتكي فِيهِ صونرب واف لغادر خون
بَين ذل الْمُحب فِي طَاعَة الحب وَعز الحبيب يَا قوم بون
أَيْن مضنى يَحْكِي البهارة لوناًمن غرير لَهُ من الْورْد لون
لي حبيب ساجي اللواحظ أحوىمترف زانه جمال وصون
يلبس الوشي وَالْقَبَاطِي جونفَوق جون ولون حَالي جون
إِن رماني دهري فَإِن جمالالدّين ركني وجوده لي عون
عِنْده للمسيء صفح وللأسرار مستودع وللمال هون
زانه نائل وحلم وَعدلووفاء جم ورفق وأون
أَنا فِي ربعَة الخصيب مُقيملي من جوده لِبَاس ومون
لَا أَزَال الْإِلَه عَنهُ نعيماًوسروراً مَا دَامَ لِلْخلقِ كَون
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع