من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
نُصيب الْأَصْغَر
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن نصيب الأصغر؟
نصيب الْأَصْغَر مولى الْمهْدي كَانَ قد نَشأ بِالْيَمَامَةِ فَاشْتَرَاهُ
الْمهْدي فَلَمَّا سمع شعره قَالَ واله مَا هُوَ بِدُونِ نصيب بني مروانَ وَأعْتقهُ وزوجه أمة وكنّاه أَبَا الحجناء وأقطعه ضَيعة بِالسَّوَادِ وعُمِّر بعده ومدح هارونَ الرشيد بقوله
أللبَينِ يَا ليلى جِمالُكَ تَرحَللِيقطعَ منا البينُ مَا كَانَ يوصَلُ
تُعلِّلُنا بالوعدِ ثُمتَ تلتويبموعدها حَتَّى يموتَ المُعَلِّل
فَلَا الْحَبل من ليلى يؤاتيك وصلُهوَلَا أَنْت تنهَى القلبَ عَنْهَا فيذهَل
خليلي إِنِّي مَا يزَال يشوقنيقَطينُ الحِمَى والظاعنُ المتحمِّل
فأقسمتُ لَا أَنسى لياليَ مَنعِجٍوَلَا مأسلٍ إِذْ منزل الْحَيّ مأسِل
أَمن أجلِ آياتٍ ورسمٍ كَأَنَّهُبَقِيَّة وحيٍ أَو كتابٌ مفصَّل
فيا أَيهَا الزنْجِي مَالك والصَّبَىأفِق عَن طلاب الْبيض إِن كنت تعقِل
فمثلك من أُحبوشة الزنج قطعَترسائلُ أسبابٍ بهَا يتَوَصَّل
قصدنا أَمِير الْمُؤمنِينَ ودونَهمهامهُ مَوماةٍ من الأَرْض مَجهَل
على أرحَبياتٍ طوى السرّ فانطوتشمائلها مِمَّا تُحلّ وتَرحَل
)
إِذا انبلجَ البابانِ والسِّتر دونهبدا مِثْلَمَا يَبْدُو الْأَغَر المحجَّل
شريكان فِينَا مِنْهُ عينٌ بصيرةٌكَلوءٌ وقلبٌ حَافظ لَيْسَ يغفُل
فَمَا فَاتَ عَيْنَيْهِ رَعاهُ بِقَلْبِهوَآخر مَا يرْعَى سواءٌ وَأول
وَمَا نازَعت فِينَا أمورك هَفوةٌوَلَا خَطَلٌ فِي الرَّأْي والرأي يخطَل
لَئِن نَالَ عبد الله قبلُ خلَافَةلأنتَ من الْعَهْد الَّذِي نِلتَ أفضَل
إِذا اشتبهت أعقابُه بينَت لَهُمعارفُ فِي أعجازه وَهُوَ مُقبلُ
وَمَا زادك المُلك الَّذِي نلتَ بَسطةًوَلَكِن بتقوى اللهِ أَنْت مُسَربل
ورثتَ رَسُول الله عُضواً ومفصِلاوَذَا من رسولِ الله عُضو ومفصل
على ثقةٍ منا تَحِنُّ قلوبُناإِلَيْك كَمَا كُنَّا أَبَاك نُؤمِّل
إِذا مَا رهِبنا من زمانٍ مُلِمةًفَلَيْسَ لنا إِلَّا عَلَيْك مُعوَّل
وَوجه الْمهْدي نَصِيبا إِلَى الْيَمين فِي شِرَاء إبلٍ مهرِيَّة وَوجه مَعَه رجلا من الشِّيعَة وَكتب مَعَه إِلَى عَامله بِالْيمن بِعشْرين ألف دِينَار فَمد نصيب يَده فِي الدَّنَانِير يُنفقها وويشرب بهَا ويتزوج الجواريَ فَكتب الشيعيُّ يُخبرهُ إِلَى الْمهْدي فَأمره بِحمْلِهِ موثقًا فِي الْحَدِيد فَلَمَّا دخل على الْمهْدي أنْشدهُ
تأوّبني ثِقل من الهَم مُوجَعُفأرق عَيْني والخَلِيُّون هُجَّعُ
همومي توالَت لَو أطاف يسيرُهابسَلمَى لظلت صُمِّها تتصدع
وَلكنهَا نِيطَتْ فناءَ بحملهاجهيرُ المنايا حائن النَّفس مَجزَع
وعادت بِلَاد الله ظلماءَ حِندساًفخِلتُ دُجى ظلمائها لَا تَقشَع
مِنْهَا
إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم أجدسِواك مُجيراً يُدني ويَمنَعُ
تلمستُ هَل من شَافِع لي فَلم أجدسوى رحمةٍ أعطاكها الله تشفَع
لَئِن جلّتِ الأجرام منّي وأفظعَتلَعَفوُك من جُرمي أجلُّ وأوسع
لَئِن لم تَسَعني يَا ابْن عَم محمدٍفَمَا عجزَت مني وسائلُ أَربع
طُبِعتَ عَلَيْهَا صِبغةً ثمَّ لم تزلعلى صَالح الْأَخْلَاق وَالدّين تُطبَع
تَغابيك عَن ذِي الذَّنب ترجو صلاحَهوَأَنت ترى مَا كَانَ يَأْتِي ويَصنع
)
وعفوك عمَّن لَو تكون جَزيتَهلطارت بِهِ فِي الجو نكباءُ زَعزع
وإنَّك لَا تنفك تُنعِش عاثراًوَلم تعترضه حِين يكبو ويخمَع
وحلمك عَن ذِي الْجَهْل من بعدِ مَا جرىبِهِ عَنَقٌ من طائش الْجَهْل أشنع
ففيهنّ لي إِمَّا شفَعن منافعٌوَفِي الْأَرْبَع الأُولى إلَيْهِنَّ أفزع
مُناصحتي بِالْفِعْلِ إِن كنتَ نَائِباإِذا كَانَ دانٍ مِنْك بالْقَوْل يخدَع
وثانيةٌ ظَنِّي بك الْخَيْر عَادَةوَإِن قلتَ عبدٌ ظاهرُ الغِشّ مُشبَع
وثالثة إِنِّي على مَا هوِيتَهوَإِن كثَّر الأداءُ فيَّ وشنّعوا
ورابعة إِنِّي إِلَيْك يسوقنيولائي تولاك الَّذِي لَا يُضيَّع
وَإِنِّي لمولاك الَّذِي إِن حَفِيتَه أَتَى مستكينا خاضعا يتضرّع فَقطع عَلَيْهِ الْمهْدي الإنشاد ثمَّ قَالَ لَهُ وَمن أعتقك يَا ابْن السَّوْدَاء فَأَوْمأ بِيَدِهِ إِلَى الْهَادِي وَقَالَ الْأَمِير يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الْمهْدي لمُوسَى أأعتقتَه يَا بني قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأمْضى الْمهْدي ذَلِك وَأمر بحديده فَفُكّ عَنهُ وخلع عَلَيْهِ عدَّة من الْخلْع الْخَزّ والوَشي والسواد وَالْبَيَاض وَوَصله بألفيّ دينارٍ وَأمر لَهُ بِجَارِيَة يُقَال لَهَا جعفرة جميلَة فائقة من روُقة الرَّقِيق فَقَالَ لَهُ سالمٌ قيم دَار الرَّقِيق لَهَا أدفعها إِلَيْك أَو تُعطيني ألف درهمٍ فَقَالَ قصيدته
أأذنَ الحيّ فانصاعوا بتَرحالِفهاج بَينهم شوقي وبلبالي
وَقَامَ بهَا بَين يَدي الْمهْدي فَلَمَّا قَالَ
مَا زلتَ تبذلُ لي الأموالَ مُجْتَهداحَتَّى لأصبحتُ ذَا أهلٍ وَذَا مَال
زوجتَني يَا ابْن خيرِ النَّاس جَارِيَةمَا كَانَ أمثالُها يهدى لأمثالي
زوجتَني بَضَّةً بيضاءَ ناعمةًكَأَنَّهَا درّةٌ فِي كف لالِ
حَتَّى توهمتُ أَن اللهَ عجلهايَا ابْن الخلائف لي من خير أَعمال
فَسَأَلَنِي سالمٌ ألفا فقلتُ لَهُأَنى لِيَ الألفُ يَا قبِّحتَ مِن سَالَ
هَيْهَات ألفك إِلَّا أَن أجيء بهَامن فضل مولى لطيفِ المنّ مفضال
فَأمر لَهُ الْمهْدي بِأَلف دِينَار ولسالمٍ بِأَلف دِرْهَم ومرّ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع