من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَمِير الْمَدِينَة الأُموي
الْوَلِيد بن عُتبةَ بن أبي سُفْيَان الأُموي ولاه عمّه مُعَاوِيَة الْمَدِينَة وَكَانَ جواداً حَلِيمًا فِيهِ خيرٌ ودينٌ وَأَرَادَ أهل الشَّام على الْخلَافَة فطُعِن فَمَاتَ قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين وَلم يصحَّ أَنه قُدّم للصَّلَاة على مُعَاوِيَة فَأَصَابَهُ الطَّاعُون فِي صلَاته فَمَاتَ وَتُوفِّي الْوَلِيد بالطاعون سنة أَربع وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ
(الْأمَوِي)
الْوَلِيد بن عُقبة بن أبي أبانَ مُعيَط أبانَ بن ذكْوَان بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منافٍ هُوَ أَخُو عُثْمَان بن عَفَّان لأمه وأمهما أروى بنت كُريز بن ربيعَة بن حبيب وكناية الْوَلِيد أَبُو وهبٍ أسلم يَوْم الْفَتْح هُوَ وَأَخُوهُ خَالِد بن عقبةَ قَالَ ابْن عبد البرّ وَأَظنهُ يَوْمئِذٍ كَانَ قد ناهز الِاحْتِلَام وَلما افْتتح رَسُول الله مَكَّة جعل أهلُها يأْتونَ بصبيانهم فيمسَح على رؤوسهم وَيَدْعُو لَهُم بِالْبركَةِ قَالَ فأُتي بِي إِلَيْهِ وَأَنا مضمَّخ بالخلوق فَلم يمسَح على رَأْسِي وَلم يمْنَع من ذَلِك قَالَ ابْن عبد البرّ وَهُوَ حَدِيث مُنكَرٌ مُضطرِبٌ لَا يصحّ وَلَا يُمكن أَن يكون من بُعث مصدِّقاً فِي زمن النَّبِي ﷺ صَبيا يَوْم الْفَتْح وَمن كَانَ غُلَاما مخلقاً لَيْسَ يَجِيء مِنْهُ مِثل هَذَا وَلَا خلافَ بَين أهل الْعلم بِتَأْوِيل الْقُرْآن أَن قَوْله ﷿ إِن جَاءَكُم فاسقٌ بنبإٍ أَنَّهَا نَزَلَت فِي الْوَلِيد بن عُقبة وَذَلِكَ أَن رَسُول الله ﷺ بَعثه إِلَى بني المصطلق مُصدقا فَأخْبر عَنْهُم أَنهم ارتدّوا وأبّوا ن أَدَاء الصَّدَقَة وَذَلِكَ أَنهم خَرجُوا إِلَيْهِ فهابهم وَلم يعرف مَا عِنْدهم فَانْصَرف عَنْهُم وَأخْبر بِمَا ذكر فَبعث إِلَيْهِم رَسُول الله ﷺ خَالِد بن الْوَلِيد وَأمره أَن يتثبت فيهم فأخبروه أَنهم مُستَمسِكون بِالْإِسْلَامِ وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ نَزَلَت فِي عَليّ بن أبي طَالب والوليد بن عُقبَة أَفَمَن كَانَ مُؤمنا كمَن كَانَ فَاسِقًا لَا يستَوُون ثمَّ ولاه عُثْمَان الْكُوفَة وعزل عَنْهَا سعد بن أبي وَقاص فَلَمَّا قدِم عَلَى سعدٍ قَالَ لَهُ وَالله مَا أَدْرِي أكسبتَ بَعدنَا أم حمِقنا بعْدك قَالَ لَا تجزَعَنَّ أَبَا إِسْحَاق فَإِنَّمَا هُوَ المُلكُ يتغداه قومٌ ويتعشاه آخَرُونَ فَقَالَ سعدٌ أَرَاكُم وَالله ستجعلونها ملكا وَأَتَاهُ ابْن مَسْعُود فَقَالَ لَهُ مَا جَاءَ بك قَالَ)
جئتُ أَمِيرا فَقَالَ مَا أَدْرِي أصلحتَ بَعدنا أم فَسَدَ النَّاس وَله أَخْبَار فِيهَا نَكَارَة وشناعة تقطع بِسوء حَاله وقبح أَفعاله غفر اللهلنا وَله فقد كَانَ من رجال قُرَيْش ظرفا وحلماً وشجاعة وأدبا
وَكَانَ من الشُّعَرَاء المطبوعين وَكَانَ الْأَصْمَعِي وَأَبُو عبيد وَابْن الْكَلْبِيّ وَغَيرهم يَقُولُونَ كَانَ الْوَلِيد بن عقبَة فَاسِقًا شريبَ خمرٍ وَكَانَ شَاعِرًا كَرِيمًا وَقَالَ ابْن عبد البرَ أخباره فِي شربه الْخمر ومنادمته أَبَا زُبيد الطَّائِي كثيرةٌ مَشْهُورَة عَن ابْن شَوذب قَالَ صلّى الْوَلِيد بِالْكُوفَةِ صَلَاة الصُّبْح أَربع ركعاتٍ ثمَّ الْتفت إِلَيْهِم فَقَالَ أَزِيدكُم فَقَالَ عبد الله ابْن مَسْعُود مَا زلنا مَعَك فِي زِيَادَة مذ الْيَوْم وَقَالَ الحُطَيئة
شهد الحطيئة يَوْم يلقى ربَّهأَن الْوَلِيد أحقّ بالغَدرِ
نَادَى وَقد تمَّت صلواتهمأأزيدكم سُكراً وَمَا يَدري
فأبَوا أَبَا وهبٍ وَلَو أذِنوالقرنتَ بَين الشفع وَالْوتر
كفّوا عِنانك إِذْ جَريتَ وَلَوتركُوا عنانك لم تزل تجْرِي
وَقَالَ أَيْضا
تكلم فِي الصَّلَاة وَزَاد فِيهَاعَلَانيَة وجاهر بالنِّفاقِ
ومجّ الْخمر فِي سَنَن المُصلّىونادى والجميع إِلَى افْتِرَاق
أَزِيدكُم على أَن تحمدونيفَمَا لكم ولالي من خَلاق
وعزله عُثْمَان ﵃ أَجْمَعِينَ وولّى سعيد بن الْعَاصِ فَقَالَ بعض شعرائهم
فررتَ من الْوَلِيد إِلَى سعيدكَأَهل الحجز إِذْ جزعوا فباروا
بُلينا من قُرَيْش كلّ عامٍأميرٌ محدّثٌ أَو مستشار
لنا نارٌ نؤجّجها فنخشَىوَلَيْسَ لَهُم فَلَا يَخشون نَار
وَقَالَ الطَّبَرِيّ نعصّب على الْوَلِيد قومٌ من الْكُوفَة بَغياً وحسداً وشهدوا عَلَيْهِ زُوراً أَنه تقيأ وَذكر الْقِصَّة وفيهَا أَن عُثْمَان قَالَ لَهُ يَا أخي اصبِر بأجرك ويبوءُ الْقَوْم بإثمك قَالَ ابْن عبد البرّ وَهَذَا الْخَبَر من نقل أهل الْأَخْبَار وَلَا يصِحّ عِنْد أهل الحَدِيث وَلَا لَهُ عِنْد أهل الْعلم أصلٌ وَالصَّحِيح عِنْدهم فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ عبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة عَن عبد الله الداناج عَن حُصَيْن بن الْمُنْذر أبي ساسان أَنه ركب إِلَى عُثْمَان فَأخْبرهُ بِقصَّة الْوَلِيد وَقدم على عُثْمَان رجلَانِ فشهدا عَلَيْهِ بِشرب الْخمر وَأَنه صلى الْغَدَاة بِالْكُوفَةِ أَرْبعا ثمَّ قَالَ أَزِيدكُم فَقَالَ)
أَحدهمَا رأيتُه يشْربهَا وَقَالَ الآخر رَأَيْته يتقيأها فَقَالَ عُثْمَان إِنَّه لم يتقيّأها حَتَّى شربهَا وَقَالَ لعليٍّ أقِم عَلَيْهِ الحدَّ فَقَالَ عليّ لِابْنِ أَخِيه عبد الله بن جَعْفَر أقِم عَلَيْهِ الحدّ فَأخذ السَّوْط وَجلده وَعُثْمَان يعُد حَتَّى بلغ أَرْبَعِينَ فَقَالَ عَليّ أمسِك جَلَدَ رَسُول الله ﷺ فِي الْخمر أَرْبَعِينَ وجلَدَ أَبُو بكرٍ أَرْبَعِينَ وَجلد عمرُ ثَمَانِينَ وكلٌّ سُنّةٌ وَقيل كَانَ سَوطٌ لَهُ طرفان
وَقيل إِنَّه لما جُلِد قَالَ لعليّ نشدتُك بِاللَّه وبالقرابة فَقَالَ عَليّ اسْكُتْ أَبَا وَهبٍ فَإِنَّمَا هَلَكت بَنو إِسْرَائِيل بتعطيلهم الحدودَ وَسكن الْوَلِيد الْمَدِينَة وَنزل الْكُوفَة وَبنى بهَا دَارا وَلما قُتِل عُثْمَان نزل الْبَصْرَة ثمَّ خرج إِلَى الْكُوفَة ونزلها وَاعْتَزل عليّاً وَمُعَاوِيَة وَمَات بالرقّة فِي خِلَافه عليٍّ وَكَانَ مُعَاوِيَة لَا يرضاه وَهُوَ الَّذِي حرّضه على قتال عليّ وَهُوَ الْقَائِل لمعاوية
فو اللهِ مَا هندٌ بأمك إِن مضىالنَّهار وَلم يثأر بعثمان ثائرُ
أيقتل عبدُ الْقَوْم سيّدَ أَهلهوَلم يقتلوه ليتَ أمَّك عَاقِر
وأنى مَتى تقتلهم لَا يفيدهممفيدٌ وَقد دارت عَلَيْك الدَّوَائِر
وَهُوَ الْقَائِل
أَلا مَن لليلٍ لَا تغور كواكبُهإِذا لَاحَ نجمٌ غَار نجمٌ يراقِبُه
بني هَاشم رُدّوا سلَاح ابْن أختكموَلَا تَنهَبوه مَا تَحل مناهِبُه
بني هاشمٍ لَا تعجلونا فَإِنَّهُسواءٌ علينا قَاتلُوهُ وسالبُه
وَإِنَّا وَإِيَّاكُم وَمَا كَانَ بَيْننَاكصَدعٍ بدا لَا يرأبُ الصَّدعَ شاعبُه
بني هاشمٍ كَيفَ التعاقدُ بَيْننَاوَعند عليٍّ سيفُهُ وحرائبُه
لعَمرُك لَا أنسى ابْن أروَى وقتلَهوَهل ينسأنَّ الماءُ مَا عَاشَ شاربُه
هم قَتَلُوهُ كي يَكُونُوا مكانَهُكَمَا غدرت يَوْمًا بكِسرَى مرازِبُه
فَأَجَابَهُ الْفضل بن الْعَبَّاس بن عتبَة بن أبي لهبٍ
فَلَا تسألونا بالسِّلاح فإنَّهُأُضِيعَ وألقاه لَدَى الرَّوع صاحبُه
وشبَهتَه كسْرَى وَقد كَانَ مثلَهُسبيهَا بكسرى هَديُه وضرائبُه
وَإِنِّي لمجتابٌ إِلَيْكُم بجحفَلٍيُصِمّ السميعَ جرسُه وجلائُبه
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع