من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عمر بن مظفر
ابن عمر بن محمد بن أبي الفوارس، الشيخ الإمام الفقيه النحوي الأديب الشاعر الناثر زين الدين أبو حفص بن الوردي المعري الشافعي.
أحد فضلاء العصر وفقهائه وأدبائه وشعرائه. تفنن في علومه، وأجاد في منثوره ومنظومه. شعره أسحر من عيون الغيد، وأبهى من الوجنات ذات التوريد. قام بفن التورية فجاءت معه قاعدة، وخطها في الطروس وهي فوق النجوم صاعدة، يطرب
اللبيب لسماعها ولا طرب الصوفي للشبابه، ويعجب الأديب لانطباعها ولا عجب الغواني بما التحف شبابه، ويرغب الأريب لارتجاعها ولا رغبة الروض الذي صوح في صوب السحابة. ويدأب النجيب في اقتطاعها ولا دأب المحب في التمسك بأذيال محبوبه السحابة:
لفظ كأن معاني السكر تسكنهفمن تحفظ بيتاً منه لم يفق
كأنه الروض يبدي منظراً عجباًوإن غدا وهو مبذول على الطرق
وفقهه للطالب روضه، وللأصحاب الفتاوى قد شرع حوضه. نظم الحاوي وزاده مسائل، وجعله بعد وحشة الأذهان منه خمائل، وعربيته تلافيها ما أنس غريبها بتلافيها وقربها إلى التعقل بعد تجانفها وتجافيها، وسهل عويصها فلو سمعته الأعرابية ما قالت: " يا أبت أدرك فاهاً غلبني فوها لا طاقة لي بفيها "، إلا أنه مع هذه القدرة وهذا التمكن من فن الأدب، وكونه إذا تصدى للنظم تنسل إليه المعاني من كل حدب، لا يسلم من الإغارة على من سواه، واغتصاب ما سبقته إليه غيره وما حواه، ولا يعف عما هو لمن تقدمه أو عاصر أو استسلم له أو حاصره. وبهذه الخلة نقص، ولولاها صفق له الزمان ورقص.
ولم يزل في حلب يتولى القضاء في تلك النواحي، وتبكي الغمائم لفراقه وتبتسم لقدومه ثغور الأقاحي، إلى أن ترك الولايات ورفضها، وعاد على أحكامها ونقضها، وأرصد نفسه للإفادة، وتلفع برداء الزهادة، واختص بسيادة العلم وهي
السيادة. وتخرج به جماعة وتنبهوا، وحاكوا طريقه وتشبهوا، إلى أن افترس الوردي ورد المنية، وأصبح في حفرة القبر من وراء الثنية.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون حلب.
وتوفي أخوه القاضي جمال الدين يوسف قبله بقليل.
وكان الشيخ زين الدين رحمه الله تعالى قد رأى عجائب الطاعون في حلب، فعمل فيه رسالة أنشأها وأبدعها وسماها: النبا في الوبا، ولكنه ختم به الوبا، وفجع الناس فيه.
وقلت أنا فيه لما بلغتني وفاته:
لئن ذوى الوردي في هذه ال؟دنيا لقد أينع في الخلد
إنما أوحش ربع النهىوالفضل في نقص وفي رد
والعلم روض ماله رونقلأنه خال من الوردي
وكنت قد كتبت إليه من دمشق في جمادى الآخرة سنة أربعين وسبع مئة:
سلام على الحضرة العاليةسلام امرئ نفسه عانيه
لأن لها رتبة في العلاذوائبها في السما ساميه
ويؤنس من غدا يجتنيقطوف مسراتها دانيه
أيا عمر الوقت أنت الذيكراماته في الورى ساريه
ويا بحر علم طمى لجهفكم جاءنا عنه من راويه
ويا بحر علم طمى لجهفكم جاءنا عنه من راويه
ويا فاضلاً أصبحت روضة ال؟علوم بتحقيقه زاهيه
لك الخط كم فيه من نقطةلها الحظ بالقلب في زاويه
تقدمت في النظم من قد مضىلأنك في الذروة العاليه
ورخصت أسعار أشعارهمكأن مدادك من غاليه
وكم من قصيد إذا حكتهاتكون القلوب لها قافيه
ونظمت في مذهب الشافعيكتاباً غدا حاوياً حاويه
وزدت مسائله جملةبتحقيق مذهبه وافيه
فما لك من مشبه في الورىويا حسن ما ههنا نافيه
لئن كنت أرسلت هذا القريضفللبحر قد سقته ساقيه
وإلا فأهديت نحو الرياض وقد أينعت زهرة ذاويه
وسترك إن لم أكن حاضراًيغطي مساوئه الباديه
فلا زلت في نعمة وفرهاتساق له جملة باقيه
يقبل الأرض ويسأل الله أن يمن عليه بجمع شمله، ويقرب اللقاء، فإن التمني قد أطال المدة في وضع حمله، وأن يريه ذلك الشخص الذي يروق البدور السيارة، ويروع الأسود الزأارة، وأن يرزقه اجتلاء ذلك الروض الذي نجني بسمعه أزهاره التي تسلب النظارة بالنضارة، وأن يورده على ظمئه البرح تلك الفضائل التي أبحرها زخاره، وأمواجها هدارة، وأن ينزله المحل الذي يخرج منه ومعه بكارة المعاني التي تبرز منها بكارة بعد كاره، وأن يمتع طرفه بذلك البدر الذي يأخذ الناس من فوائده الكواكب السيارة، وأن يطلع عليه شمس فوائده التي تشرق من الطلبة في الهالة والدارة:
لعل الله يجعله اجتماعاًيعين على الإقامة في ذراكا
وينهي أنه لما كان في الديار المصرية حضر من حلب المحروسة المولى شمس الدين محمد بن علي بن أيبك السروجي، وأنشد المملوك تضمين أعجاز ملحة الإعراب لمولانا أدام الله فوائده فأخذ من المملوك بجامع قلبه، ودخل على لبه بهمزة سلبه، وعلم به القدرة على التصرف في الكلام، وتحقق أن نظم غيره إذا سمع قوبل بالملال والملام. وقال في ذلك الوقت عندما حصل له في كلام مولانا المقة وفي كلام غيره المقت:
يا سائلاً عمن غدا فضلهمشتهراً في القرب والبعد
الناس زهر في الثرى نابتوما ترى أذكى من الوردي
وكان المملوك قد علقها، وأدخلها أبواب حاصله وأغلقها، فاغتالتها أيدي الضياع، وعدم أنس حسنها المحقق من بين الرقاع.
ثم إني سألته أن يجيزني رواية ما يجوز له تسميعه، فكتب الجواب، ومن خطه نقلت:
كتب إلي فلان أمد الله تعالى في جاهه، وجمل النوع الإنساني بحياة أشباهه، يستجيز مني رواية مصنفاتي ومروياتي ومؤلفاتي، ففديته سائلاً، وأجبته قائلاً: أما بعد حمد الله جابر الكسير، والصلاة على نبيه محمد البشير النذير، وعلى آله الذين أعريت أفعالهم فسكن حب أسمائهم في مستكن الضمير.
فإني ألقي إلي كتاب كريم، يشتمل بعد بسم الله الرحمن الرحيم، على نظم فائق بهي، ونثر رائق شهي، غرس لي أصوله بفضله خليل جليل، فامتد علي من فروعه ظل ظليل، فرأيته فانتصبت له قائماً على الحال، وتميزت به على غيري، فطبت نفساً بعد الاعتلال، وابتهلت بالدعاء لمهديه مخلصاً، ولكن أسأت الأدب إذ وازنت جوهر نظمه بالحصى حيث قلت:
سلام على نفسك الزاكيةوشكراً لهمتك العالية
أزهراً أم الزهر أهديتهالعبد مدامعه جارية
كتاب يفوح شذى نشرهفلي منه رائحة جائيه
وسعد معاديه عن مركز ال؟سعادة يلجا إلى زاويه
إذا حمل الجدي في نطحهففاس إلى رأسه دانيه
وقابلني حين قبلتهمن الطيب ما أرخص الغاليه
وفكهني في جنى غرسهولا سيما بيت ما النافيه
تردد عيني به لا سدىولكنها تطلب العافيه
فمهديه أفديه من سيدأياديه رائقة راقيه
لعل الخليل بداني بهليجعلها كلمة باقيه
فيا جابراً دم معاذاً فكمبعثت لمحلي من ساريه
لأقلامك الرفع تبنى بهاعلى الفتح أفعالها الماضيه
ولو لم يكن قد سبا نورهالما حمل الخادم الغاشيه
فإن أهلك الناس جهل بهمفأنت من الفرقة الناجيه
فكم باب نصر تبوأتهفأذهاننا منه كالجابيه
رضي بك عن دهره ساخطفلا زلت في عيشة راضيه
وإني لفي خجل منك إذأجبتك في الوزن والقافيه
فعفوا وصفحاً ولا تنتقدويا بحر مالك والساقيه
ليهنك أنك عين الزمان فليت على عينه الواقيه
ولما انتهيت إلى استجازته التي انتظمت في سلوك الحسن بحسن السلوك، واستعظمت، فلولا حسن الظن لأوهمت تهكم المالك بالمملوك، أحجمت عن إجازة من شمر في العقل والنقل لتحقيق القديم والحديث، وتبحر في إغراب الإعراب حتى كأن النحاة إياه عنوا بمسألة سيرك السير الحثيث، وقلت: ماذا أصف، وبأي عباة أنتصف. في إجازة من إذا كتب طرز بالليل رداء نهاره، وإذا نثر فالأنجم الزهر بعض نثاره، وإذا نظم لم يقنع من الدر إلا بكباره، ولم يرض من المعاني إلا بدقيق من بين حجريه الثمينين بل أحجاره، إن أعرب ف؟ ويه على سيبويه، وإن نحا فهو الخليل غير مكذوب عليه، يأتي بما يفتر عنه المبرد، ويشق له الكسائي كساه ويجرد، ويقول الزجاجي: أيها الشاب لقد أخجلت جواهرك صرحي الممرد، وينادي ابن أبي الحديد: سطا علي لسانك المبرد، ويستخدم ملك النحاة في جنده، ويرفرف ابن عصفور عليه بجناحيه ويحلف أنه الخليفة من بعده، بتعمق يرهف حروف الحروف، وينصف حتى لا يعدو ثعلب ولا أكبر منه على ابن خروف،
ويصدق حتى لا يقال ضرب زيد عمراً، ويعدل حتى لا يشتم خالد بكراً، مع بساتين فنون أخر تهتز بنسمات السحر عذبات أفنانها، ويقول حاسدها: آه، فتشبه ألفه في العظم قدود نخلها، وهاؤه ثمر رمانها.
ثم فكرت أن كتابه الشريف آمنني النوب، وخصني بالنوبة الخليلية من بين النوب، وكفاني مواثبة العكس والطرد، وأولاني مناسبة الغرس للورد، فترددت هل أفعل أو لا، ثم ظهر لي أن امتثال المرسوم أولى، وجسرني على ذلك مرسوم شيخ الأدب ورحلته، وركنه الأعظم وقبلته، شيخنا الفذ جمال الدين بن نباتة، فسح الله في مدته وأبقى حياته، الذي إن نثر جعل اللجين إبريزاً بحسن السبك، وإن نظم قال نظمه: لقرينتيه الحسن والقبول: قفا نضحك من قفا نبك. لا جرم أنا من بحره الحلو نغترف، وبالتقاط جوهره التي زان بها مفارق طرق البلاغة نعترف، فأطلعت إذن أمره طالباً صفحه وستره، وقلت: لقد بدأتني أعزك الله بما كنت أنا به أحرى، وكلفتني شططاً فتلوت: " ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً "، وها قد أجزت لك متطفلاً عليك، وأذنت لك متوسلاً إليك، أن تروي عني ما يجوز لي روايته وإسماعه، وليتصل بك فيما اتصل بك ما أمن انقطاعه، من منقول ومقول، وفروع وأصول، ونثر ونظم وأدب وعلم وشرح وتأليف وبسط وتصنيف بشرط المضبوط، وضبطه المشروط.
أما مصنفاتي الشاهدة علي بقصور الباع، ومؤلفاتي المشيرة إلي بقلة الإطلاع، فمنها في الفقه: البهجة الوردية في نظم الحاوي، وفوائد فقهية منظومة.
ومنها في النحو: شرح ألفية ابن مالك، وضوء الدرة على ألفية ابن معط، وقصيدة اللباب في علم الإعراب، وشرحها، واختصار ملحة الإعراب نظماً، وتذكرة الغريب نظماً وشرحها.
ومنها في الفرائض: الرسائل المهذبة في المسائل الملقبة.
ومنها في الشعر والأدبيات: أبكار الأفكار.
ومنها في غير ذلك: تتمة المختصر في أخبار البشر، اختصار تاريخ حماة، والذيل عليه، والتتمات في أثنائه.
وأرجوزة ي تعبير المنامات، خمس مئة بيت.
وأرجوزة في خواص الأحجار والجواهر، ومنطق الطير، نظماً ونثراً، فيه نوع أدب تصوفي، وما لا يحضرني الآن ذكره، وكان الأولى ستره.
أجزت لك أيدك الله رواية الجميع عني بأفضالك، ورواية ما أدونه وأجمعه من ذلك حسبما اقترحه خاطرك العزيز واستوجبت به مدحي، فأنا المادح أنا المجيز.
قاله وكتبه عمر بن مظفر في العشر الأول من شعبان سنة أربعين وسبع مئة.
وكتب بخطه تضمين أنصاف أبيات ملحة الإعراب، وهي في غاية الحسن، وهي ستة وستون بيتاً، وقد أثبتها بكمالها في ترجمته في تاريخي الكبير.
وكتب بخطه تضمين:
يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر
لأبي العلاء المعري في مديح سيدنا رسول الله ﷺ، وهي في إجازته في الجزء الثامن عشر من التذكرة التي لي.
وكتب أيضاً بخطه مفاخرة له نثراً بين السيف والقلم وجودها، وكتب بخطه أيضاً مقاطيع كثيرة وهي في الجزء الثامن عشر من التذكرة لي، وأثبت له شيئاً كثيراً من نظمه في التذكرة التي لي وهو مفرق في أجزائها.
ومن مصنفاته الكلام على مئة غلام كتبته جميعه بخطي، وهو في الجزء الثاني والثلاثين من التذكرة، والكواكب السارية في مئة جارية، كتبته جميعه بخطي أيضاً، وهو في الجزء الثالث والثلاثين من التذكرة، وله أحاجي نحوية على حروف المعجم وهي قال:
يا من حاجىفي الأسماء
اطرح حرفاًبعد التاء
القِثا وقال:
؟ يا من أحاجيه تغنيعن فطنة المتنبي
إن كان عندك فهممثل لنا طول جب
مدابير وقال:
يا فاضلاً قد صلحتللعالمين نيته
اطرح رتاجاً ما ترىيا سيدي أحجيته
القباب وقال:
يا من يفوق البرايافي بحثه حين يبحث
مثل ولا تتوقفقولي تلا متلبث
قراقِف وقال:
قوالوا لرب الحجىوالواضح المنهج
مثل لنا مسرعاًفي القول رزقي نجي
قسميات وقال:
أتت يا كامل الحجىوالكلام المصحح
قولي: الطرف ملكههات لي مثله اشرح
الإنالة وقال:
يا فاضلاً في الأحاجيما إن له من مؤاخي
نور لآية حرثمثل بغير تراخ
سنانير وقال:
يا إماماً توقىولي كل معاد
ما نظير لقوليباع أرض سواد
شراريف وقال:
يا من حاجىوقيت أذى
مثل قوليتعب جبذا
عناقيد وقال:
يا من أحاجيه أعيتذهن الصدور الكبار
ما مثل قولي لشخصحاجيته رطل قار
مناقير وقال:
يا سيداً ألفاظهلكل معنى حائزه
مثل لنا ولا تقفألف وألف جائزه
الفاصلة وقال:
يا من له بين الورى رتبةمعروفة تومن تلبيسه
مثل لنا أمر امرئ حاضربأنه يشغل نقريسه
الهداية وقال:
يا تاجراً في العلم لافي الملهيات ولا القماش
مثل لنا بخلاً بماإن شئت أو أقص عطاش
دراهيم وقال:
يا فاضلاً يرجى لهمن ربه حسن الخلاص
مثل لنا في سرعةتعب المسن من القلاص
عنانيب وقال:
يا من أبان ال؟معنى وفضه
مثل لنا سريعاًأهمل فضه
أبارقه وقال:
يا من لثغر العلاوالعلم أضحى يحوط
إن كنت ذا فطنةما مثل أحبب قنوط
مقياس وقال:
يا إماماً في الأحاجيزانه فهم وحفظ
مثل الآن سريعاآلة التعريف لفظ
الكلمة وقال:
يا سيداً فيه بشرللبائس المتوجع
إن كنت تدري الأحاجيفما مثال ارجع ارجع
هدهد وقال:
يا سيداً ذكاؤهقد أعجز المبالغا
مثل لنا ولا تقفاطلب شراباً سائغاً
سلمى وقال:
يا سيداً ذكاؤهوالفهم أعيا من يصف
كن ناهباً وواهباًمثل لنا ولا تقف
سلهب وقال:
يا من له فضل يمت بهوبه يرجى الجمع للفرق
مثل لنا إن كنت ذا فطنما مثل أهمل ما على العنق
الغراس وقال:
يا فاضلاً في اللهأضحى أخذه وتركه
مثل لنا بسرعةمرتفعات ملكه
الزباله وقال:
يا سيداً ألفاظهتجل عن مماثل
مثل لنا بسرعةعشر مئات فاضل
الفراسخ وقال:
يا من له في المعاليوالفضل أي كرامه
مثل لنا ولا تتوقفنظير علم علامه
سمسمه وقال:
؟ يا شهماً ذكياًبالآداب ملآن
مثل لي سريعاًأحبب غير غضبان
مقراض
وقال:
يا شارح المعميات وجهه ووجهها
ذو لحية كبيرةملك له ما شبهها
الحالة وقال:
يا من حوى من فهمهوعلمه ما قد حوى
مثل لنا إذ كنت ماذكرته ظهر هوى
مطاريح وقال:
يا سيداً بفضلهأصبح حبراً كاملاً
مثل لما في الوقت مارادف أطعم عاملا
منوال وقال:
يا سيداً في الأحاجيله كمال رويه
مثل فداك المعاديوالضد رب عطيه
ذاهبة
ولما وقفت له على كتابه الكلام على مئة غلام عند القاضي الرئيس بهاء الدين حسن بن ريان، وجدت غالبه من نظمي في الحسن الصريح في مئة مليح، وكان ذلك عقيب قدومي من القاهرة فقلت له: يا مولانا اكتب إليه، وقل له: قد وقع صاحب العملة بها وعرفها. فكتب إليه وعرفه المقصود، فغير فيها أشياء فلهذا ترى نسختين ثم وقفت له على أشياء في غير ما نوع قد اغتصبها واختلسها، فكتبت إليه رحمه الله تعالى:
أغرت على أبكار فكري ولم أغرعليها فلا تجزع فما أنا واجد
ولو غير مولاي استباح حجابهاأتته من العتب الأليم قصائد
قواطع لا تحميه درع اعتذارهاوألسنها عنه الخصام مبارد
ولكنه لا فرق بيني وبينهيبين لأنا في الحقيقة واحد
فكتب هو الجواب إلي وأجاد:
وأسرق ما أردت من المعانيفإن فقت القديم حمدت سيري
وإن ساويته نظماً فحسبيمساواة القديم فذا لخيري
وإن كان القديم أتم معنىفهذا مبلغي ومطار طيري
فإن الدرهم المضروب باسميأحب إلي من دينار غيري
كان رحمه الله تعالى وسامحه لما سمع قولي:
أترك هوى الأتراك إن شئت أنلا تبتلى فيهم بهم وضير
ولا ترجي الجود من وصلهمما ضاقت الأعين منهم لخير
قال هو ﵀ مختصراً:
سل الله ربك من فضلهإذا عرضت حاجة مقلقه
ولا تقصد الترك في حاجةفأعينهم أعين ضيقه
ولما سمع قولي:
ركبت في البحر يوماً مع أخي أدبٍفقال دعني من قال ومن قيل
شرحت يا بحر صدري اليوم قلت لهلا تنكر، الشرح يا نحوي للنيلي
فقال هو رحمه الله تعالى وزاد:
ديار مصر هي الدنيا وساكنهاهم الأنام فقابلهم بتقبيل
يا من يباهي ببغداد ودجلتهامصر مقدمة والشرح للنيلي
ولما سمع قولي:
كؤوس المدام تحب الصفافكن لتصاويرها مبطلا
ودعها سواذج من نقشهافأحسن ما ذهبت بالطلا
قال هو رحمه الله تعالى ونقص:
؟ أحسن ما كانت كؤوس الطلاساذجدة يبدو بها الخافي
فالنقش نقص ومن الرأي أنترتشف الصافي من الصافي
وقال رحمه الله تعالى أيضاً مختصراً:
دع الكأس من نقشهافصاف بصاف أحب
إذا ذهبت بالطلافقد طليت بالذهب
ولما سمع قولي:
انهض إلى الربوة مستمتعاًتجد من اللذات ما يكفي
فالطير قد غنى على عودهفي الروض بين الجنك والدف
قال رحمه الله تعالى:
دمشق قل ما شئت في حسنهاواحك عن الربوة ما تحكي
فالطير قد غنى على عودهوزفها بالدف والجنك
قلت: كذا وجدته قال، وفيه فساد، وهو أنه أضاف الدف إلى الربوة والمشهور بين الناس إضافة الجنك إلى الربوة، فما يقال إلا جنك الربوة، وما يقال: دف الربوة. وإن كان هناك دفوف كثيرة فإن المشهور ما قلته، وقد أخذ المعنى بكماله، ونصف البيت الأول من الثاني بلفظه، وهذه مصالتة، عفا الله عنه.
ولما سمع قولي:
تزوج الشيخ بتركيةتضم في الغربة أطرافه
كأنها من حسنها شمعةوهي على العشاق طوافه
وقولي في مخيلة:
نقط خدي الدمع عشقاً وقدقامت إلى الرقص خياليه
فما رأت عيني لها مشبهاًمصرية في ضوء شاميه
جمع هو المقصدين في مقطوع واحد فقال:
جاءتك في طيف خيال حكتخيال طيف هز أعطافه
مصرية في ضوء شاميةيا حين ذي الشمعة طوافه
ولما سمع قولي:
ومليح طراز كميه أضحىمثل خط العذار في حسن رقم
قال قلت الظباء مثلي وما عازت ظباء الفلا سوى طرز كمي
وقولي أيضاً وفيه تضمين:
ضممت معذبي لما أتانيورقم عذاره قد راق عيني
فيا طرزيه هل يدني زمانيليالي وصلنا بالرقمتين
وجمعهما وقال:
طرز قباء محنتيكخده ورقمه
ما أعوزت منه الظباإلا طراز كمه
ولما سمع قولي:
عجباً لزهر اللوز حين يلوح وال؟أوراق إذ تجلى على نظاره
عكس القضية في الورى فمشيبهيبيض من قبل اخضرار عذاره
قال رحمه الله تعالى:
أشجار لوز تناديأمري على الخلف جاري
بعد اشتعالي مشيباًيخضر مني عذاري
قلت: قوله أخصر، لكنه أبتر، وقولي أنا أكمل وأجمل، وقولي عكس القضية أكثر في الاستعمال من قوله أمري على الخلق جار.
ولما سمع قولي:
أسائل عن أرض ألفت ربوعهاوفيها حبيب نلت منه مرادي
فقالوا متى تظلم جلالها بوجههفقلت أنا أدرى بشمس بلادي
قال هو مختصراً:
؟ ما الشمس عندي على مازعمتم يا أعادي
دعوه عنكم فإنيأدري بشمس بلادي
ولما سمع قولي في مليح أمير:
هذا المليح المفدىقلب المعنى أسيره
يقول من بات ضيفيعشقاً فإني أميره
قال هو رحمه الله تعالى:
أقول لبدر سائر بين أنجمأأنت أمير المصر قال أميره
فقلت إذا مات الكرام بأسرهمأأنت تمير الوفد قال أميره
ولما سمع قولي في مليح فقير:
فقير غنيت به في الهوىإذا ما بدا عن محيا البدور
وأصبح وجدي كثيراً بهعلى أنه قد غدا بالفقيري
قال هو مختصراً:
بي فقير كغنيبسنا وجه منير
لا تلمني في افتضاحيفغرامي بالفقيري
ولما سمع قولي في مليح ناسخ:
بليت بناسخ كالبدر حسناًله خصر طفا والردف راسخ
؟ برى جسمي ضنا إذ قط قلبيوأصبح للجفا بالوصل ناسخ
قال هو مختصراً:
ناسخ راسخ الروادف والخصر قد طفا
قد برى الجسم عندمانسخ الوصل بالجفا
قلت: أخذ المعنى واللفظ بعينهما واختصره لكنه محقه، فإنه ما ذكر القط وهذا ظاهر.
ولما سمع قولي:
لئن سمح الدهر البخيل بقربكموسكن منا أنفساً وخواطرا
جعلنا ابتذال النفس شكران وصلكموقلنا لدمع العين تعمل ما جرى
نقله فقال في مليح فقير:
ولي فقير أدمعيتعمل فيه ما جرى
إن قلت قد سلبتنييقول شغل الفقرا
ولما سمع قولي:
يقول لما قلت هذا اللمىأسكرتني لما ترشف فاك
سواك ما ذاق لمى مبسميأستغفر الله ذكرت السواك
نقله هو فقال:
قالت وناولتها سواكاًساد بفيها على الأراك
سواي ما ذاق طعم ريقيقلت بلى ذاقه سواكي
ولما سمع قولي:
مر على حبي نسيم الصبافقال لي في بعض أقواله
ما لي في زهر الربا عبرةمذ تمسكت بأذياله
نقله هو فقال:
ضممتها عند اللقا ضمةمنعشة للكلف الهالك
قالت تمسكت وإلا فماهذا الشذا قلت بأذيالك
ولما سمع قولي في قيم حمام:
بلان حمامنا له نظريحار في حسن وصفه الفكر
عيناه موسى ونبت عارضهله مسن وقلبه حجر
قال هو رحمه الله تعالى موالياً:
حمامكم فيه قيم منظر ويسبيغسلني بالدمع ثن أنشد كذا صبي
جعل مسنو وموسو والحجر نصبيقال ذا عذاري وذا طرفي وذا قلبي
ولما سمع قولي:
المقلة السوداء أجفانهاترشق في وسط فؤادي النبال
وتقطع الطرق على سلوتيحتى حسبنا في السويداء رجال
قال هو ولكنه حول معناه:
من قال بالمرد فإني امرؤإلى النساء ميلي ذوات الجمال
ما في سويدا القلب إلا النساما حيلتي ما في السويدا رجال
ولما سمع قولي مضمناً:
مليح يخاف على حسنهفينتف منه عذاراً سرح
فقلت له خل هذا الخيالومد الشباك وصد من سنح
قال ونقل المعنى إلى صياد:
لو جنة صيادكم نسخةحريرية ملحة الملح
تقول لنبت العذار اجتهدومد الشباك وصد من سنح
ولما سمع قولي:
بتنا وما نقلنا سوى قبلوريق فيه السلاف مشروبي
نمنا وما نمت الوشاة بنالولا فضول الحلي والطيب
قال هو:
زارت على ياسي لطيف خيالهايا دهر ما بقيت عليك ذنوب
فركبت أخطار الهوى في وصلهاوالطيب واش والحلي رقيب
ولما وقفت أنا على قوله:
أخذت عني بديلاًوذا دليل بأنك
تمر بي لست تلويعلي حتى كأنك
فلست تحسن هجريولست أهجر حسنك
وليس يوزن وجديوليس يوجد وزنك
قلت: الذي يسلك هذه الطريق السهلة العذبة المنسجمة التي ليس فيها غريب لغة ولا غريب إعراب، ولا تقديم ولا تأخير، ولا حذف ولا تقدير، ما يأتي بهذا الإعراب الذي نحتاج أن نقدر له نيابة المصدر المحذوف، وهو يتشبه بطريق البهاء زهير رحمه الله تعالى وذلك ليس في شعره تكلف، بل قول مطبوع غير متطبع، ولا عنده تكلف في إعراب ولا حوشي لغة. وقد قلت أنا في ذلك:
لقد أضعفني حزنيوضاعف خالقي حسنك
فها أنا لم أزن وجديلأني لم أجد وزنك
وصاحب الذوق السليم يحكم بيني وبينه في هذا رحمه الله تعالى.
وأنشدني لنفسه إجازة، وجوده مضمناً:
مليح خصره والردف منهكبنيان القصور على الثلوج
خذوا من خده القاني نصيباًفقد عزم الغريب على الخروج
وأنشدني له أيضاً:
جنبتني وأخي تكاليف الشقاوشفيتنا في الدهر من خطرين
يا حي عالم دهرنا أحييتنافلك التحكم في دم الأخوين
وأنشدني له أيضاً:
قلت وقد عانقتهعندي من الصبح فلق
قال وهل يحسدناقلت نعم قال انفلق
وأنشدني له وجوده:
جبرت يا عائدتي بالصلهفتممي الإحسان تنفي الوله
وهذه قد حسبت زورةلم أنت يا لعبة مستعجله
وأنشدني له أيضاً:
بالله يا معشر أصحابياغتنموا فضلي وآدابي
فالشيب قد حل برأسي وقدأقسم ما يرحل إلا بي
وأنشدني له أيضاً:
لا تقصد القاضي إذا أدبرتدنياك واطلب من جواد كريم
كيف ترجى الجود من عند منيفتي بأن الفلس مال عظيم
وأنشدني له أيضاً:
رامت وصالي فقلت لي شغلعن كل خود تريد تلقاني
؟ قالت كأن الخدود كاسدةقلت كثيراً لقلة القاني
وأنشدني له أيضاً:
وكنت إذا رأيت ولو عجوزاًيبادر بالقيام على الحراره
فأضحى لا يقوم لبدر تمكأن النحس قد عطي الوزاره
وأنشدني له أيضاً:
قلت لنحوي إذا عرضاله بأوقات الرضا أعرضا
يا حيث لو أصبح باب الرضىكيف لما كنت كأمس مضى
قلت: بريد يا مضموماً عني لو أصبح باب الرضى مفتوحاً لما كنت مكسوراً وأنشدني له أيضاً:
لما رأى الزهر الشقيق انثنىمنهزماً لم يستطع لمحه
وقال: من جاء؟ فقلنا له:جاء شقيق عارضاً رمحه
وأنشدني له أيضاً:
دهرنا أمسى ضنيناًباللقا حتى ضنينا
يا ليالي الوصل عوديواجمعينا أجمعينا
وأنشدني له أيضاً:
إني عدمت صديقاًقد كان يعرف قدري
دعني لقلبي ودمعيعليه أحرق وأذري
وأنشدني إجازة له:
رأيت في الفقه سؤالاً حسنافرعاً على أصلين قد تفرعا
قابض شيء برضا مالكهويضمن القيمة والمثل معا
قلت: يتصور في صور منها المحرم يستعير صيداً من غيره فيتلف في يده فتلزمه القيمة لمالكه والمثل جزاء لله تعالى.
أنشدني إجازة، ونقلته من خطه يمدح الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة كمال الدين محمد بن المزملكاني رحمهما الله تعالى:
هنيت عاماً مقبلاً مقبلاعليك بالسعد وعيش حلا
مولاي يا من قلبه راحموهو أحق الناس أن يعدلا
؟ محبتي موجبة للثوىوحاجتي تقضي بأن ارحلا
حسبت في أيامكم رفعةوما خشيت الدهر أن أنزلا
وقلت من يرضى خمولي إذنفكنت أنت المحسن المجملا
فليتكم أبقيتموني كماقد كنت من قبلكم الأولا
أتقنت باب البيع والصرف في ال؟شهبا وما دافع باب الولا
ثم متى أغفلتني بعد ذاشرعت في التفليس مستبدلا
ما أنس لا أنس رسولاً أتىبنقلتي لا أعدم المرسلا
قلت رسولي رمت جري إلىمنبج ماذا أنت مِن أو إلى
قال آنا من قلت لا إن مِنْللابتدا أنت كذا؟ قال: لا
أنا إلى قلت إلى نعمةواحدة الآلاء عند الملا
أين هي النعمة في قاطعبقربه ما حق أن يوصلا
فقال ما سميتني هات قلواحذر عن التعليل أن تذهلا
قلت له جئت بنفي عن ال؟جنس فحق أن نسميك لا
قلت انصرف قال انصرافي علىمذهب أهل النحو لن يجملا
فالعدل والتعريف عندي وليمنزلة في النحو لن تجهلا
قال أضفناك إلى منبجفحق أن تصرف مسترسلا
قلت بلادي ربعها عامرومنبج ربعها قد خلا
قال اسمك المعدول عن عامرقضى عن العامر أن تعدلا
وأنشدني له إجازة ومن خطه، نقلت موشحة فائقة: مذهبي؟
حب رشاً ذي جسد مذهبقد حبيحسناً به يستعذب القدح بي
عاذلاًما أنت فيما قلتهعادلا
سائلايخبرك دمع قد همىسائلا
آه لاتعذل فما قلبي لذاآهلا
منصبي
والعقل أذهبتهما من صبيما ربيإلا وقد ربي به ما ربي
ما نسيزمان طيب الوصل في ما نسي
والمسيرقيبي بالكف لم ألمس
جانسيحزني فألفي كلما جا نسي
وارق بي
يا طرف سهداً والنجوم ارقبواشن بيمن لم يهم في ثغر أشنب
رق مافي خده الوردي قد رقما
عندمارأيت دمعي للجفا عندما
ضر مافي مهجتي من هجره ضرما
من أبي
يأبى الرضا نلت الجفا من أبيفارع بيرضاه يا قلبي وته وارعب
من صلالي فخه بل من نضالي منصلا
بلبلافؤاد مضناه هوى بل بلا
أو ولاملازم آخره الأولا
فانه بي
غيري ولذات الغرام انهبواله بيعن عذل بل يا حشاي الهب
وفي هذه الموشحة كرر في القافية لفظة بي في مواضع، وهو إيطاء، لكن يغتفر للحلا.
؟
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع