من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن محمد بن عبد المنعم
القاضي البليغ الكاتب الناظم الناثر تاج الدين أبو سعد السعدي المعروف بابن البرنباري.
كان كاتباً مطيعاً ومترسّلاً منطقياً، خطه أنهج من الروضة الغنّاء وأخلب للقلب من الحدقة الوسنا. كتب الرقاع والتوقيعات والثّلث من أحسن ما يكون، وكان لبقاً في كتابته وفي الحركات والسكون، وكان خبيراً بمصطلح الديوان وبما يكتبه الى الملوك من صاحب التخت والإيوان، وكان يكتب من رأس القلم، ويأتي في كتبه وتواقيعه بما ينسي نسمات الضال والسلم:
جرى معه الجارون حتى إذا انتهواالى الغاية القصوى جرى وأقاموا
فليس لشمسٍ مذ أنار إنارةوليس لبدر حيث تمّ تمامُ
فهو كان أحد الكتاب الكلمة الذين رأيتهم وبعتهم في الاختيار وشريتهم، وخبرتهم وذخرتهم وقرأتهم، والى مآدب هذه الصناعة دعوتهم وقريتهم.
ولم يزل الى أن توجه الى القدس ليزور ويستنتج أم الحظ وهي مِقلاتٌ نزور. فهناك وافاه حمامه، وبكاه من الفضل غمامه، وناح عليه حمامُه.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبع مئة.
ومولده في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وست مئة.
وكتب الإنشاء في الدولة الناصرية محمد بن قلاوون بالقاهرة في شهر رجب الفرد سنة ثلاث عشرة وسبع مئة. ولم يزل من أعيان كتاب الإنشاء، وكان القاضي علاء الدين بن الأثير يستكتبه في البريد، ولم يزل في القاهرة في جملة كتاب الإنشاء الى أن توفي القاضي بهاء الدين أبو بكر بن غانم صاحب ديوان المكاتبات بطرابلس، فرسم له السلطان الملك الناصر محمد بأن يتوجه مكانه، فتوجه الى طرابلس ونائبها يومئذ الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، فرأس هناك، وعمل الوظيفة هناك على القالب الجائر، وداخل النوّاب، وصار هو عبارة عن الدولة.
وفي سنة خمس وأربعين وسبع مئة كان في الشتاء نائماً هو وأولاده، فجاء سيل عظيم، وكانت داره على النهر، وكان للسيل ضجة من الناس وضوضاء، فقام من فراشه ليعلم ما الخبر وعاد فلم يجد داراً ولا سكاناً، وراح البيت وولداه، وأحدهما موقع والآخر ناظر الجيش، وجميع ما في البيت الى البحر. وانتبه الناس لهذه المصيبة العظمى، وركب النائب وتوجهوا الى البحر الى أن طلع الضوء وقذف الموج ولديه وهما ميتان، فأخذوهما وعمّر لهما تربة عظيمة هناك. وصدعت واقعته قلوب الناس في الشام ومصر. وأما هو فإنه داخله هلعٌ عظيم واختلط عقله، وبعث الى مصر يسأل الإعفاء والإقالة، وكنت إذ ذاك بالديار المصرية، فكتبت لولده شرف الدين عبد الوهاب توقيعاً، ونسخته:
رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الصالحي، لازال يجبر بفضله مَن أصيب، ويغمر بإحسانه من فقد الدار والحبيب، ويعمر برفده من مُني من خطب الأيام بأوفر نصيب أن يرتب المجلس السامي القاضي شرف الدين في كذا جبراً لأبيه المصاب في غُصنيه اليانعين، وحصنيه المانعين، وبدريه الطالعين ونسريه الطائرين بجناح حياته، فأصبحا في حبائل الردى واقعين، وسرّيه المخبوءين في سواد عينه، وإن كانا بالثناء ضائعين.
فليباشر ذلك مباشرة أُلفت من بيته، وأجرت فارسَ بلاغتهم من طرسه ونقسه على أشهبه وكميته، مقتدياً بطريق أبيه، فهي طريقة مثلى، وحقيقة تُدرس أماليها وتُملى، وحديقة غرائس بنانها تجلّى محاسنها وتجلى، وعريقة في فن الكتابة التي يُفرغ عليها كيس الثناء حين يُملى، لأنه درة تاجه، وقرّة تخلف على أبيه ماضي سروره وابتهاجه، وغرة يُزان بها الفجر عند انصداعه وانبلاجه، مجتهداً في تحرير ما يكتبه وتقرير ما يرْقمه ويهذّبه، حتى تكون روضات الطروس مدبّجة بأزهار كلماته وتسجيعه، وترى وجنات هوامش القصص مطرزة بغدار توقيعه، والوصايا كثيرة، وتقوى الله تعالى ملاك ما نأمره باتّباعه، وأسلاك الدرر التي يؤم غيثها في انتجاعه، فلا يألف إلا حماها، ولا يرشف إلا لماها، والخط الكريم أعلاه الله وشرّفه أعلاه حجةً في ثبوت العمل بما اقتضاه إن شاء الله تعالى.
وكان القاضي تاج الدين قد أقام بعد ذلك بطرابلس على حاله الى أن تولى نيابة طرابلس الأمير سيف الدين بيدمر البدري في أوائل سنة سبع وأربعين وسبع مئة، فعُزل من كتابة سرِّ طرابلس، وطالبه الناس بحقوق، فأقام هناك الى أن خرج منها وحضر
الى دمشق في أواخر السنة المذكورة، وأقام بدمشق مدة، ثم توجه الى القاهرة وأقام بها مدة، الى أن رُتّب موقّعاً في الدست بدمشق، فحضر إليها في شهر رجب، فيما أظن سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. ولم يزل على حاله الى أن توجه الى القدس، وتوفي في يومين في التاريخ.
وكنت أنا قد كتبت إليه بعد خروجي من مصر متوجهاً الى الرحبة كاتب الدّرج:
لما أتيت دِمشقاً بعد مصر وفيعطفيَّ منك بقايا الفضل للراجي
عُظِّمتُ من أجل مولانا وصحبتهوقيل هذا بمصر صاحبُ التاج
وينهي بعد رفع الدعاء، وحمل لواء الولاء، وإشادة بناء الثناء، أن المملوك سطّرها وشوقُه قد ضاقت به الرحبة، وأغار على مثاقيل الصّبر فما ترك عند حبّة القلب حبة، وذكّره الأيام السالفة، حتى عاد نسيبه بها أعظم نسبه:
كأني لم أكن في مصرَ يوماًقطعْتُ به الوصال مع الأحبه
ونلتُ القرب من سادات دَسْتٍمحلّهم علا كيوانَ رُتبه
إذا عانيت في الإنشا حُلاهمتراهم بالنجوم الزهر أشبه
وإن سابقتهم علماً وفضلاًفأنت إذا نطقت سُكَيْتَ حلبه
فما ابن الصيرفي إذا أتاهميُساوي عندهم في الفضل حبّه
خصوصاً تاجهم سقي الغواديمحلٌّ ضمّه واخضلّ تُربه
إذا أخذ اليراع فليس بين الطروس وبين زهر الروض نسبه
وإن نطق استبان المرءُ منهمحاسن تستبي في الحال لُبَّه
وليس الملك محتاجاً الى أنيُعدّ كتائباً إن عدّ كتبه
له الفضلان في نظم ونثرإذا ما جال في شعر وخطبه
أيا مولاي عفواً عن محبّتهجّم فالبعاد أذاب قلبه
بعثتُ بها إليك عسى تراهاعلى بعد من المملوك قربه
فكتب هو الجواب:
شكراً لغرس بروض الفضل قد نبتاوودّه في صميم القلب قد ثبتا
أهدى إليّ كتاباً كنت أرقُبُهأزال عني من عيث النوى العَنَتا
مباركاً جاء بالحسنى فأحْسنَ ليوكيف لا وهو من عند الخليل أتى
لا زالت ألفاظه حلية الممالك، وودّه في النفوس ثابتاً وللقلوب خير مالك، ومنزله من فضل الله رحيب الساحات معموراً بالسماحات في رحبة مالك، وينهي ورود مشرّف سمح ببيانه، ونفح بعرفانه، وجنح الى عوائد إحسانه ولمح أشرف المعاني بإنسانه، وربح إذا بدا بفصل خطابه وفضل بنانه، أبى الله إلا أن يكون له الفضل في ابتدائه، والفوز بسبق تحيته وإنشائه، فقبّله المملوك تقبيلاً، وفضّه فإذا البيان جاء معه كان قَبيلا، ورأى أدباً غضاً، ونظماً ونثراً فاقا مَن سلفَ عصرَه وتقضّى. ولقد ذكر مولانا بأوقات قُربه، على أن المملوك ما زال يذكرها، وأقرّ عيناً ما برحت تشهد محاسنه وتنظرها:
أبلغ أخانا أدام الله نعمتهأني وإن كنتُ لا ألقاه ألقاه
الله يعلم أني لست أذكرهوكيف يذكره من ليس ينساه
ولقد تجمّلت بمولانا جهة تصدّر أخبارها بأقلامه، وتصْدر مهماتها بمتين كلامه، ويبدو صلاحُها بألفاظه التي هي كالزُلال في رقته والدُرّ في نظامه، فبسط الله ظلال مَن أمتع هذه المملكة بمولانا، وسيّر ركابه إليها، وطالما أولاه الخير وأولانا، قد شمل البعيد والقريب بفضله، وعمّر مصر بسؤدده، وغمر الشام بفضله:
كالبحر يقذف للقريب جواهراًكرماً ويبعث للبعيد سحائبا
ثم يعود المملوك الى وصف محاسن مولانا التي مكنت في القلب حُبّه، وأرضت بالود مملوكه وتِربه، وشيّدت له في الأفئدة أعظم رتبة:
أتتنا من ودادك خيرُ هبّهفنعّمَ طيبها عيش الأحبه
وزارتنا على نأيٍ فأهدتلنا أنساً به أنسي تنبّه
تذكّرني بزورتها ائتلافاًووقتاً طالما مُتّعت قربه
نأى عن مصر من مولاي أُنسٌفألْفى بعدها رحباً ورحْبَه
للفظك في الطروس عُقودُ معنىبها دُرُّ الترائب قد تشبّه
وخطك لم يزل درّاً ثميناًله بالجوهر الشفّاف نسبه
بنانكَ منبر يرقى عليهيراعٌ كم لها في الطرس خطبه
خطبت من المعاني كلَّ بكرفلبّت بالإجابة خير خطبه
كأنك قد رقيت الأفق عَفوافأعطى طرسُك الميمون شُهبه
فدُمت معظّماً في كل أرضٍتنال من السعود أجلَّ رُتْبه
وكتب هو إليّ ونحن بالمخيم السلطاني على طَنان ملغزاً:
يا مبدعاً في النظم والنثروفاضلاً في علمه يُثْري
ومودعاً مُهرقه كل مايُزري بحسن الدرّ والتبر
إن أُحكمت ألفاظُه أصبحتقواطعاً تربي على البُتْر
ما صامتٌ تنطق أفضالُهوكاتمٌ للسرّ في الصدر
تصلحُه الراحةُ لكنهيُتعب في الطيّ وفي النشر
قد أشبه البيض ولكنهيحتاج يا ذا الفضل للسمر
تفرّق الليل بأرجائهكأنه وصلٌ على هجر
يسير عن أوطانه دائماًللنفع في البر وفي البحر
إذا كان يوماً ضيف قومٍ غدايقري وخير الناس من يقري
فهات لي عنه جواباً كماعوّدتني يا عالي القدر
فحللته في كتاب وكتبت الجواب:
أروضةٌ تبسم عن زهرأم أكؤسٌ دارت من الخمر
أم نظم مولانا فإني الذيأعدّه من جُملة السِّحر
إذ كلُ حرف منك شمسٌ وإنسامَحتَ قلت الكوكبُ الدرّي
يا فاضلاً ما مُشتهى نظمهفي الناس إلا قطعُ الزهر
وكاتباً أصبح من خطهِيغني عن الخطيّة السُمر
حلَلْتُ ما ألغزته في الذيتجلوه لي في حبر الحِبْر
ما فاه بالنطق ولكنهله فنون النظم والنثر
يُخبرنا عما مضى وانقضىوما جرى في سالف الدهر
لا يكذب القول إذا ما ورىفقد حكى صدق أبي ذرّ
وعنده للحسن ديباجةشَبيهة بالليل والفجر
ذُرَّتْ على كافوره مِسكةٌليس لها نشرٌ مع النشر
كم أقسم الباري به مرةًمرّت لنا في محكم الذكر
يا حسن ما قد قلت يقري وهلتعرف في الأيام من يقري
وما قراه غير سمع الذييبُثُّه باللبّ والفكر
هذا جوابٌ إن تكن راضياًبه فيا عزي ويا فخري
وإن أكن أخطأت في حلهفابسط على ما اعتدته عُذري
لا زلتَ ترقى صاعداً في العُلاالى محلّ الأنجم الزهر
وكتبت أنا إليه عقيب ذلك:
بلّغك الله الأماني فقدأطربني لغزك لمّا أتى
يحلو إذا كرّرت إنشادهوكيف لا يحلو وفيه كتا
وكتب إليّ أيضاً ونحن بالمخيم على المنوفية:
طرُق الصواب بك استبان سبيلهاوبك استقام على السواء دليلها
كم خلّةٍ محمودة أوتيتَهافي المكرمات وأنت أنت خليلها
ما مُلغَزٌ الفاءُ منه كلامهوحروفه ما شانهن قليلها
لا شيء تحجبه وكم من دونهمن حاجب فعُلاه ثم أثيلُها
إن طال مُلّ وخيره يا صاح ماقد طال والنعماء طاب طويلها
وإذا أهلَّ الوفد من ميقاتهمطُويت غمامته وزال طليلها
كم أوضحوا مزقاً فأخفاه ومعهذا إبانته دنا تعجيلها
ومحلّه كمحلّ مولانا غَدايسمو فرفعته رسا تأصيلها
فاحلله لا برحت يراعك كالظبىفصريرها منه يمدّ صليلها
فحللته في شاش وكتبت الجواب:
جاءت تُدار على النفوس شمولهاوتُجرُّ من فوق الرياض ذيولها
أبياتك الغُرّ التي أبدعتهاتُطوى على جُمل الجمال فُصولها
ويسير في الآفاق ذكرك لي بهاوتهبّ بالإقبال منك قبولها
قد ألغزت لي في مسمى واحدوله مقادير تفاوتَ طولها
كغمامة ترخى على ليل الشباب الغضّ أو صبح المشيب فضولها
لا يستحيل إذا قلَبْتَ حروفهبالعكس بل يبقى لها مدلولها
وحروفه بيتٌ وباقي لفظهآس على التصحيف رُحت أقولها
هذا الجواب وغاية الفضل التيقد نلتها في النظم لست أطولها
فلك النجوم تسير في فلك العلاما شانها بعد الطلوع أفولها
وكتب هو إليّ عقيب ذلك:
المسك منك ختاموراحتاك غمام
الخطّ روض نديمواللفظ حلو مدام
والسحرُ قولك لكنْالسحر أمرٌ حرام
أجبتني عن معمّىًبسرعة لا تُرام
في القلب حُبُّك ثاوله أقام غرام
فأنت حقاً خليلٌعلى الخليل السلام
فكتبت أنا الجواب إليه:
أجوهرٌ أم كلاموقهوة أم نظام
أم البدورُ تجلّتفانجاب عنها الظلام
أم الحدائق وشّىمنها البرود غمام
غُصونُها ألفاتٌوالهمز فيها حمام
أشبّه السطر كاساًفيها المعالي مُدام
أو أعيناً فاتناتيصبو لها المستهام
وحشوها السحر بادٍولا أقول السقام
أقلامك الحمر فيهاللنائبات سهام
كم قد أصابت لمرمىولم يفُتْها مرام
أثنت عليك المعانيوالكاتبون الكرام
وقلّدتك المعاليإذ أنت فينا إمام
فأنت أشرف تاجفي فضله لا يرام
له على كل رأسٍفاءٌ وصادٌ ولام
فكتب هو الجواب أيضاً:
ألفاظك الغرّ أضحتبُروقهنّ تشام
لأجل ذلك سحّتمن سحبهن ركام
فاحبس سيولك إن البيوت هذي الخيام
مصرٌ بها قد تحلّتكما تحلى الشآم
عنها يقصر قسٌوالسالفون الكرام
أمثالها سائراتوما لهن مقام
بدورها طالعاتٌلها التمام لزام
وفي العشيّ أتتنيمنها وجوه وسام
تُعزى الى العُرْب لمايُرعى لديها الذمام
لها العيون عيونٌوالنون فيها لثام
فكنّ خير سميرحتى تجلّى الظلام
وكلما دار دورٌمن خمرها حاء جام
هذا جواب جوابٍقد كلّ منه الكلام
فاستر له كل عابإذ أنت فينا إمام
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع