من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
عبد الرحمن المنيني
عبد الرحمن بن أحمد بن علي الحنفي المنيني الأصل الدمشقي المولد الفاضل الأديب الكامل النبيه الذكي الفطن كان حسن الأخلاق عشوراً حلو المنادمة رقيق الطبع ولد بدمشق في سنة اثنين وأربعين ومائة وألف ونشأ بها في كنف والده وقرأ على والده وانتفع به وأجازه من مصر بالمكاتبة الشيخ محمد بن سالم الحفني المصري وأخوه الشيخ يوسف والشيخ علي الصعيدي المالكي والشيخ خليل المغربي المالكي المصري والشيخ السيد أبو السعود الحنفي وفاق ونبل وبرع بالأدب ونظم الشعر وخالط الأفاضل وكانت له المحاورة الشهية والقريحة الألمعية وكان محبباً جميل الهيئة كأنما جبلت طينته باللطف وما زجت أخلاقه مدام الملاحة والظرف ومما نقل عن حسن براعته إنه كان مرة في بعض المجالس وكان المجلس اضطرب بالسرور ومذاكرة الآداب فأفضى المجلس للأنتقال إلى مذاكرة الأنفاس المعلومة عند الناس فأنشد بعض الحاضرين مخاطباً له قول القائل
نحن قوم نهوي الوجوه الحساناوبها الله زادنا احسانا
فأجابه مستحضراً قول بعضهم
نزه فؤادك عنهالنجم أقرب منه
فعظم الاضطراب ودارت كؤوس الآداب واشتهر ذلك المجلس النفيس حيث وقع له استحضار هذا البيت في جواب البيت السابق وترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه وقال في وصفه والنجم إذا هوى إنه مغناطيس الوجد والهوى صقلت مرآة وجهه الوسيم كما صقل صفحة النهر مرور النسيم يتمتع منه الناظر بروض حسن زاهر ويتشنف السامع بلؤلؤ رطب باهر مع رقة تستجلب الخواطر وتروح القلوب بنفحاتها العواطر وناهيك من قمر اكتمل من أول طلوعه وعدا الظرف حشوا هاله وضلوعه ومع ما فيه من الطلاوة يعطيك من طرف اللسان حلاوة بمنطق لم يحل من شائبة تعريض وكناية تؤدي إلى طويل وعريض يتكلف لها ويتصنع وتعذر من وقوعها ويتمنع وشبابه في ابانه وعذاره يحدث عن زرود وبانه وقد سلك في الشعر مسلكاً سهلاً وشرب من منهله علا ونهلا فأتى منه بما عليه يثني وعلى مقاصده غر الخناصر تثني وهاك من مصوغاته نبذا إذا أنشدت نادت المسامع حبذا حبذا انتهى ما قاله ومن شعره قوله
حين غابت ركائب الصحب عناوسقانا الزمان كأس الفراق
وغدونا حيرى نكابد وجداًوالتياعاً لشدة الاشتياق
جمعتنا الأقدار في هذه الدار نحيي معاهد الارفاق
بين باك شجواً وشاك غراماًوغريق بدمعه المهراق
بنفوس كادت من الشوق تقصنيبجواها لولا ادكار التلافي
وقوله
سقياً لظل السنديانة كم مضىفي سوحه عيش شهي المورد
حيث الربيع كسا الرياض مطارفاًخضراً وتوج كل غصن أملد
وسرى الصبا يجني رضاب مباسمالزهر الأنيق بذلك الروض الندي
والطير بين مغرد ومرددوالماء بين مزرد ومجعد
والخيل تسبح في العجاج كأنهاسفن جرين بمتن بحر مزبد
ترد الهياج نواضراً ويردهانقع التطارد في رداء أربد
حتى إذا ما أدلجت في نقعهاهديت بصبح من طلاقة أحمد
وحين طلب من شعره الشيخ سعيد السمان أرسل له حصة منه وكتب له معها بقوله مضمناً البيت الأخير
ومصقع رام من شعري ليودعهديوان من مجدهم يسمو إلى الحبك
فقلت إني وشعري كلما ارتفعتأشعار أهل الذكا ينحط للدرك
فقيل يكفيه فخراً أن يكون لهراو كنا درة الأيام والفلك
أوفده منه على ندب يهذبهفضلاً ويثبت منه كل منسبك
فبينما الذهب الأبريز مطرحاًفي أرضه إذ غدا تاجاً على الملك
وأرسل إلى الأديب سعيد السمان ملغزاً بقوله
يا لبيباً أفديك بين لنا مااسم شيء نصيفه اسم مصر
وإذا ما صحفت كلاً من الشطرين يغنيك عن رضاب وخمر
جبل نصف شطره وهو لفظبعد تصحيفه أتى فعل أمر
فأحبني أفديك من كل شينبجواب نظم والا فنثر
فأجابه والغزله بقوله
يا وحيد الأنام ذاتاً ووصفاًوفريداً في كل نثر وشعر
ومجيداً في كل معنى دقيقمن بديع الكلام صائب فكر
قد أتاني من نفثك العذب نظمهو مغن عن رشف ثغر وخمر
ملغزاً يا فدتك في اسم إذا ماطاف في الصحب فاح عاطر نشره
وإذا ما أتاك يضحك زهواًنثر الدمع في الأكف كقطر
أعجمي لا يحسن النطق لكنقهقهته تبدي نفائس در
وعجيب يقوى بدون لسانبين أهل النهى على كل نثر
ما رأينا منه سوى نفحاتبعبير الرياض والزهر تزري
دأبه في الأنام وهو صديقصدع شمل الأحباب من دون غدر
وعلى كل راحة لا تراهغير في راحة إذا رام يسري
لم يزل لاثماً يداغب اخرىبفم الاشتياق لثمة بشر
ذا جواب فيه المرام وضوحاًبالذي رمته كطلعة فجر
وأنا سائل أيا ابن وداديفابن لي عما يجول بسري
ما اسم شيء في الأرض طوراً نراهولدي الجو تارة دون نكر
شأوه في الأنام ليس بحارىطائع ربه بنهى وأمر
وله رنة الحزين إذا مافارق الألف بعد وصل مسر
فلذا قد غدا بغير جناحقلبه طائر لدى الأفق قادر
يا لعمري وليس فيه قوآهوهو يقوي بنا على كل ضر
وإذا راحة الفتى صافحتهراح أمناً من كل سوء وذعر
مخطئ صائب أمين خووندابه ذاك عند عبد وحر
لا عد مناه من صديق عدوصادق كاذب بما شاء يجري
ذو انحناء على عصاه ولكنفعله نافذ على كل صدر
فترى الغيد شأنه في البرايافي محل الاطلاق من غير غدر
دائماً تعقد الخناصر في الخلقعليه من كل ندب أغر
لا برحت المدا صديقك تهدىمن معاني البيان نظماً كثغر
ما أديب قد حاك من نسج فكرحللا من بديع لفظ كسحر
وللمترجم قوله
لأختلاس المحب من فرص الدهر لقاء الحبيب غب الفراق
آثر العاشق البقاء على الفوت بدهر يجري شؤون المآقي
وقوله أيضاً
وأغيد زارني والليل داعفمزق نوره جيب الظلام
توارى البدر لما لاح شمساًحياء تحت أستار الغمام
وله من قصيدة مطلعها
لطير الهنا في الروض صدح المغردعلى فنن الاقبال في روضه الندي
تغني فأنساني الغريض ومعبدابمطرب ألحان وطيب تردد
وهب على زهر الربى نافح الصباسحيراً فأغفى كل جفن مسهد
يمر على الأغصان وهي قويمةوينساب عنها وهي ذات تأود
ويكسو متون الماء درعاً مزردالجيناً يحليه الأصيل بعسجد
ومعنى المصراع الأول من آخر الأبيات مأخوذ من قول الآخر
نسج الريح على الماء زردياله درعاً منيعاً لو جمد
أقول وأصله ما نقله صاحب بدائع البدائه قال روى عبد الجبار بن حمديس الصقلي قال صنع عبد الجليل بن وهبون المرسي الشاعر نزهة بوادي أشبيلية فاقمنا فيه يومنا فلما دنت الشمس من الغروب هب نسيم ضعيف غضن وجه الماء فقلت للجماعة أجيزوا حاكت الريح من الماء زرد فأجازه كل منهم بما تيسر له فقال لي أبو تمام غالب ابن رباح الحجاج كيف قلت يا أبا محمد فأعدت القسيم له فقال أي درع لقتال لو جمد انتهى ثم قال صاحب البدائع ما سبق وقد نقله ابن حمديس إلى غير هذا الوصف فقال
نثر الجو على الترب بردأي در لنحور لو جمد
فتناقض المعنى بذكر البرد لو جمد إذ ليس البرد الا ما جمده البرد اللهم الا أن يريد بقوله لو جمد لو دام جموده فيصح ومثل هذا قول المعتمد بن عباد يصف فوارة
ولربما سلت لنا من مائهاسيفاً وكان عن النواظر مغمدا
طبعت لجيناً ثم زانت صفحةمنه ولو جمدت لكان مهندا
وقد أخذ المقري هذا المعنى فقال يصف روضاً
ولو دام هذا النبت كان زبرجداًولو جمدت أنهاره كان بلورا
وهذا المعنى مأخوذ من قول التونسي الأبادي من قصيدته الطائية المشهورة
الؤلؤ قطر هذا الجو أم نقطما كان أحسنه لو كان يلتقط
والمعنى كثير للقدماء قال ابن الرومي في قطعة من العنب الرازقي
لو أنه يبقى على الدهورقرط آذان الحسان الحور انتهى
عودا إلى القصيدة
وأصبح ثغر الدهر بالأنس باسماًعن المطلب الأسنى وأعظم مقصد
ولامه الغراء عادت مواسماًبها تنجلي خود السرور بمشهد
بمقدم نجل مهدت لقدومهمعاهد مجد للسوي لم تمهد
أغر عليه اللنجابة كوكبيشف سناه عن معال وسؤدد
تضرع من دوح النبوة غصنهوماس بروض للوزارة أسعد
ومنها
فيا ابن الأولى قد شيدو البأس والندىلهم رتب حفت بعز سؤيد
ومن إن دهى خطب وأطلم حادثجلوه برأي مستنير مسدد
كرام إذا ما أدلجوا فوجوههممصابيح تغني عن ذكاء وفرقد
ليهنك في أفلاك مجدك فرقديلوح باقبال وسعد مؤكد
فقربه عيناً ودم وابق سالماًبعيش كنوار الخميلة أرغد
نسوق لك الأيام كل مسرةومجد أثيل غب أنس مجدد
ولا زال نجماً في المعالي محمدمحوطاً بعز من جنابك أحمدي
مدى الدهر ما غنى بمدحك صادحوما شغفت منك المعالي بأمجد
وما جاء في تاريخه حدد الهنافشهر ربيع مولد لمحمد
ولما عاد من حجه أحد صدور الدولة العثمانية المولى أبو بكر الرومي نزل في العادلية عند والد المترجم فعمل له المترجم هذه التهنية مؤرخاً عامها وذلك في سنة اثنين وستين ومائة وألف وهي قوله
هناء فطير السعد غرد بالبشرونم على أرد إنه أرج النشر
وصير أيام اللقاء مواسماًبها تنجلي خود المسرة واليسر
وأصبح روض الغصن يندي نضارةوكلله طل البشائر بالدر
وجرد كف البرق عضباً مهنداًعلى السحب فانهلت بدمع كما القطر
وأشرق أفق الشام وافتر بالمنىبها مبسم الاقبال عن شلب الشكر
وطلت دواعي اليمن فيها هواتفاًوغنى حلم الأنس في القضب النضر
لمقدم طود الفضل والعلم من لهمآثر قد خطت على جبهة الدهر
جليل رقى العلياء بالفضل والندىوحاز مقاماً دونه هامة النسر
جواد إذا ما أخلف السحب وعدهارأيت له كفا بسح الندى يجري
همام لوان الليل لاذ بجاههلما مزقت أثوابه راحة الفجر
هو الشهم ذو الأفضال والعلم والتقىأخو الرتبة القعساء والهمة لبكر
هو الماجد النحرير والأوحد الذيخلائقه كالزهر أو نفحة الزهر
أغر السجايا واسع الصدر رحبهفريد المعاني واضح المجد والفخر
إليه انتهت آمال كل مؤملفعادت بأوقار الندى والثنا تسري
وباب معاليه انتحته بنو الرجافأمنها مما يروع من الذعر
فما هو الا النجم في كل مشكلوما هو الا البدر في الهدى والقدر
له فكرة ما زال ينمو ذكاؤهاورأى سديد كالمهندة البتر
أما ومحياك الوسيم الذي لنابخبخ الدجى فيه غناء عن البدر
وفيض أياد كالبحار وهمةعلوت بها قدراً على الأنجم الزهر
لأنت بهذا الدهر فرد كما بهقد انفردت في فضلها ليلة القدر
فيا أيها المولى الهمام ومن لهمحامداً دناها يجل عن الحصر
تهنأ بحج بل نهنئ نفوسنابمقدم خير رافع راية النصر
بلغت به ما كنت قبل مؤملاًونلت به الحظ الجزيل من الأجر
وزرت مقاماً حله أشرف الورىأبو القاسم الهادي الشفيع لدى الحشر
وجئت دمشق الشام حتى تشرفتبموطئك السامي وعزت مدى العمر
وأصبح أهلوها تمد أكفهابخير دعاء للجناب بلا نكر
فجوزيت عن مسعاك كل كرامةتسير بها الركبان في البر والبحر
فقد جاء تاريخ ببيت منضدينادي بألفاظ ملئن من السحر
بأيمن عام عم بالعز والمنىوبالسعد والاقبال حج أبي بكر
وقد عرض المترجم هذه القصيدة على الفاضل الأديب السيد مصطفى العلواني الحموي نزيل دمشق فكتب له هذه الأبيات وأرسلها إليه وهي قوله
أشعرك يا مولى القريض أرق منصفاتك أم منه صفاتك ألطف
أزل اشكالي بصبح فطانةغدوت بها بين الأفاضل تعرف
ولا غروان تغدو وأنت أبو النهىوأنت ابن من منه الفضائل تغرف
وإنك غصن مثمر ضمن روضةمعطرة منها الكمالات تقطف
بقيت لمنثور الفضائل ناظماًوفيها بأنوار الذكا تتصرف
وللمترجم في عين الصاحب أحد منتزهات دمشق
لما وقفنا للوداع عشيةما بين مسلوب الفؤاد وسالب
وجرت من الشوق المبرح أدمعيرق الحبيب لماء عين الصاحب
ولوالده أيضاً في ذلك
لم أنس موقفنا بعين الصاحبمع صاحب حبي له كالواجب
أنشدته والشوق يعبث بالنهىروحي الفدا شوقاً لعين الصاحب
وللماهر اللغوي الشيخ مكي الجوخي في ذلك أيضاً
يا صاحبي جد المسير ومل بنانحو الرياض فذاك جل مآربي
مع صاحب يروي الفؤاد من الظمالتقر عيني عند عين الصاحب
ومن ذلك قول الفاضل الأديب عبد السلام المغربي نزيل دمشق
حث المدامة واسقني يا صاحبيكأساً يروق بماء عين الصاحب
واخبب على خيل المسرة مسرة مسرعاًفلنحوها طير المسرة صاح بي
وكانت وفاة المترجم في سنة اثنين وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع