من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
السيد مصطفى العلواني
ابن إبراهيم بن حسن بن أويس المعروف بالأويسي العلواني الشافعي الحموي نزيل دمشق أحد الأفاضل كان أديباً بارعاً ناثراً ناظماً كاتباً لوذعياً ألمعياً له الحسب والنسب محرزاً دقائق الكمالات جانياً ثمرات الفضائل والمعارف ولد بحماه سنة ثمان ومائة وألف كما أخبرني ونشأ في حجر والده وقرأ عليه وبه تخرج في فن العربية والأدب وقراءة القرآن وحمله على طلب العلم ونزل بمدرسة الباذرائية واشتغل بقراءة العلوم على أفاضل دمشق فمنهم الشيخ إسمعيل العجلوني وأخذ عن الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي ولازمه في الدروس وأخذ عن الشيخ عبد الله البصروي وعن الشيخ محمد العجلوني وعن الشيخ عبد السلام الكاملي ونظم الشعر والانشاء البليغ مع خط حسن باهر متناسق وشرف نفس وكان ملازم السكون في خلوته وارتحل إلى الروم مرات متعددة وعاد ببعضها متقلداً نقابة بلدته حماه وعزل منها ثم عاد إلى الروم لقضاء ما فات وبلوغ المرام وآخر أمره أن جعل دمشق مأواه وسكنه وكان في السوداء متسماً بغاية لا تدرك وكان والدي يحبه وهو من أصدقائه وكتب لوالدي عدة كتب بخطه وأجازني بمروياته عن شيوخه واجازة خاصة بخطه وأجازني بمنظومته التي نظمها بطريق التوسل بأسمائه الحسنى جل وعلا وبأسمائه ﷺ وأخبرني أنه اجتمع بالجد الكبير الأستاذ الشيخ مراد الحسيني قدس سره حين ارتحاله إلى الديار الرومية في سنة تسع عشرة بعد المائة وأخبرني أنه لما ذهب به ولاده إلى الجد وكان الجد مستقبل القبلة بعد اتمام صلاة ذلك الوقت فلما رآه الجد دعا له ولمس ظهره بكفه وكان المترجم من العلماء الأفاضل البارعين بفنون الأدب وغيره وشعره عليه طلاوة فمن شعره قوله
أشرف الأنبياء يا نقطة الكون ومبنى هذا الوجود العجيب
يا رسولاً آياته قد أذابتمن ظلام الأهواء كل مريب
يا عزيزاً على الآله وفي فصل القضا المستبدّ بالتقريب
أنت باب الآله من يأت من أعتابه نال غاية المرغوب
أنت أنت الملاذ إن أفظع الكرب ومدّت للفتك أيدي الخطوب
أنت ملجأ المؤملين فكم منك أنيخ الرجا بواد عشيب
أنت ذخر الضعيف أن يخش عند البعث والحشر هول يوم عصيب
يا شفيعاً هناك إذ يوقع الأنفس في المزعجات كرب الذنوب
يا كريماً حياً العطاش على الحوض إذا ما أتوا بأعذب شوب
كيف يخشى وقع الحوادث عندمنك قد لاذ بالجناب الرحيب
فأغثني وكن مجيري فإنيمنك للبرّ صرت أيّ رقيب
مع أني إلى علاك تشفعت بصدّيقك الحليم المهيب
وأبي حفص الذي وافق القرآن منه لخير رأى مصيب
وابن عفان ذي الحياء شهيدالدار ظلماً بدون شك وريب
وعليّ ليث الحروب أبي السبطين زوج البتول باب الغبوب
وبأصحابك الهداة الألى منك لقد أتحفوا بأكمل سيب
وبأتباعهم ذوي الذبّ عن هديك كيلا يغشاه شوب كذوب
وخصوصاً منهم هداة اجتهادقد أذابوا فيه سويدا القلوب
بابن ادريس الذي منك أدنتهـ لعمري قرابة التعصيب
والمرقى أبي حنيفة عالي الكعب في نيل أشرف المطلوب
وامام المدينة الحبر حقامالك الشرع حائز التقريب
والزكيّ التقيّ أحمد من في العلم قد حاز كل فن غريب
وعليك الصلاة يا خاتم الرسل وأعلى معظم وحبيب
ما توالى من مصطفى بن أويسلك مدح مع سح دمع سكوب
يرتجي منك فيه ابلاغ حاجهي فيما يرضيك ذات ضروب
وله عند خروج الحاج متوجهاً نحو طيبة الطيبة على ساكنها الصلاة والسلام
ظن أن القلب عنه سلارشأ أغرى بنا المقلا
كبدي لحظاه كم جرحاوكمثلى كم فتى قتلا
فعلا فعلاً بمهجتهبعضه هاروت ما فعلا
بفتور الجفن كم تركاعاشقاً بين الورى مثلا
فتنا الألباب من دعجبسواه قط ما اكتحلا
كم أمالا الصب عن أمليرتجيه بائساً خجلا
حرساً ورد الخدود فلمنر صبا نحوه وصلا
وإذا ناما فإن لهحارساً في الصدغ ما غفلا
ويح مضناه فليس علىما سوى أحزانه حصلا
فيه كم أصبحت ذا كلفمتلف طفلاً ومكتهلا
حيث يمسي مبرداً كبديدمع عين ظل منهملا
أرقب الأفلاك منتظرالصباح ينتج الأملا
وعذول جاء يؤلمنيبملام عنه ما عدلا
قائلاً خفض على كبدفي الهوى قد أكسب العللا
فأنادي خل عن عذليفلي التعذيب فيه حلا
وافتضاحي في هواه أرىحسناً والذل محتملا
من يقل تهواه قلت نعمأو يقل تسلوه قلت بلى
في هواه رق لي غزليبعد أن لم أعرف الغزلا
ولعمري سوف يبصرنيعن غرامي فيه مشتغلا
بامتداحي من ببعثتهلجميع الأنبيا فضلا
شرّف الله الوجود بهوكذا الأملاك والرسلا
كل خير في الوجود فمنيمنه حقاً لقد وصلا
رحمة عمّ الوجود فماأحد عنه تراه خلا
قد أبان الحق مبعثهحيث ظل الشرك عنه جلا
كامل ما مثله أحدكل وصف فيه قد كملا
إن مدح الخلق قاطبةدون علياً مدحه سفلا
ليس يحصى الناس كلهمما عليه خلقه اشتملا
إن عجز المرء عن جملمن معالي عزه جملا
فاعترف بالعجز يا لسناوتذلل واترك الجدلا
أن يقس بالرسل أجمعهمفهو حقاً خيرهم رجلا
وهم نوّابه ولهمنظر منه لقد شملا
ونبياً كان حين بداآدم في الطين منجدلا
نوره الرحمن أوجدهقبل خلق للسوى أزلا
ثم لما شمسه ظهرتعنه كل العالم انفصلا
ثم تم السعد حين بداخاتماً للرسل واكتملا
وتحدّى فاهتدى رجلفائز وارتاب من خذلا
ثم ما قد جاء فيه لناكله والله قد نقلا
وكتاب الله أكبر ماجاءنا فيه بنا اتصلا
فهو أسنى نعمة ظهرتفضلها والله ما جهلا
وهو باب الله أيّ فتىمن سواه جاء ما دخلا
يا نبياً جاء يرشدناللهدى إذ أوضح السبلا
يا رسولاً مدحه أبداهو أولى ما به اشتغلا
قد مددت الكف ملتمسامنك معروفاً ومبتهلا
يا كريماً لم يردّ لمنسال الاحسان قط بلا
يا منيلاً برّه أبدالمن استجدى ومن سالا
حمل الأحباب نحوك منبعد والعبد ما حملا
بل تبقى في دمشق لدىأيّ سقم فيه قد نزلا
لبس الأحزان فهي لهكغشاء فوقه انسدلا
فاغتدى يذري الدموع أسىراجياً أن يبلغ الأملا
ويرى الأعتاب ملتثماتربها والدمع قد هطلا
فأجرني آخذاً بيديوقل المرجوّ قد حصلا
وصلاة الله واصلةلك ما غيث السما انهملا
مع سلام لا يزال علىربعك المعمور متصلا
والرضا عن صاحبيك فكممهجة في الله قد بذلا
وهما الصديق سيدناوكذا الفاروق من عدلا
ثم ذي النورين خير فتىبجلابيب الحيا اشتملا
وعليّ باب كل هدىمنك للأحباب قد وصلا
وكذا الأصحاب أجمعهممع جميع الآل خير ملا
وبهم يرجو الاغاثة منكربه عبد غدا وجلا
مصطفى الويسيّ مرتجياًبهم أن يحسن العملا
ويرى عقبى الأمور إلىفرج آلت وما انخذلا
وله أيضاً
ربع الأحبة بالأنداء حييتاوما بقى الفلك الدوّار أبقيتا
لله أوقات أنس قد سمحت بهابذلت فيها من السرّاء ماشيتا
حيث الرياض إذا أزهارها ضحكتبكى الغمام فظل الصبّ مبهوتا
حيث المطوّق والقمري قد ضمناأن يسكت الناي تغريداً وتصويتا
والسلسبيل إذا ما قيل صفه غداعن بعض أوصافه المكثار سكيتا
أكرم به ولجين الماء فيه جرىفكم يرى غامراً من عسجد حوتا
ومنها
حملت من زمني ما لو تحمل منأمثاله جبل لا ندك تفتيتا
ولم أكن وشبابي الغض مقتبللحمل أصغر احدى الذرّ صفتيتا
أخالني زمني شلت يداه لدىشيبي ووهني قد حوّلت عفريتا
وإنّ مما به دهري يكافحنيولم يزل سيف هذا الدهر أصليتا
داءين بعدك عن عيني أشدّهماثانيهما السقم من داءيّ عوفيتا
إلى آخرها وله أيضاً
كلانا غنى عن أخيه بربهوحفظ الأخا يأبى التقاطع والهجرا
إذا دار أمر المرء بين تقاطعوصدق وداد كان ثانيهما الأحرى
وليس الذي يبدا بصدع زجاجة الحشا كالذي يبدا بما يجبر الكسرا
وإن كنت بالثاني اتصفت فإنهاصفاتك بي قد أثرت ذلك الأمرا
وإن منك يبدو أوّل فمن السوىأتاك فجدّد في تجنبه الطهرا
لأنك من بيت زكيّ صفاتهملقد عطرت من نشرها البر والبحرا
وإن نزغ الشيطان ما بيننا فقدأنال بني يعقوب من نزغه شرّا
وله معاتباً بعض الأشراف
أيها المعرض عنيما الذي أوجب صدّك
وبماذا لا أرانيمكرماً بالله عندك
ألصدق في ودادلك قد أخلص وحدك
أم لنطقي في ثناءهو لا يبلغ مجدك
أم لسعيي بالذي أرضي به في الحشر جدّك
أم لغرسي في سويداء الحشا تالله ودّك
فبجدّيك ابن ليما به أعرف قصدك
أفهذا حال محسوب قد استوثق ودّك
انما الكيس بأن تنجز للداعين وعدك
وتوالى من أياديك على الراجين رفدك
فبذا والعفو عمنقد جنى تقمع ضدّك
فبمن بالفضل مولاي وبالعز أمدّك
وبمن أسعد بالعلياء والنعماء جدّك
وإذا اخترت بعاديفأنا أكره بعدك
عميت عيناي إن قرّت برؤيا الغير بعدك
وله من قصيدة
غنت على الدوح البلابلسحراً فهيجت البلابل
فسرى النسيم مؤدياًنشراً له قد جاء حامل
فبلطفه قد ماس غصن البان كالنشوان مائل
وبروحه أحيا فؤاداً جسمه بالبعد ناحل
وتفتقت أكمام ورد عز عن قطف الأنامل
جادت عليه السحب بالأنداء إذ بانت هوامل
فكأن ذلك لؤلؤفي أكؤس المرجان حاصل
أو أنه ماء الحياة على عقيق الثغر جائل
أو وجنة حمراء قدعرقت حياء من مواصل
والروض تصفق فيه أغصان تشبب بالشمائل
وأدار فينا الراح معشوق بخمر الدلّ ثامل
خصر اللمى عذب المقبل في ثياب الحسن رافل
يروى مسلسل ريقهعن كوثر للثغر ناقل
إن اللحاظ بسيفها الفتاك أنست سحر بابل
قد أسكرتنا دون خمر منه هاتيك الشمائل
فانهض أخيّ إلى الرياض عساك أن تحظى بطاتل
واشفع صبوحك بالغبوق وصل غدوّك بالأصائل
لا يشغلنك يا أخا الذات عن ذا الأنس شاغل
إلا امتداحك سيداًقرّت به عين الفضائل الخ
وله يمدح عبد الله باشا الجشنجي أمير دمشق ويشكو الفتن الواقعة فيها إذ ذاك بقوله
عركتنا عرك الأديم الكروبوبسهم الردى رمتنا الخطوب
فاختلاف شق العصا باتفاقفيه حمقى حجاهم مسلوب
أقسم السيف لا يقرّ بجفندون كشف عما تسر القلوب
جرّدته يد عن الخير شلاء وفي الشرّ بطشها مرهوب
فاصطبحنا من ذاك كأس ارتياعواغتبقنا ما الجسم منه يذوب
فلصدر الشريف منا زفيرولقلب التقيّ فينا وجيب
وعلمنا بأنّ لله لطفاًمن إليه التجي فليس يخيب
فابتهلنا إليه نضرع بالشكوى ونبكي فهو القريب المجيب
فتجلت سحائب الخوف عن شمس من الأمن لا تكاد تغيب
وأظلت دمشق رايات من أنقصد النجم فهو منه قريب
الوزير الكبير من رأيه الثاقب في المعضل السديد المصيب
كم له من يد لدى الحرب بيضاء إذا ما اكفهرّ يوم عصيب
يتلقى الجموع منه هزبرصدره في الوغى فسيح رحيب
ضاحك الثغر بادي البشر منهحيث للحرب يقرع الظنبوب
ثابت الجاش إذ تطيش المواضيفي مقام به الرضيع يشيب
صحبته طفلاً وكهلاً وكم أثروصفا في الصاحب المصحوب
فإذا جرّد اليمانيّ أو هزالردينيّ منه زند صليب
فرّق الجمع مثل تفريق أحوى العصف في البيد فرّقته الجنوب
جاء والشام سيف ذي البغى فيهامصلت من دم المطيع خضيب
وعليها أخنى الزمان وقد أجدب من فيحها المكان الخصيب
فحبت نار ذلك البغى حتىأصبحت لا يشام منها لهيب
وتعرّت جموعها عن فراقما لجمع التصحيح منه نصيب
فثغور الشآم تفترّ بشراًوببيت الطعام يعلو النحيب
وترى الأرض وهي مخضرّة الأرجا سقاها الحيا الغمام السكوب
وذراها الفسيح لم يلف فيهمنذ حل الوزير أرض جدوب
فعلى دوحها بشكر عليهوثناء قد غرّد العندليب
وأقمنا وللسان مجالبثناء يذكو شذا ويطيب
يصبح النطق قاصراً إنّ تقصير ذوي النطق فيه أمر غريب
فهلموا معاشر الفصحاء اللسن للشكر جملة وأجيبوا
فعسى اليوم أن يؤدي لعبد اللهحق أداؤه مطلوب
صانه الله من وزير به الحقإلى الكامل المحق يؤب
وبه الباطل اضمحل كأهليهـ فتعسا لهم إذا لم يتوبوا
إن مدحاً لبعض أوصافه الغرّ لأمر يحار فيه اللبيب
أفمثلي بمثل هذي القوافيغرض القصد في المديح يصيب
وأنا مثقل بما قرّح القلب من الدهر بل حزين كئيب
وإذا ما عجزت كانت معاليهـ عليه بالمدح عني تنوب
إنّ من قد أقرّ عين المعاليدهره بالثنا عليه الخطيب
دام للمجد غرّة ولوجه الجدّ نوراً سناه ليس يغيب
ما تغنت في الروض ورق وما هبنسيم فاهتز غصن رطيب
وله مؤرخاً تعمير جامع دمشق بعد انهدامه بالزلازل ومادحاً لجناب الوالد وكان إذ ذاك مفتي الشام في سنة ألف ومائة وأربع وسبعين
لك لا لغيرك للعلا استعدادفلذا برمتها إليك تقاد
وإذا تعرّض من سواك لنيلهاأضحى وعنها لأطردت يذاد
فأفخر فإنك يا عليّ ورثتهامن علية حازوا الفخار وسادوا
وبمحتد الشرف الرفيع تبوّؤاشأوا لأدناه السها يرتاد
ضموا إليه معارفاً وفضائلاًوسموا بذاك فكلهم أمجاد
ظلوا الهداة بفارس وبهديهمفي الشام ظلت تهتدي العباد
وإليهم في كل خطب فادحيلجأ فيصدر بالمنى الورّاد
لو في الثريا العلم كان لنالهمنهم رجال فهمهم وقاد
وحويت كل مزية فيهم ولاتنفك من شيم علت تزداد
إن أنفذ العدّ المكارم في امرئفلغير وصفك ينفد التعداد
مهما تقلب فيه من شيم العلافجميعه مستحسن وسداد
وما تحرّره بفهم ثاقبأبداً سلمت تسلم النقاد
يا أيها الساري يحثّ ركابهطلاع أنجد حثه استرشاد
يمم ذراه تجده طود معارفظلت لديه تواضع الأطواد
وافتح به من معضلاتك ما غدامستغلقاً ينحلّ منه صفاد
هذا وضمّ إلى العلوم خلائقاًوعن الصبا يروى لها اسناد
إن أخلف المزن البلاد فكفهفياضة منها يسحّ عهاد
يسمو بهمته الرفيعة إنهيقفو به في الذاهبين جواد
ولسعده فيما يروم تفرّدفيه يظلّ يساعد الأسعاد
من قبله الأمويّ ولي معشرذهبوا فمنه وهي ودك عماد
لم تسم همة من تقدمه إلىترميم شيء بل أبيد وبادوا
فألمّ فيه وظلّ يصلح بعض مافيه تبدد طارف وتلاد
حتى وهي الزلزال فانهارت بهسقف وأعمدة وطمّ فساد
فنمى الحديث إلى الخليفة من لهخضع البرية كلهم وانقادوا
ظل الآله بأرضه من أصبحتللخوف منه تضاءل الآساد
فاهتمّ في تحرير ما قد جاء فيفضل الشآم بذاله الاسناد
وأشار في تاريخ تعمير لجامعها الرفيع به الثنا يزداد
فأجابه فضلاؤها لمرادهراجين منه قبوله وأجادوا
وبهم تشبه ذا الضعيف وإن يكنعن شأو فضلهم له أبعاد
فأتى ببيت كامل تاريخ مايحلو به للسامع الانشاد
أموي جلق إن هوى بزلازلفبمصطفى الملك المجيد يشاد
سنة وله مادحاً لجناب أسعد أفندي قاضي العساكر الروم إيلية في قسطنطينية
ألا كل ما يختار من مهجتي وقفعليه فعما لست أسمعه كفوا
فيا ربما أغرى المتيم لائمفأصبح مشغوفاً بما دونه الحتف
بروحي غزالاً صاد قلبي بما غدتتمد من الاشراك أهدابه الوطف
غفا عن مراد الصب يلهو بدلهخلياً وأجفان المتيم لا تغفو
لقد كان لي جسم يقلبه الآسىعلى جمرات بات يضرمها الضعف
وعهدي بأن القلب بين جوانحيومأموله من ذلك الرشا العطف
فلم يبق لي إلا تتابع زفرةتلت مثلها أخرى وأعقبها ألف
ودمع مشوب بالدما ظل هاملاًعلى صفحات الخد أو مدمع صرف
خليليّ ما بذل المتيم روحهعزيزاً وما أحلاه إن رضى الخشف
فقولاً لمن قد أكثر العذل جاهلاًبحال الهوى أقصر جفا فمك الحرف
سلوّى محال عنه ما دام ينتميلأخلاق من جلت فضائله اللطف
همام لو أن الدهر جاد بمثلهلما انحصرت فيه المعارف والعرف
له راحة في لثمها كل راحةوكف بها وقع النوائب بنكف
فتى حليت أسماعنا بصفاتهففي كل أذن من محاسنها شنف
تأرجت الأرجاء من طيب نشرهاوفي كل قطر فاج قطر بها عرف
وله مادحاً جناب السيد سعيد أفندي ابن المرحوم شيخ ميرزا زاده
قلب له بين الضلوع خفوقعن حمل أعباء البعاد يضيق
ما زال يذكر من دمشق مسرةتصفو مناهل أنسها وتروق
جاد الحيا منها رياضاً قد حلافيها اصطباح مؤنس وغبوق
ما ثم إلا نرجس أو وجنةللورد كللها الندى وشقيق
وتطارح الآداب بين أحبةكل بساحر لفظه منطيق
أخلاقهم تحكي النسيم لطافةوكأنّ أفهام الجميع بروق
نيطت بأجياد البلاغة منهمدرر فرائد نظمهن نسيق
طابت مجالس أنسهم فكأنهادارين يعبق مسكها المسحوق
ما زال يحسدني الزمان عليهموأنا بأسهم كيده مرشوق
حتى غدت أيدي الفراق تقودنيلتحيط بي من بعد ذاك فروق
بلد بها عز الخلافة مانععن أن ينال مرامه مخلوق
ما لم يكن عضداً له ذو همةعليا بعيني سؤدد مرموق
وكأنني بالمبتغي متيسراًمفت به المجد الأثيل حقيق
فرد المعارف والمكارم من لهأصل بفعل المكرمات عريق
من شب في حجر الفضائل والتقىيسمو على كل الورى ويفوق
من لا يزال يجول في أفكارهفهم لتنقيح العلوم دقيق
ويسوقه لمكارم الأخلاق أنيختارها ويحبها التوفيق
من ليس مثل أبيه بين مشايخالاسلام بالمجد الرفيع خليق
فرد مضى لسبيله وكأنهفيما أكنّ من التقى الصديق
إن رمت تدري هديه فانظر إلىهدى ابنه يبدو لك التحقيق
فهو السعيد بنيل كل فضيلةيقفو بها نهج السداد طريق
تالله لي فيه أكيد محبةعقدي عليها في الفؤاد وثيق
يا خير من منه لمن يرجوه فيحاجاته وجه النجاح طليق
ما خاب مثلي في المجئ لبلدةولها بمثلك بهجة وشروق
فاسعف أخا ثقة بجاهك إنهوافاك ملهوفاً وأنت شفيق
لا زلت للمرجوّ خير مؤمّلما ماس غصن في الرياض وريق
وله أيضاً وقد كتبها إلى فتحي أفندي الدفتري
هبّ النسيم فللصبوح فهاتهوأدره ممزوجاً بريق شفاته
سيال ياقوت حكى أو ذائباًمن خالص الابريز في كاساته
يصفو عن الأكدار راشف كأسهكصفائه عنها لدى حاناته
هات أسقنيه والهزار مردّدفي الروضة الغنا فصيح لغاته
وأصخ إلى الناي الرخيم ممازجاًللعود والسنطير في دقاته
في روضة عبث الصبا من غصنها الممشوق منه القدّ في عذباته
قد كاد يحكي في الملاحة قدّ منتهوى لو أن البدر من ثمراته
إنّ احمرار الورد فيها خجلةمن نرجس يرنو إلى وجناته
يحظى بصرف همومه في ضمنهامن يصرف الدينار في لذاته
هذا هو الأنس الذي من نالهيسهو عن المكروه من أوقاته
كم شنّ غارات عليّ وقلماأمسى خليّ البال من غاراته
حسدتني الأيام إذ أنا ساحبذيل التنعم في فضا ساحاته
وأسرّح الطرف المقرّح جفنهمن بعد مس البعد في جناته
في قصره السامي الذي قصر الهناوجميع ما يهوى على غرفاته
لله ذاك السلسبيل وقد غدايجري لجين الماء فوق صفاته
ما زال وارده يرد عليه منماء الحياة به لذيذ حياته
عذبت موارده عذوبة طبع منشاد المكارم في ذرى جنباته
من ضم للمجد الأثيل معالياًقعساء غرّاً نالها من ذاته
ذو مجلس جمع المفاخر كلهالكنّ أنس النفس بعض صفاته
فيه من الأدباء خير عصابةيحشون سمعهم بدرّ نكاته
وأباح كيس المكرمات لأنهيتلو عليه الفتح من آياته
كم جاس موقف شدّة لم يثنهأو يثني الجوّاس بيض ظباته
سل عمراً المشهور عن اقدامهواسأل ليوث الغاب عن عزماته
قد نال كل الجدّ في حركاتهوخلا مع التدبير في سكناته
نظمت في سمط القريض فرائداًمنها تعلق في طلي أبياته
فأنا لذاك وإن أكن عن ذاتهناء فلي أنس بقرب صفاته
وحياته لو لم امتع خاطريفيها لمتّ من الآسى وحياته
فالعبد بعد فراقه لفراقهمتفتت الأكباد من زفراته
لا زال ذاك الربع مغموراً بمايسدي إليه الله من بركاته
وله من قصيدة امتدح بها والدي عند ختم درس الهداية بالسليمانية مطلعها
ملأ الوفاض من القلوب وفاضافضل غدوت لدرسه تتقاضى
أحبب بعلم حث ريش البحث فيما لم يجئ فيه النبئ وهاضا
ألقاه عن فهم توقد فطنةمن لا يزال إلى العلا نهاضا
بكر إليه تجد لديه مباحثاًفي الفقه كادت أن تكون رياضا
وترى الشفا من داء جهل بل ترىإن جئت مجلسه الشفا وعياضا
أبحاثه لم تبق في جفن الهدىبهداية يعني بها أغماضا
إن يبد صاحب بدعة حججا علىما يدعيه يرى لها دحاضا
هو جوهر في الفضل فرد والسوىأن قوبات فيه غدت أعراضا
كم قد أفاق سهام فهم ثاقبعند الجدال فأنفذ الأغراضا
ما أن يرى عما يباين شرعةلنبينا خير الورى يتغاضى
بل لا يزال إلى إزالة ما بهفي الشرع بعض حزازة ركاضا
ومن شعره
يا منكراً حركاتنا في حب منأفديه من بين الأنام بروحي
هو قد أصاب حشاي سيف لحاظهحتى أضر بقلبي المقروح
ذبح الفؤاد وليس ينكر ذو حجىأن تصدر الحركات من مذبوح
وله أيضاً
بانخفاض وغربة يرتقي الحرالعلا راغماً لأنف الأعادي
إنما المرء من تغرب أضحىعقد درّ يناط في الأجياد
وهو من قول ابن قلاقس
سافر إذا حاولت قدراًسار الهلال فصار بدرا
والماء يكسب ما جرىطيباً ويخبث ما استقرا
وممن مدح الغربة وذم الاقامة في دار الهوان الأديب الحكيم الأندلسي حيث قال
إذا كان أصلي من تراب فكلهابلادي وكل العالمين أقاربي
وأنشد الآخر
ولا يقيم على ضيم يراد بهإلا الأذلان غير الميّ والوتد
هذا على الخسف مربوط برمتهوذا يشج فلا يرثى له أحد
وللطغرائي من قصيدته المشهورة
إن العلا حدثتني وهي صادقةفيما تحدث إن العز بالنقل
لو كان في شرف المأوى بلوغ منيلم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل
وللشيخ محمد المناشيري الدمشقي
كثرة المكث في الأماكن ذلفاغتنم بعدها ولا تتأنس
أوّل الماء في الغدير زلالفإذا طال مكثه يتدنس
وهو من قول البديع الهمذاني الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه وقال أبو فراس
إذا لم أجد في بلدة ما أريدهفعندي لأخرى عزمة وركاب
وأنشد الآخر
وربما كان ذل المرء في بلدلعزه في بلاد غيرها سببا
وقال بعضهم
ليس الرحيل إلى كسب العلا سفراًبل المقام على ذل هو السفر
وأنشد بعضهم
والمرء ليس ببالغ في أرضهكالصقر ليس بصائد في وكره
وكتب صاحب الترجمة لبعض أحبابه
مرارة اليأس أحلى في المروءة منحلاوة الوعد إن يمزج بتسويف
فاختر فديتك للداعي أحبهماإليك لا زلت تسدي كل معروف
وله غير ذلك أشياء كثيرة ولم تطل مدته وكان من أفاضل أهل عصره يغلب عليه حب العزلة والامتناع عن مخالطة الناس حتى لزم في آخر أمره السكنى في حجرة في مدرسة الوزير إسمعيل باشا الكائنة بسوق الخياطين تتردد إليه الطلبة للقراءة عليه والأخذ عنه وكتب بخطه الحسن المضبوط عدة من الكتب ولما توفي السيد محمد سعيد السواري خادم المحيا ومدرس المدرسة المزبورة وجه التدريس المرقوم على صاحب الترجمة فدرس إلى وفاته وكانت وفاته بكرة يوم الثلاثاء سادس صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع