من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
مكي الجوخي
ابن محمد سعيد بن يس بن سليمان بن طه بن سليمان الجوخي الشافعي الحلبي الأصل الدمشقي المولد الفاضل البارع الأديب اللغوي الضابط كان أحد البارعين في الأدب وفنونه وله شعر حسن واطلاع تام في اللغة مع ضبطها وكان يتفحص عن النكات والأحاسن من الأشعار والفوائد ويضبطها مع باع في النحو والفقه وغيره ذا ثروة مشتغلاً بالمتاجرة والاكتساب من ذلك قدم جده يس من حلب إلى دمشق في حدود سنة ستين وألف ونزل في خان الجوخية بدمشق في تجارة فلما بلغ الخبر إلى مفتي دمشق العلامة المولى أحمد المهمنداري الحلبي أرسل بعض خدمه إليه وأنزله عنده وكان يتردد إلى الخان المذكور ويعود يبيت عنده ثم بعد مدة اشترى داراً في محلة مدرسة الباذرائية وتوطن بها وتزوج وصار له أولاد منهم محمد سعيد والد المترجم ثم ولد لمحمد سعيد أولاد منهم المترجم وهو أنجبهم ونشأ في حجر والده وقرأ القرآن على الشيخ حسين البيتماني وأخذ عن غيره ثم طلب العلم واجتهد في تحصيله فقرأ على الشيخ محمد الغزي وهو أول شيخ أخذ عنه ورباه وأخذ عن غيره من جماعة أفاضل أجلاء وارتحل إلى حلب وأخذ عن عالمها الشيخ طه الجبريني والشيخ محمد المواهبي ولما حج في سنة ثمانين ومائة وكان والدي في تلك السنة حاجاً وكنت مع والدي وكان سني دون البلوغ فأخذ عن علماء الحرمين وصار له تآليف فاختصر شرح الأذكار للنووي واختصر شرح الصدور وله مجاميع وشعر وفوائد وله ضبط في اللغة والأدبيات وغير ذلك وله ديوان شعر وبالجملة فقد كان من أدباء ذلك القرن ومن شعره الباهر ما مدح به الجناب الرفيع ﷺ بقوله
بك يا سيد الأنام التجائيوعياذي من طارق اللأواء
يا ضياء الوجود يا رحمة اللهـ التي ترتجي لكشف البلاء
يا نبيّ الهدى وخير البرايامن حباه الآله بالاسراء
يا مغيث الملهوف يا من بعلياهـ التجأنا في البؤس والضراء
أنت شمس العلوم بحر العطايامنبع الفضل سيد الأنبياء
أنت مصباح كل جود وتهدىكل سار إلى الطريق السواء
فنداك المأمول في كل ضيقومرجي بشدّة ورخاء
لك أشكو من ضعف حالي إنيأرتجي لمحة تزيل عنائي
كن ملاذي في النائبات مغيثيمن صروف الزمان والبلواء
فعليك الصلاة بعد سلاممعآل وصحبك النجباء
ما تغنت حمائم الروض صبحاًأو سرى البرق في دجى الظلماء
وقوله من نبوية أيضاً
ويح قلبي من غزال شردامن جفاه كم أرى عيش ردى
بعت روحي في هواه رغبةذبت من شوقي عليه كمدا
كيف أسلو وهواه قاتليوجفوني شابهت قطر الندى
قلت يا من بالجفا أتلفنيجد بوصل ولك الروح فدا
وأبحني نظرة أشفي بهاكبد أذاق العنا والنكدا
أنا راض بالذي يفعلهجوره عذب وإن لج العدا
وبأكناف الحمى لي جيرةحبهم فرض على طول المدى
قمت ليلاً في روابي شعبهمكي أرى نحو حماهم منجدا
أنشد الحيّ فلم ألف بهمن مجيب مسعد إلا الصدى
قلت هل أبصرت ظبياً شرداًقال هل أبصرت ظبياً شردا
يا لقومي إنني ذو شغففي هواه وهوى الغيد ردى
ومنها
ثم عرّج نحو وادي طيبةلحمى طه التهامي أحمدا
إن لي قلباً لدى أطلالهشجا في حلل الوجد ارتدى
سيد الأكوان ذو المجد ومننرتجي منه لنا فيض الندى
يا رسول الله يا غوث الورىيا سراجاً للمعالي والهدى
أدرك أدرك مستهاماً دنفالك شوقاً ليس يحصي عددا
قد وردنا نرتجي فيض الرضاومن الجدوى طلبنا المددا
فعليك الله صلى دائماًما حدا الحادي وما الطير شدا
ولصاحب الترجمة
ويلاه من رشأ تهفو النفوس لهحلو الشمائل يسبينا بطلعته
نسج بعارضه أم أحرف رقمتفوق اللجين فراقت حسن بهجته
كأنما نملة مشت أناملهاعلى مداد فدبت فوق وجنته
هو من قول الشيخ عبد الرحمن الموصلي
أنبت عذار أم شقائق روضةمشى فوقها نمل بأرجله حبر
وهو ناظر إلى قول العارف الشيخ أيوب
انظر إلى السحر يجري في لواحظهوانظر إلى دعج في طرفه الساجي
ر انظر إلى شعرات فوق وجنتهكأنما هن نمل دبّ في عاج
ومن ذلك قول بعضهم
كأن عارضه والشعر عارضهآثار نمل بدت في صفحة العاج
توحلت في لطيم المسك أرجلهافعدن راجعة من غير منهاج
وما أحسن قول البارع أحمد الشاهيني
دب العذار بخدّه ثم انثنىفكأنه في وجنتيه مروّع
نمل يحاول نقل حبة خالهفتمسه نار الخدود فيرجع
وللمترجم متغزلاً
أقسمت بالدر من ثغر وما نسقاوالخال من خدّه الباهي وما عبقا
وليل شعر على الأجياد منجدلوبارق من ثناياه لقد برقا
ما شمت قط لباهي حسنه شبهاًبين الظباء فسبحان الذي خلقا
هو الغزال فما أحلى تلفتهكم عاشق هام فيه مذله عشقا
يسبي العقول إذا ما ماس في حللمن الجمال وكم قلب به علقا
مقسم الوجه منه البدر مفتضحأنى يضاهيه بدر تمّ واتسقا
فاق الحسان سنى من نور غرّتهفلاح في بدر تم فوق غصن نقا
أفديه ذا هيف يرنو لعاشقهكالظبي ملتفتاً كالغصن ممتشقا
ذو مبسم برد قد راق منهلهوالمسك من طيبه الفوّاح قد نشقا
أعيذ طلعته من شرّ حاسدهوغاسق وعذول لومه غسقا
قد ماس في حسنه يختال متشحاًومال في تيهه عجباً وما رمقا
وراش لي أسهماً من هدب مقلتهأصمت فؤاد المعنى عندما رشقا
يا ويح قلبي مما قد لقيت أسىفي حبه زاد وجدي والحشا خفقا
يا أيها المعرض المسبي بقامتهرفقاً بقلب كئيب زدته حرقا
كسوت جسمي نحولاً في هواك ولميدع صدودك والهجران لي رمقا
كم ذا أقاسيه من فرط الغرام ومنتلوّع واصطباري عنك قد نفقا
عطفاً على صبك المضني الشجي كرماقد طلق النوم جفني واكتسى أرقا
وجد بوصل فدتك الروح يا أمليوارحم حشاء بنيران الجوى احترقا
وله مخمساً
قفا ننشد الأحباب علّ الندا يجديبسفح اللوى والبان من علمي سعدي
وقولاً إذا ما هيمنت نسمة الرندألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
لقد زادني مسراك وجداً على وجدي
إذا ما وميض البرق لاح وأوضحاوأبدى حديث الشوق عني وصرحا
أهيم بذكراهم وجسمي قد انمحىوإن هتفت ورقاء في رونق الضحى
على فنن غض النبات من الرند
أحن إلى الأوطان من ذلك اللوىوقلبي بنار الهجر وجداً قد اكتوى
فأوّاه من وجدي ومن لوعة النوىبكيت فأبكاني الذي بي من الجوى
ومن شدة البلوى ومن ألم الفقد
أهيل الحمى ظهري لبعدكم انحنىنأيتم فبات القلب يشكو من الضنى
وقلتم بأن الصبر يعقبه المنىبكل تداوينا فلم يشف ما بنا
على أن قرب الدار خير من البعد
رحلنا عن الأوطان رحلة طامعوقلنا حداة العيس جدّوا بوالع
عسى ندرك المأمول من غير مانععلى أن قرب الدار ليس بنافع
إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ
ومن نثره وقد أرسل بها إلى بعض أصحابه لأمر اقتضى ذلك حرس الله تعالى جناب سيدنا نتيجة الزمان ومعدن الفضائل والعرفان ومحير أرباب اللسن بطلاقة اللسان والسالب برقة ألفاظه كل انسان الرفيق الكامل الذي تعقد على مثله الخناصر وتشد الأنامل من قلد جيد الزمان بالأيادي وأخرس بفصاحته سحبان وقسا الأيادي وأخجل سحب الغمام بالأيادي وأروي بمورده العذب كل صادي أما بعد فمتى غابت شمس الود حتى اكفهر ليل المقاطعة واسود ومتى تقشع سحاب المحبة حتى لم ينبت في رياضها حبه ومتى كان هذا الجرح حتى اندمل ومتى سل حسام المحاربة حتى كل وفل ولكن إذا كان المحب قليل الحظوظ فكل ما يبديه بعين السخط ملحوظ
إذا كان المحب قليل حظفما حسناته إلا ذنوب
وعين الرضا عن كل عيب كليلةكما أن عين السخط تبدي المساويا
أما والذي أبكى وأضحك والذيأمات وأحيا والذي أمره الأمر
ما صاحبتك طمعاً فيما في يديك ولا واخيتك للاعتماد عليك والاحتياج إليك ولا تقربت إليك لتنقذني من المهالك ولا واددتك لتواسيني بمالك ولكني كنت أعدك عدة للأعدا وأعدك إذا عدت الأصدقاء فرداً وأفزع إليك إذا اشتد الكرب وأشكو إذا أعضل الخطب أموراً يتوجع منها القلب
ولا بدّ من شكوى إلى ذي مروءةيواسيك أو يسليك أو يتوجع
من غص داوي بشرب الماء غصتهفكيف يفعل من قد غص بالماء
كنت في كربتي أفرّ إليهمفهم كربتي فأين الفرار
على أنني ما أنكرت ودك المستطاب ومعروفك الذي هو أصفى من الشراب ولا جحدت ما أثقلت كاهلي به من الأيادي بل ذكرتها ونشرتها في كل نادي
إذا محاسني اللاتي أدل بهاكانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
شعر
لست أشكو من امتناعك عنييا منى القلب حين عز الاياب
سوء حظي أنالني منك هذافعلى الحظ لا عليك العتاب
فإذا كان هذا الأمر اقتضاه الحال فحلمكم أوسع وإن اتسع المجال والصديق هو الذي يعد للشدة والضيق والرفيق هو الذي يكون بالرفيق رفيق
أعلى الصراط تكون منك مودّةأم في المعاد تكون من خلاني
إني قصدتك للشدائد فانتبهوالأمر في الأخرى إلى الرحمن
فيا سيدي ما هذا التجني والأعراض والتسخط والانقباض فبعض هذا الجفاء يا مولاي مقنع وأقل ما رأيته منك للقلب مؤلم وموجع
فلا خير فيمن غير البعد قلبهولا في وداد غيرته العوامل
ولقد أكثرت في الالحاح والطلب وأزعجت نفسك غاية الازعاج وأتعبتها غاية التعب وحملتها ما لا تطيق وأوقعتها في أشد الضيق فإذا كان هذا الأمر سريع الفرج فلا يكن في صدرك حرج
وخفض عليك فإن الأموربكف الآله مقاديرها
شعر
غصص الحياة كثيرة ولقدتنسى الحوادث بعضها بعضاً
ولقد بلغنا من بعض الأحباب إنك أكثرت من الملامة والعتاب فسبحان الله ما هذا القلق والاضطراب كإنما تقطعت بيننا العلائق والأسباب أم هل سمعت إنها ضاقت بنا المذاهب أم قصرت يدنا عن درك هاتيك المطالب أم أخبرت اننا على جناح سفر
أم جحدنا حقاً في قبلنا اشتهر أم عرفنا بالمطل والافلاس أم اشتهرنا بأكل أموال الناس وذكرت أن أباك وبخك على صحبتنا لهذا الأمر الخطير وعيرك بمودتنا غاية التعيير كأنه ظن أننا انتسبنا إليك لتواسينا بمالك أما علم إننا بفضل الله غنيون عن ذلك وقد اعتذرت عن ذلك بأعذار لا تقبل بناؤها أو هي من بيت العنكبوت لا يستقر لها حقيقة ولا ثبوت ولكن لما رأيتك ألححت غاية الالحاح في الطلب وأبديت ما كمن من الغضب وأظهرت من النفرة ما فيه نهاية العجب وقطعت للمودة كل سبب ورأيت أن تركنا أولى وأنسب فلذلك اقتحمت هذه الأخطار وتعللت بنسج الأعذار لأنظر انتهاء هذا الأمر وأطلع على مكنون هذا السر وأتحقق حقيقة صحبتك وأنتهي إلى نهاية مودتك فإن في هذا الباب تذكرة لأولي الألباب وفي التتبع والاستحضار تبصرة لأولي الأبصار
الشيء يظهر في الوجود بضدهلولا الحصى لم يبد فضل الجوهر
ألم تر أن العقل زين لأهلهوأن تمام العقل حسن التجارب
وأن النقود تظهر ما كمن للوجود وتنقد الرجال وتترجم عن حقيقة المال وتفرق بين الصويحب والصاحب وتبين الصادق في محبته من الكاذب كما قال من جاء بالحجة البيضاء فيمن مدح عنده هل عاملته بالصفراء والبيضاء هذا والمرجو عدم المؤاخذة بما نطق به لسان اليراع وأودعه في سطور الطروس على أكمل ابداع وإن أخطأنا فالصفح من جنابكم مأمول والعذر عند أمثالكم مقبول والسلام فأجابه عنها بقوله
رسالة ودّ من محب لقد أتتمن الفضل والآداب خالصة السبك
حوت حكماً أبدت نهاية فحرهوسؤدده بين الأنام بلا شك
فكم مفخر في طيها غير مفترىبه ضاع نشر الروض والطيب والمسك
وكم نطقت عتباً نشا عن ديانةوأفصح لوم عن سماحته تحكي
مخدرة يهدي بها كل عاقلمهذبة تستوجب النسخ بالصك
يلين لها الطبع الشديد لأنهامحببة إذ تنتمي لذوي الملك
تراكيبها محمودة فلذا غدتمسهلة لكنها من سنامكي
فيالها من رسالة تنبئ عن قصارى أمر منشيها ومطمح نظر مبديها ومنشيها فكم أطنب فيها لنيل مناه وأبدى حكماً هي نهاية شرفه وعلاه فهي تنادي بأفصح عباره لا بالطف اشاره
ظلم الذي يعزي التجار إلى العلاحسب التجار دفاتر الحسبان
همم لهم بين النقود وصرفهاوالسعر والمكيال والميزان
ولقد أمسكت عما به أطنبت وأغربت وأعرضت عن جواب ما أبديت وأعربت واخترت الايجاز على الاطناب لأن الوقت غير مستطاب والمحل غير قابل للخطاب على أن ترك الجواب أولى من الجواب وفي هذا القدر كفاية وفي امساك عنان اليراع صواب انتهى ومن شعر المترجم ما كتبه إلي مادحاً بقوله
يا تائهاً ببديع لفظ كلامهوبنثر درّ من جمان نظامه
وبحسن آداب ورونق منطقوبما حواه من ذكا أفهامه
خضعت مصاقع عصره لما رأوافضفاض فضل فاض من انعامه
فغدا الفصيح لديه أبكم عاجزاًوتبين الملسان من تمتامه
وانقادت الفصحاء طوع يمينهوغدت له منقادة بزمامه
وأهاله من أروع وسميذعأربت فضائله على أقوامه
لما رأوه فاق كل مهذبكل أطاع بلفظه وبهامه
فاق الألى ورقى العلا بشهامةفغدا لعمرك شامة في شامه
وإذا ثوى في مجمع أو محفلفتراه بدراً كاملاً بتمامه
لا بدع فهو الشهم نخبة دهرناوخليلنا المفضال في اعظامه
نجل الكرام إلا مجدين بلا مرامن قد سموا كالبدر مع أنجامه
ورث الفضائل كابراً عن كابربل نال فخر المجد يوم فطامه
من عمني من فضله بهديةمن جوده بل من ندى انعامه
يمضي الزمان ولا أقوم بشكرهحسبي بذاك سموّه بمقامه
فالله يوليه الجزاء من فضلهويعمه بالفيض من اكرامه
وتدوم رفعته على أقرانهبمزيد عز شامخ بدوامه
مولاي إني قد أتيتك زائراًومهنئاً بالعيد في أيامه
تحيا وتبقى في سرور عائداًفي طيب عيش في مدى أعوامه
ما بلبل الأفراح قام مغرّداًفوق الغصون الملد في ترنامه
وكتب إلي يطلب مني مبراة أقلام
يا سيداً حاز من كل الفنون ومنبديع خط كذا آلات أرقام
أرجوك مولاي مبراة تساعدنيعلى الكتابة في اصلاح أقلامي
وكتب إلي أيضاً مرة قوله وقد عاقه المطر عن زيارتنا
أيا مولى له شوقيومالي عنه مصطبر
مرادي أن أزوركمولكن عاقني المطر
ومثل ذلك جرى لي لما كنت في الروم حصل في بعض الأيام مطر وثلج وكان قد دعاني أحد مواليها إليه فكتبت إليه معتذراً عن الزيارة بقولي
أمولاي يا شمس المحامد والبهاويا واحداً حاز المعالي مع الفخر
إلى بابك العالي أروم زيارةفتمنعني الأقدار بالثلج والقطر
فلا تك للداعي المرادي مؤاخذاًفمثلك من يعفو عن الذنب والوزر
وكتب المترجم إلي أيضاً ضمن رسالة قوله
أما والله يا بدر المعاليومن قد جاد لي ببديع حبك
ومن أولاك مكرمة ومناوصير جنتي بنعيم قربك
لأنت أعز من طرفي وقلبيفسل عما أقول شهود قلبك
ويوم لا أرى ذاك المحيايلوح فذاك يوم عند ربك
وكان بدمشق غلام عراقي بغدادي أسفر وجهه المنير وراق رونق جماله النضير فأنشد المترجم فيه مخبراً عما في الضمير قوله
أفدي عراقياً تملك مهجتيباهي الجمال كبدر تمّ مشرق
فنحوت غرباً أبتغيه مموّهاًعن عاذلي والقصد نحو المشرق
وأنشد فيه غيره من أدباء دمشق فمنهم السيد حسين بن حمزة الدمشقي الحسيني فقال
أرنو إلى وجهك من غايةقصوى وأرضى بقليل النظر
ويقبل الليل فيخفى سنيوجهك عن عيني ويعشى البصر
فلم ترى يخفيه وهو الذيمن شآنه اظهار نور القمر
وللمترجم في مدح باب السلام
يا حبذا باب السلام فإنهاهي جنة تجري بها الأنهار
فاقت على نزه الشآم نضارةوبوصفها قد حارت الأفكار
يترقرق الماء الزلال بها كأعمدة الرخام طفا عليه غبار
وكأنما الأمواج حين تتابعتسفن جرت وتسوقها الأقدار
سلسالها عند الهواء نخالهكالثلج يصعد قد علاه نضار
يا حسنها من روضة وغصونهاقد غرّدت من فوقها الأطيار
ونسيمها وخرير صوت مياههاتجلي بها الأحزان والأكدار
لا سيما زمن الربيع وزهرهتهفو النفوس إليه والخطار
من أمها يبغي التنزه قائللو كان لي قصر بها أو دار
لكنها بمكاره حفت لذايأتونها في خلسة أخيار
أنعم بها من نزهة أنست بها الأحباب والخلان والسمار
يا صاح عرّج نحوها مستأنساًما تشتهي فيها وما تختار
وزاره صاحبه الشيخ عبد الله الطرابلسي المتقدم ذكره في هذا الكتاب وذلك نهار عيد الأضحى وكان يوماً ممطراً فقال المترجم في ذلك
زارنا معدن الفنون صباحاًفحبينا به الأماني صباحا
كان عيدان من تلاقيه عيدوبعيد الأضحى ألا عم صباحا
خلت شمساً في حيناً قد أضاءتأو كبدر التمام في الأفق لاحا
أدهش الناظرين نور سرورمن لقاه وجدّد الأفراحا
ياله من نهار أنس منيرقد وقينا من لطفه الأتراحا
زارنا الغيث حين زار ووافىبسرور فأنعش الأرواحا
وسحاب الهناء أمطر درّاًحيث حوض السرور كان طفاحا
هو عبد الله المحب الذي قدبلغ القلب في هواه نجاحا
ماجد وابن ماجد قد تسامىبمعان منها رأينا الفلاحا
ياله من مهذب وأديبلم يزل طيبه لنا فوّاحا
ذي نظام يفوق عقد اللآليلنحور الحسان كان وشاحا
ففؤادي بحبه ذو امتزاجوبه عنبر المحبة فاحا
يا أديب الزمان لطفاً ويا منلفظه جوهر يفوق الصحاحا
هاك أبيات مدحة من محبفيك بالحب قلبه قد باحا
فعليها أسدل ثياب التغاضيثم بالعفو كن لها مناحا
ثم سامح أخاك بالصفح فضلاحيث ألقى لديك منه السلاحا
وابق في نعمة وطيب حبورما هزار في روضة قد صاحا
فكتب إليه الطرابلسي المذكور الجواب بقوله
مسك دارين قد شممناه فاحاأم خزامى أم عنبرا أم أقاحا
ولآل تنظمت أم نجومأم شموس ضياؤها قد لاحا
وضروب الألحان ما قد سمعناأم تغني طير الرياض وصاحا
أم مدام قد أشرقت بكؤسعطرت من شميمها الأقداحا
أم نظام كالدر أشرق حسنافغدا للنفوس منا وشاحا
من معان تفوق سحر المعانيومبان تهيج الأرواحا
لا عد مناك من أديب أريبولبيب يجلي اللآلي الصحاحا
صغت عقداً يفوق حلي العذارىأم نظاماً يبدي المعاني الصحاحا
فأضاءت منها شموس المبانيحيث أمسى نظامها وضاحا
فأقبل الآن مدحة من محببنظام لم يقبل الاصلاحا
وابق في العز ما تغنت حمامحيث يبدي الهنا لك الأفراحا
وكتب المترجم إلى الشيخ سعيد الجعفري الدمشقي بعد عتاب جرى بينهما لأمر كان بقوله
عتابك لي أشهى من المنّ والسلوىلقلبي وأحلى في المذاق من الحلوى
بنظم كسلك الدرّ بل هو جوهريلوح على القرطاس من رصفه أضوا
أرق من الصهباء في الكاس إذ صفتفبت بها نشوان لا أعرف الصحوا
أتى من ذوي الأفضال والمجد والتقىوحاوي كمال السبق في العلم والتقوى
فسرّحت هذا الطرف في طيّ نشرهفدلت خوافيه عليه من الفحوى
فإني وأيم الله منذ عرفتكممقيم على صدق الوداد بلا دعوى
وقد غرست أصل المحبة بينناوغصن ثمار الود رطب فلا يذوى
فلا زلت يا ذا الفضل تسمو برفعةتدوم مع الاقبال تحبوك ما تهوى
فكتب إليه الجعفري المذكور الجواب بقوله
فداؤك مني الروح ذا الفضل والتقوىجوابك لي أحلى من المن والسلوى
بلى هو أمياه الحياة لوامقعلى رمق أبقاه بالصد من يهوى
فما اللؤلؤ المنضود ما الجوهر الذيتنوب مناب النيرين به الأضوا
وما الخمر ما برد اللمى ما عذيبهترشفه الولهان من رشا أحوى
بأشهى وأحلى من عذوبة لفظهحباني بخمار اعتذاراته الصحوا
وأخبر أن الودّ ما شاب صفوهسلوّ ففيه القلب لا يقبل الرشوا
أجل ففؤاد العاشقين محررصفاء لميزان المعاملة الأقوى
وما الغرّ يا بدر العلا مثل أروعبمضمار حسن الودّ قد أدرك الشأوا
وإنك في العيوق عندي رفعةولا غرو إذ حزت العلا أنت لا غروا
وإني يا خدن المودّة جازمبأنك في ذا الود ذو الرتبة القصوى
وإني ما أثبت أمراً مخيلاًوإن يك ذا فالآن أستجلب العفوا
بلى إنني بادرت للمنهج الذينهجت على التحقيق ما كان ذا سهوا
وحاولتكم حسن التقاضي وللادابحسن لقد طالبت نفسي بالنجوى
فدم في ذرا العز المؤبد راقياتقرطق آذان الفهوم بما تهوى
وللمترجم غير ذلك وكانت وفاته في سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف وجاء تاريخها نال الرضى مكي ودفن بتربة باب الصغير رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع