من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
مصطفى اللقيمي
ابن أحمد بن محمد بن سلامة بن محمد بن علي بن صلاح الدين المعروف باللقيمي الشافعي الدمياطي نزيل دمشق الشيخ العالم الفاضل الفرضي الحيسوب الكامل الأديب الناظم
الجهبذ النقاد العابد التقي الماجد الأوحد الزاهد العفيف ولد بدمياط في ربيع الأول ليلة الجمعة بين العشائين سنة خمس ومائة وألف وبها نشأ في كنف والده مع أخويه العالم الأديب الشيخ محمد سعيد والأديب المتقن الشيخ عثمان وعليه تخرجوا في سائر الفنون والمترجم أيضاً أخذ وقرأ على جده لأمه العلامة الشيخ محمد الدمياطي الشهير بالبدر وابن الميت من أنواع العلوم وبه تخرج ومنه انتفع وحج مع والده إلى البيت الحرام وأخذ بالحرمين عن العلماء السراة كالشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي والشيخ الوليدي وفي المدينة عن أبي الطيب المغربي أحد المشاهير من المحدثين وقرأ وأخذ عن علماء مصر ودمياط ودمشق وبيت المقدس واستجاز منهم وعمته نفحاتهم وكان يتعاطى المناسخات والمقاسمات بالفرائض والحساب وكان ذا زهد وعفة وديانة وكان يختم في رمضان كل يوم وليلة ختمة وكان على قدم صدق عظيم من التهجد وله من التآليف الرحلة المسماة بموانح الأنس بالرحلة لوادي القدس تحتوي على فوائد ونكت واختصر كتاب الأنس الجليل في زيارة بيت المقدس والخليل وشرح ورد الأستاذ شيخه الصديقي البكري وله التوصل في شرح الصدر بالتوسل بأهل بدر وله رسائل كثيرة في الحساب والفرائض مشهورة وله ديوان شعر جمعه وسماه تحائف تحرير اليراعة بلطائف تقرير البراعة وكانت له اليد الطولى في الأدب ونظم الشعر وعمل التاريخ على سبيل الارتجال وله رسائل أدبية وتحريرات مفيدة غير أنه كان رحمه الله تعالى مطوياً في راحة الدهر يوم كجمعة وجمعة كشهر وبالجملة فقد كان من أفراد دهره وعصره ومن شعره الرائق قوله
سقى سفح قاسون السحائب بالوكفوحياه من فوح الصبا فائح العرف
وغنت به الورقاء تشجي بصوتهافتغنى بمغناها عن الجنك والدف
تروح وتغدو للسرور هواتفاًلتروي أحاديث المسرّة والعطف
جمال كمال منه لاح ضياؤهوفاضت به الأنوار سامية الوصف
زها حسنه الزاهي بحسن مشاهدهي الشمس لكن قد تحامت عن الكسف
معاهد أنوار موائد رحمةموارد أمداد حوت أطيب الرشف
سرينا على طرف اشتياق نؤمهلنسقى كؤس البشر من خمره الصرف
صعدنا إليه كي نفوز بأنسهفنادى منادي الأنس فأووا إلى الكهف
فروض حماه زاهر بمسرةوفيه ثمار الأنس يانعة القطف
سما بأناس جاء في الذكر مدحهموحفتهم أيدي العناية باللطف
هم فتية قد آمنوا بالههمفزادهم هدياً بنور سنا الكشف
نزلنا لديهم نرتجي من نوالهمموانح أسرار لسقم الهوى تشفي
فوافى بشير بالهناء مبشراًلحسن قبول قد تسامى بلا صرف
ومنح فيوض من سحاب سمائهمبأمداد فضل وبله دائم الوكف
فلا بدع إن وافى السرور لأسعدبمدح كرام سرهم للسوى ينفي
فأهديهم مني السلام تحيةبمسك ختام عطره جل عن وصف
تغاديهم ماسح بالسفح أدمعوما مستجير جاء يأوى إلى الكهف
وقوله
شط النوى بأحبتي فجفونيفتواصلت بالمرسلات جفوني
وتصاعدت نار الجوى بجوانحيوالنوم من شوقي جفته عيوني
لولا فراق أحبتي وبعادهمما بت أروى لوعة المحزون
أبغى السرى والعيس عز مسيرهاوالطرق سدّت عن فتى مسجون
يا جيرة طال اغترابي عنهمعنكم رحلت بصفقة المغبون
وسريت أقطع للبلاد سياحةبمهامه رجلاً وفوق متون
فظننت صحبي يحفظون مودّتيبعدي فحابت في الصحاب ظنوني
ودّعتهم أرجو اتصال رسائلمنهم فلم يجد الرجا ودعوني
لم يكفهم هذا التناسي والجفاحتى قلوني بالجفا وسلوني
كم أحتسي منهم سلاف ملامةفي ذوقها رشف لكأس منون
خلوا الملام على البعيد ببعدهودعوا شؤنكم لكم وشؤني
وجدي سما شوقي نما دمعي همانومي انتفى صبري اختفى بفنوني
عطفاً جميلاً وابعثوا برسالةتشفى الفؤاد وبالوصال عدوني
ودعوا التمادي في الوعود تفضلافلقد قضيت من البعاد ديوني
وقوله أيضاً
حبي وحبك للجمال اليوسفيهو خالد وبغيره لا أشتفي
بالبعد تلحاني ولم تر حسنهفإذا نظرت فبعد ذلك عنف
فبخده الورديّ روض قد جنتمنه نواظرنا وإن لم يقطف
وبثغره ماء الحياة لواردفبورده نار الجوانح تنطفي
تحلو محاسنه لناظر وجههوحديثه العذب الهنيّ يلذ في
قد شاقني لما بدا متبسماًبرق الثنايا من عقيق المرشف
ولقد قنعت بكأس خمر حديثهلما منعت من الرحيق القرقف
جاذبته حسن الحديث وجدتهمن كل معنى باللطافة مكتفي
في روضة غنت صوادح ورقهافشقت فؤاد المستهام المدنف
فغنيت من طرب بطيب غنائهاعن مطرب يشجي بحسن تلطف
غنى لنا يا ورق ثم ترنميواجلي على سمعي غناك وشنفي
وقوله
قمر تناهى في مطالع سعدهوزها بأوج الحسن طالع مجده
متوشحاً أثواب تيه معجباًيختال تيهاً في محاسن برده
حاوي بديع الحسن إلا أنهمتلاعب بأخي الهوى في عهده
أفديه ظبياً نافراً متانساًيبدي الدلال بوصله وبصده
إن صدّ خلت النجم دون منالهوإذا دنا نلت المنى من ودّه
مزجت حلاوة وعده بوعيدهمن مزجه هزل المقال بجده
سرق الزهور من الرياض لطافةوعليه عدل شاهد من قده
فالأقحوان بثغره والياسمين بجيده والجلنار بخده
ماء العذيب حلا بمنهل ثغرهواحرّ قلبي للعذيب وورده
يا حبذا لما أتى نحو الحمىجنح الدجى وحللت عقدة بنده
ونشقت عرف المسك من وجناتهوقطفت رمان الربا من نهده
وسكرت من حان الصفا بمدامةمن ثغره السامي حلاوة شهده
عز التقى لما ضللت بحسنهوخفت على فكري مسالك رشده
كيف الخلاص ولات حين تخلصوالصب يستحلي الغرام بوجده
وقوله
أفدي بديع الحسن حالي المنظريزهو حلاه بالمحيا المزهر
سلطان عز في الملاحة مفردجمع المحاسن بالجمال الأزهر
فالوجه منه بالأزاهر جنةبرهانه بالثغر ماء الكوثر
وشقيقه الورديّ عمّ بزهرهخدّا يفوح شذا بخال عنبري
وجبينه البادي بداجي شعرهمتلألئ نوراً كصبح مسفر
والحسن دبجه بثغر أبيضونواظر سود وخدّ أحمر
أسر القلوب هوى بقدّ أهيفوسبى العقول جوى بلحظ أحور
فنواظري في جنة من حسنهلكن قلبي في الجحيم المسعر
يا عاذلاً وافى يلوم بحبهكف الملام فأنت عندي مفتري
وانظر ترى أوصاف حسن جمالهيقضي بها تحقيق صدق المخبر
يا حسنه لما بدا متمايلاًيبدي دلالاً في القباء الأخضر
يسعى إليّ بطاسة مجلوّةقد عطرت مملؤة بالسكر
وغدا ينادمني بأعذب منطقفثملت منه بالحديث المسكر
وتروّحت روحي بأهنى ساعةسمحت بها كف الزمان الأعسر
سقياً لها طابت معاهد ذكرهاما فاح روض بالشذا المتعطر
وقوله عاقداً حكماً
روى عليّ لنا من وعظه حكماًنثراً فأودعتها في عقد منتظم
لو بالنضار على لوح العلا رقمتوكان للحظ جفني موضع القدم
لكان ذا دون ما يقضي المقام بهوكيف لا وعليّ مبدع الكلم
فهذب النفس واصغي للحديث بهاوإن أبيت فما قولي لذي صمم
الملك في الصبر ثم الصبر ناصرهرياسة العلم ثم البرّ في الكرم
وإن ترد راحة لا تحسدن أحداًوالصمت فيه شفا من وصمة السقم
وأخلو فلا تستغب وأنس إذا تليتآي الكتاب فكم فيه من الحكم
وإن ترد رفعة في منهج حسنفبالتواضع ترقى هامة القمم
والشكر ينتجه حسن الرضى أبداًثم الكرامة في التقوى مع اللمم
والصدق في المرء ينشأ عن مروءتهفلا تمن تلق فيه زلة القدم
واقنع تكن عابداً واذكر فإنّ بهثقل الموازين يوم الحشر للأمم
فتلك أربع عشر منه قابلهانظيرها فانتهجها نهج محتكم
وهاكها كلما أبدت لنا حكماًتكفيك معتصماً مع حسن مختتم
وقوله ملغزاً في مشموم
أيا مولى حوى فضلاً وفهماًبفطنته يفوق على اياس
به روض البديع غدا نضيراًوأغصان البلاغة في امتياس
تضوّع نشره فشفى وأغنىبطيب وروده عن كل آس
وطالعه وناظره سعيدلنا من فضله حسن اقتباس
فبالألغاز يكشف ما توارىعن الأفهام في حجب التباس
فديت أين لنا ما اسم نراهلدى التحقيق مفعولاً خماسي
مسمى فيه تفريح لروحويهدي وصفه بعض الحواس
تراه في الربا طوراً وطوراًعلى الأيدي وطوراً فوق رأس
خماسي تركب من ثلاثحوت سبعاً ولم يعرف سداسي
وكل قد تركب من ثلاثثلاث منه فرد في الأساس
قد اتحدت بل افترقت ولكنبترتيب على وضع قياسي
وسادت ضعف ثان أن يصحفومفرده على غير القياس
فواصلها مع التصحيف منهاوقيت البأس في حصن احتراس
مصحفه عليل ليس يشفيولا يجدي لديه حذق آسي
دع الأطراف منه تنال شأواًوتنمو دمت ثوب العز كاسي
وخمساه بقلب فعل أمرأو اسم قد سما بذرى الرواسي
وبالتصحيف لا بالقلب اسمبه الألباب أضحت في احتباس
وبالتصحيف أيضاً ذمّ شرعاًوبالتحريف يمدح بالتناسي
وإن يمزج مصحفه بقلبقضى في حينه بأشد باس
واسميتم به المصحف في الجناس
وباقي الأسم اسم أعجميّويقرأ بأطراد وانعكاس
بمبدئه له صنو عزيزففرّق بينهم بالاختلاس
معرّبه مع التصحيف وصفغدا من درّ لفظك ذا التماس
فإنك بالفراسة ألمعيّوعندك لا يقال أبو فراس
وقوله
أأشكوك الغرام وما أقاسيوقلبك يا مذيقي الهجر قاسي
وفي طيّ الجوانح جمر وجديؤججه التذكر والتناسي
أبانات اللوى عن سحب جفنيسقاك القطر من دون احتباس
فكم لي في ظلالك من مقيلتفدّى أهله مني حواسي
أقمت به وشاطئ وادييهملاعب جؤذر وظبا كناس
فما للعين لم تنظر طلولاًولا رسماً يدل على أساس
أما هذا الديار ديار سعدىأما هذا المعالم والرواسي
أأحلاماً أرى أم عن حقيقتقوّضت الخيام بلا التباس
نعم هذي المعاهد والمغانيفأين بدور هاتيك الأناسي
فإن أقوت فهل لي من سبيلإلى صبر يعلل ما أقاسي
أأبكي أم أجاوب في أنينيحمائم في الدياجر كي تواسي
أساجلها فتعرب عن شجونوتبريح على غير القياس
أتعجب إن قضيت هوى ووجداًوجانبت المؤانس والمواسي
وإني فزت بالقدح المعلىوبلغت المنى من بعد ياس
ووافتني عروب بنت فكربنظم ما قصيد أبى فراس
وكيف وربها حاوي المزاياوخير مؤمل يرجى لباس
ومن فاق الكرام بحسن طبعيفوق رياض نسرين وآس
وفضل كالنجوم الزهر تبدوولكن لن يروّع بانطماس
ومجد شامخ زرّت عليهغلالة ماجد من خير ناس
وآداب إذا تليت أدارتعلينا خمرة من دون كاس
وتنظام شممنا منه عرفاًبه خوط المعاني في امتياس
تخذناه لما نبغي نديماًومشموماً لدى وتر وطاس
وجئنا روضه نرجو انتشاقاًبآناف المنى دون احتراس
فنادانا أنا عرف ذكيّأتيت من الذكي ذي الاقتباس
فقبلناه ألفاً بعد أخرىولم يبرح على عين ورأس
فخذيا واحد الدنيا جواباًوسامح فكرة ذات احتباس
فأين الزهر نيلاً والثرياولكنة بأقل وذكا اياس
ودم في نعمة ورغيد عيشلك الاقبال ثوب العز كاسي
وقوله أيضاً وقد أحسن
دعوني من روض الغرام وظلهفمالي مرام في مساقط طله
وخلوا فؤادي من هوى يسلب الحشافلا أرتضي في راحتي حمل حمله
وروحي لأشفاقي تميل لعزهونفسي تأبى أن تلين لذله
فهيهات من أهواه يعطف دائماًويمنحني لطفاً بلذة وصله
أهل عاقل يرضى ضياع زمانهبسعي غدا يقضي عليه بجهله
فهل غير سير في مسالك ريبةيكون بها لوم عليه بفعله
وهل غير إيقاف مواقف تهمةتميل حبيباً عن مناهج أصله
وهل غير تدبير برأي مذمميرى وصمة للمرء في وجه فضله
وهل غير تعريض بنفس مصانةلمستهدف بالسوء يرمي بنبله
وهل غير ذكر المرء في ألسن غدتتمزق عرضاً عز ادراك وصله
وهل غير أسباب ترى وموانعيلهى بها الانسان عن حتم شغله
وهل غير تعذيب المحب بعشق منيزيد عليه في العذاب بدله
وهل غير فكر في رضاه وسخطهوانجازه بالوعد منه ومطله
وهل غير وجد مع حسين ولوعةوسهد ودمع لانفاد لهطله
وهل غير وسواس يزيد به العناويقضي على الصب الكئيب بخبله
وهل غير واش أو رقيب منغصولوم أخي عذل يسئ بعذله
وهل غير انفاق لمال أضاعهوإن لصديق يقض في نقض حبله
على أنه مع ذي المكاره لم تجدمصاناً على نهج الكمال وسبله
لقد ألفوا نقصاً وزادوا قبائحاًومن حرم الأعراض ولو الحله
فمن يبتغي ودّاً على الصدق والوفالديهم يرجى الشيء من غير أهله
وإني لا أرضى لنفسي ذلةلأرتاض في روض الغرام وظله
وألقى الظمأ مستعذباً ورده إذاغدا الري من نهل التصابي وعله
تركت الهوى حيث الشبيبة ظلهاخصيب فهل أغشاه أبان محله
أأعدل عن طرق الهداية للهوىوأبدل جداّ للوقار بهزله
قد اختار لبي من منا راحة بهاتخلصت من قيد الهوان وعقله
فها أنا مرتاح ولست بسائلمدى الدهر عن جور الحبيب وعدله
وقوله
إن الحكيم الذي للنفس يملكهافلا يرى عابساً في سورة الغضب
وذو الشجاعة عند الحرب تعرفهإذا العداة غدوا في منهج الطلب
وذو الأخا أبداً إن رمت تخبرهعرّج ركاب الرجا في معرض الطلب
وقوله
دنياك بحر عميق لا قرار لههيهات ينجو الفتى فيها من الغرق
فاجعل سفينتك التقوى ومحملهاالايمان واستصحب الناجي من الفرق
واجعل شراعك من حسن التوكل فيسير الطريق وثق بالله تستبق
وقوله أيضاً
انعم صباحاً فقد عوّذت بالفلقمن شر ذي حاسد يرميك بالحدق
بالخال أقسم إذ عمّ الشقيق بهما زلت ولهان في صبحي ومغتبقي
شوقي إليك نما إن كنت تفهمهفابعث فديتك أطباقاً من الورق
من كل أحمر ذي حسن لرونقهيروى إلينا أحاديثاً عن الشفق
وأصفر اللون يحكي جسم عاشقك الولهان وقيت ما لاقاه من أرق
وافى الربيع فأهدى لي لنزهتهراآته السبع إذ منها المشوق صبا
روضاً وراحاً وريحاناً وراقصةًوربرباً ورقيقاً لي وريح صبا
وقوله
لما بدا فإن الملاح بكوكبوجنوده جيش الجمال المفرد
وغدا يرود الصب من لحظاتهسياف جفن صائلاً بمهند
وتنازعت حكماً عليّ جميعهابولاء رق في الورى لم ينفد
حكمت حواجبه عليّ وإننيراض بأحكام الرقيق الأسود
وقوله
من المحال علاج المرء أربعةإن صاحبت أربعاً قد جاء في أثر
الفقر مع كسل والسقم مع هرموالبغض مع حسد والشح مع كبر
وقوله
لوح صدري به هموم سطورمعجمات فليس تقبل شرحا
علها تنمحي براحة بشربعدها تكتب المسرة صحا
وقوله مضمناً
وبي من سرت ريح الشمول بفلكهمصباحاً وأرباب الشمول بها تحدو
وقد أطلقوا منها الشراع وأصبحتتمرّ مرور الطير في السير إذ تغدو
ومدّ سحاب البين بيني وبينهمسرادق من بعد يطرّزها الصد
وعز تلاقينا لبعد مزارناوحكم فيّ الوجد والدمع والسهد
وقد هاجني برق الأبيرق إذ أضاكماها جنى ورق الحمائم إذ تشدو
يحدّثني سعد بمسراهم ضحىفموردهم قدس ومصدرهم نجد
فحدّثتني يا سعد عنهم فزدتنيشجونا فزدني من حديثك يا سعد
وقوله
سألتكما أن تمنحاني تعطفاًفإني بحسن العفو منكم لعارف
ولا تنشرا صحف العتاب لدى اللقافذاك لعمري يوم تطوى الصحائف
وقوله
دعوا العتاب ولا تبدو لأحرفهفما عتابي وإن ترضوه مشكور
إن تنشروا طيّ صحف من عتابكميوم التلاقي فعندي منه منشور
وقوله
واعدتني في العيد حسن زيارةيشفى بها قلبي من الأوصاف
فمضى ولم تسمح بطيب تواصلوالعيد فيه مواسم الأحباب
وقوله
جفا جفني لبعدكم الهجوعوسحت من فراقكم الدموع
وما نار الغضى إذ شط وصلسوى ما تحتوي مني الضلوع
وكيف النار تطفي من لظاهاومن وجدي يهيجها الولوع
تحجبتم دلالاً في جمالأما لشموس حسنكم طلوع
أهيم بذكركم شوقاً لوصلفهل لزمان وصلكم رجوع
وقوله
رب يوم حلا بدوحة حسنمع صحاب على حمى بانياس
حيث بشر يروى أحاديث أنسوسروري وافى وقد بان يأسي
وجرى الماء منه فوق حصاهكلجين يجري على الألماس
وقوله أيضاً
خط اليراع لقد روى لأحبتيبالطرس عني مسند الأشواق
فتسابقت مني الدموع لمحوهخوفاً على طرسي من الأحراق
وله قوله
إن كنت تشكو يا حبيب من الضنىحيث اعتراك من الرشا هجران
جدلي بوصل كي نفوز بوصلهواسمح به فكما تدين تدان
وقوله
يقول لي الورد الجنيّ قطافهقطفت اقتداراً بالأنامل من دوحي
وعز بقائي والأحبة قد نأوافخذ جسدي أفديك وابعث لهم روحي
وقوله
القلب بين توله وتولعوصبابة بتراجم الأشواق
والجفن مع فقد اتصال شهودهيروى صحيح تراجم العشاق
وقوله
ومذ رمت ورداً من عذيب وصالهتثنى يحامي ورده ويذود
فمن لم يرد وادي العقيق لمانعفليس له غير الفضاء ورود
وقوله
أحبتي بدمشق الشام ذبت جوىوالعيش قضيته من بعدكم فكرا
أخال شوقاً لكم أني أحدّثكمفأستفيق فلا ألقى له خبرا
أجرت عيوني دموعي غير عالمةواستخبرت من جواها الدمع كيف جرى
وقوله
ألا ليت شعري تبلغ النفس سؤلهاويغدو لها بالنير بين مقيل
وهل تشهد العينان بهجة سفحهاويشفى فؤادي والنسيم عليل
وقوله
ومن عجب نار الفراق تأججتوأجفان عيني بالمدامع تسفح
وأعجب منها أنني أكتم الهوىودمعي لديوان الصبابة يشرح
وأعجب من هذين حزني على النوىوإن أخا ودّي بذلك يفرح
وأعجب من تلك العجائب كلهابأني على التذكار أمسى وأصبح
وقوله
رحلت بجسمي والغرام مصاحبيوزاد زفير بالحشا وعويل
ووجدي حاد والهيام مطيتيووادي الغضى لي منزل ومقيل
وله أيضاً قوله
سقى الوسمي عهود الجامعيةوحياها الصبا صبحاً عشيه
وغنى بلبل الأفراح فيهابألحان وأصوات شجيه
وأنشقنا النسيم عبير زهريفوق شذا بأنفاس ذكيه
وأشهدنا السعود شموس حسنتزيد سناً على الشمس المضيه
وأرشفنا الهنا كأس التصابيبحان ربى معاهده الزهيه
فيالله من يوم تقضيبمغناها بلذات شهيه
وأتحفنا الزمان بجمع شملبأقمار شمائلهم سنيه
وقد بسط الربيع لنا بساطاًتزركش بالزهور الجوهريه
وبشر الأنس ينبي عن سروربأخبار الصفا والجامعيه
وجدول نهره يروى حديثاًتسلسل بالمياه الكوثريه
يميس به لطيف القدّ أحوىحوى رقى برقته الجليه
فريد الحسن في مصر وشاميذكرنا العهود اليوسفيه
شقائق خدّه تزهو بخالنوافحه شذاها عنبريه
فدته الروح من ظبي أنيسبلفتة جيده صاد البريه
شهدنا حسن مشهده فهمنابمطلع حسن غرّته البهيه
وقوله
يا حسن روض الصالحية إنهصدحت بمنبر دوحه الأطيار
قد أثبتت أنهارها خبر الصفاوروت أحاديث الشذا الأزهار
وقصوره قد زخرفت بمحاسنتجري لنا من تحتها الأنهار
وقوله متشوقاً إلى دمشق
دمشق وما شوقي إليك قليلفهل لي بواديك النضير مقيل
وهل أغتدي يوماً بفئ ظلالهفظلّ رباه للسراة ظليل
وهل أجتلي يوماً محاسن ربوةفمنظرها بين الرياض جميل
وهل أزدهي بالنير بين ودوحهبروض به غصن السرور يميل
وهل ترتوي عيني بمشهد سفحهويضحى فؤادي بالغرام ثميل
وهل لي لسفح الصالحية أوبةفإني لهاتيك الرحاب أميل
نعمت زماناً بالمرابع والحمىوروض زماني بالصفاء بليل
وقد بعدت عني وشط مزارهاومالي إليها بالوصول سبيل
وصبري عفت يوم الفراق رسومهووجدي تبدّي وقت حان رحيل
وقلبي حمول بالجفا متوقدوطرفي همول بالدموع يسيل
وطالت ليال بعد كانت قصيرةبوصل وليل المغرمين طويل
أروّح روحي بالغرام وبالمنىليبرد مني لوعة وغليل
وأبرد قلبي بالنسيم تعلةلديكم وهل يشفى العليل عليل
وله
ولما التقينا والحبيب بحاجروقد عبقت بالطيب منه نسائمه
تبسم عجباً من حديث مدامعيفما برقه الساري به وغمائمه
وحين تثني وانثنيت ترنماتعلم منا بأنه وحمائمه
وقال
وقائلة والبين سل حسامهوقد حاطني للوجد جيش عرمرم
إلى كم بوشك البين أنت مروّعيمتى تنقضي الأسفار والشوق محكم
فقلت لها والدمع مني مسلسلوجمر الغضى بين الجوانح مضرم
دعيني من الاشفاق مالي حيلةإلى جانب الأقدار أمري مسلم
وله أيضاً
أصبح الخدّ منك جنة عدنتزدهي غير دانيات القطوف
وبه إذ زهوره يانعاتمجتلي أعين وشم أنوف
ظللته من العيون سيوفقد غدا ضمنها دواعي الحتوف
لا تخف واستظل تحت حماهاجنة الخلد تحت ظل السيوف
وله غير ذلك من النظم الرائق والنثر الفائق وكانت وفاته يوم الأحد السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وسبعين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح في مقبرة الذهبية تجاه قبر الشيخ أبي شامة ﵁ وقبل وفاته بساعات نظم تاريخاً لوفاته ليكتب على قبره وهو قوله
قبر به من أوثقته ذنوبهوغدا لسوء فعاله متخوّفا
قد ضاع منه عمره ببطالةوالعيش فيه بالتكدّر ما صفا
ماذا ثوى قبر اللقيمي أرخوامستمنح للعفو أسعد مصطفى
سنة واللقيمي نسبة للقيم بلدة بالطائف ونسبة أجداده إليها وللمترجم نسبة إلى سيدنا سعد بن عبادة الخزرجي رضي الله تعالى عنه.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع