من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
أحمد بن عبد الله بن سليمان أبو العلاء المعرى
الصفحة ١ من ٢
كتب إلىّ أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندىّ- ﵀: أخبرنا القزّاز، أخبرنا أحمد بن على فى كتابه قال:
«أحمد بن عبد الله بن سليمان، أبو العلاء التّنوخىّ الشاعر، من أهل معرّة النعمان.
كان حسن الشعر، جزل الكلام، فصيح اللسان، غزير الأدب، عالما باللغة حافظا لها.
وذكر لى القاضى أبو القاسم التّنوخىّ، أنه ورد بغداذ فى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وأنه قرأ عليه دواوين الشعراء ببغداذ.
وقال لى التّنوخىّ: هو أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد ابن سليمان بن داود بن المطهّر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أنور ابن أسحم بن أرقم بن النّعمان بن عدىّ بن غطفان بن عمرو بن بريح بن جذيمة بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
أنشدنى القاضى أبو القاسم على بن المحسّن قال: أنشدنا أبو العلاء المعرّى لنفسه يرثى بعض أقاربه:
غير مجد فى ملّتي واعتقادىنوح باك ولا ترنّم شاد
وشبيه صوت النعىّ إذا قست بصوت البشير فى كل ناد
أبكت تلكم الحمامة أم غنّت على فرع غصنها الميّاد
صاح هذى قبورنا تملأ الأرض فأين القبور من عهد عاد
خفّف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا وإن قدم العصر هوان الآباء والأجداد
سر إن اسطعت فى الهواء رويدالا اختيالا على رفات العباد
ربّ لحد قد صار لحدا مراراضاحك من تزاحم الأضداد
ودفين على بقايا دفينفى طويل الزّمان والآباد
فاسأل الفرقدين عمن أحسّامن قبيل وآنسا من بلاد
كم أقاما على زوال نهاروأنارا لمدلج فى سواد
تعب كلّها الحياة فما أعجب إلا من راغب فى ازدياد
إنّ حزنا فى ساعة الموت أضعاف سرور فى ساعة الميلاد
خلق الناس للبقاء فضلّتأمّة يحسبونهم للنّفاد
إنما ينقلون من دار أعمال إلى دار شقوة أو رشاد
والقصيدة طويلة.
حدّثنى أبو الخطّاب العلاء بن حزم الأندلسىّ قال: ذكر لى أبو العلاء المعرّى أنه ولد فى يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
وكان أبو العلاء ضريرا، عمى فى صباه، وعاد من بغداذ إلى بلده معرّة النعمان وأقام بها إلى حين وفاته، وكان يتزهّد ولا يأكل اللحم، ويلبس خشن الثياب، وصنّف
كتابا فى اللغة، وعارض سورا من القرآن. وحكى عنه حكايات مختلفة فى اعتقاده، حتى رماه بعض الناس بالإلحاد. وبلغنا أنه مات فى يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأوّل، سنة تسع وأربعين وأربعمائة».
انقضى كلام أحمد بن على فى كتابه.
وذكر غيره أن أبا العلاء جدر فى السنة الثالثة من عمره، وكفّ من الجدرىّ.
وقال: لا أعرف من الألوان إلا الأحمر، فإننى ألبست فى مرض الجدرىّ ثوبا مصبوغا بالعصفر، فأنا لا أعقل غير ذلك، وكل ما أذكره من الألوان فى شعرى ونثرى إنّما هو تقليد الغير، واستعارة منه.
ولما كبر أبو العلاء، [و] وصل إلى سنّ الطلب، أخذ العربية عن قوم من بلده، كبنى كوثر، أو من يجرى مجراهم من أصحاب ابن خالويه وطبقته، وقيّد اللّغة عن أصحاب ابن خالويه أيضا. وطمحت نفسه إلى الاستكثار من ذلك، فرحل إلى طرابلس الشام، وكانت بها خزائن كتب قد وقفها ذوو اليسار من أهلها، فاجتاز باللّاذقيّة، ونزل دير الفاروس، وكان به راهب يشدو شيئا من علوم الأوائل، فسمع منه أبو العلاء كلاما من أوائل أقوال الفلاسفة، حصل له به شكوك لم يكن عنده ما يدفعها به، فعلق بخاطره ما حصل به بعض الانحلال، وضاق عطنه عن كتمان ما تحمّله من ذلك، حتى فاه به فى أول عمره، وأودعه أشعارا له، ثم ارعوى ورجع، واستغفر واعتذر، ووجّه الأقوال وجوها احتملها التأويل.
ولم يكن من ذوى الأحوال فى الدنيا، وإنما خلّف له وقف يشاركه فيه غيره من قومه. وكانت له نفس تشرف عن تحمّل المنن، فمشى حاله على قدر الموجود،
فاقتضى ذاك خشن الملبوس والمأكل، والزهد فى ملاذّ الدنيا. وكان الذى يحصل له فى السنة مقدار ثلاثين دينارا، قدّر منها لمن يخدمه النّصف، وأبقى النّصف الآخر لمؤونته؛ فكان أكله العدس إذا أكل مطبوخا، وحلاوته التّين، ولباسه خشن الثياب من القطن، وفرشه من لبّاد فى الشتاء، وحصيره من البردىّ فى الصيف، وترك ما سوى ذلك. ولما عورض فى الوقف المذكور بيد بعض نوّاب حلب سافر إلى العراق شاكيا ذلك فى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
واشتهر ذكره ببغداذ، وقرئ عليه كتابه سقط الزّند، واجتمع بالشريف الرضىّ والمرتضى، ولدى أبى أحمد، وشهدا بفضله وفطنته وفرط ذكائه.
وحضر خزانة الكتب التى بيد عبد السلام البصرىّ، وعرض عليه أسماءها، فلم يستغرب فيها شيئا لم يره بدور العلم بطرابلس، سوى ديوان تيم اللّات، فاستعاره منه، وخرج عن بغداذ، وقد سها عن إعادته، ولم يذكره حتى صار بالمعرّة، فأعاده إليه، وفى صحبته القصيده التائية التى أوّلها:
هات الحديث عن الزّوراء أوهيتاوموقد النار لا تكرى بتكريتا
يقول فيها:
اقر السّلام على عبد السّلام فلىجيد إلى نحوه ما زال ملفوتا
وذكر فيها ديوان تيم اللات فقال:
[سألته قبل يوم السّير مبعثهإليك ديوان تيم اللّات ماليتا]
ولما عاد إلى المعرّة فى سنة أربعمائة لازم منزله، وشرع فى التّصنيف، وأخذ عنه الناس، وسار إليه الطّلبة من الآفاق، وقدّر له ابن أبى هاشم، فكتب عنه تصانيفه من غير أجرة.
وكاتبه العلماء والوزراء والفضلاء وأهل الأقدار، واختاروا عليه التصنيفات ففعل، وكان نادرة زمانه.
ولما دخل إلى العراق قصد من أكابرها الإعانة بجاههم على بلوغ أغراضه؛ من كف من تطرق أذاه إليه فى أمر وقفه، فلم يجد منهم ذلك.
أنبأنا أبو طاهر أحمد بن محمد الأصبهانىّ، أذننا إذنا عاما، قال فى كتابه:
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن الوليد بن غريب الإيادىّ، بالإسكندرية- وأبو محمد هذا، على ما حكاه لى ولد بالمعرّة، ودخل أصبهان وغيرها من بلاد الشرق، ثم استوطن مصر، وقد حج ورأى نفرا من أدباء بلده، وكان يحفظ من شعرهم يسيرا، من جملتهم أبو العلاء التّنوخىّ- سمعته يقول:
دخلت على أبى العلاء وأنا صبىّ مع عمى أبى طاهر، نزوره، فرأيته قاعدا على سجادة لبد، وهو شيخ، فدعا لى ومسح على رأسى، وكأنى أنظر إليه الساعة، وإلى عينيه: إحداهما نادرة»
، والأخرى غائرة جدا، وهو مجدّر الوجه، نحيف الجسم.
وذكر لى أحد نقلة العلم مذاكرة: أن مشايخ الأدب باليمن يذكرون أنّ أبا العلاء كان يحفظ ما يمرّ بسمعه، وكان عنده من الطلبة من يطالع له التصانيف الأدبية، لغة وشعرا وغير ذلك، وكان لا يكاد ينسى شيئا مما يمرّ بسمعه.
ويذكرون أن رجلا منهم وقع إليه كتاب فى اللغة، سقط أوّله، وأعجبه جمعه وترتيبه، فكان يحمله معه ويحجّ، فإذا اجتمع بمن فيه أدب أراه إياه، وسأله عن اسمه، واسم مصنّفه، فلا يجد أحدا يخبره بأمره، واتفق أن وجد من يعلم حال أبى العلاء، فدلّه عليه. فخرج الرجل بالكتاب إلى الشام، ووصل إلى المعرّة، واجتمع بأبى العلاء، وعرّفه ما حاله، وأحضر الكتاب، وهو مقطوع الأوّل. فقال له أبو العلاء: اقرأ منه شيئا. فقرأه عليه. فقال له أبو العلاء: هذا الكتاب اسمه كذا، ومصنّفه فلان، ثم قرأ عليه من أوّل الكتاب إلى أن وصل إلى ما هو عند الرجل، فنقل عنه النقص، وأكمل عليه تصحيح النّسخة، وانفصل إلى اليمن، فأخبر الأدباء بذلك.
وقد قيل إن هذا الكتاب هو ديوان الأدب للفارابىّ اللغوىّ، وهو مضبوط على أوزان الأفعال، ومصنّفه كان يسكن ما وراء النهر. ويقال: إنه خال الجوهرىّ، مصنف كتاب الصحاح. وقيل إن الجوهرىّ خاله، والأوّل أشبه. والله أعلم.
وقرأت على نسخة من هذا الكتاب وردت من ترمذ، بخط خطيب ترمذ، أن الفارابىّ مصنفه مات فى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. وأهل اليمن يهمون فيه،
ويقولون: مات بعد سنة أربعمائة، ويزعمون أنه دخل اليمن. وكأنهم خلطوا، وظنوا أن الذى دخل به من عند أبى العلاء هو المصنّف، وليس كذلك، وإنما هو المصحّح، ولم يحققوا أمره لغفلتهم.
ولأهل اليمن بهذا [الكتاب] عناية تامة: يقرءونه، وينسخونه ويتكلمون على فوائده، حتى شرحه منهم القاضى نشوان بن سعيد، فجاء كتابه فى شرحه كبيرا حسنا، كثير الفوائد، وسماه إعلام العلوم وشفاء كلام العرب من الكلوم.
وشاهدت على ظهر جزء من ديوان الأعشى بخط ابن وداع، وحواشيه بخط أبى عبد الله بن مقلة، فى شهور سنة تسع وثمانين بقفط: أن صالح بن مرداس صاحب حلب، خرج إلى المعرّة وقد عصى عليه أهلها، فنزل عليها، وشرع فى قتالها، ورماها بالمجانيق. فلما أحسّ أهلها التغلّب سعوا إلى أبى العلاء، وسألوه الخروج إليه والشفاعة فيهم عنده، فخرج متوكّئا على يد قائد له. وقيل لصالح: إن باب المدينة قد فتح، وخرج منها رجل يقاد كأنّه أعمى. فقال صالح: هو أبو العلاء! بطّلوا القتال، إلى أن نرى فى أى أمر جاء. فلما وصل إلى الخيمة أذن له، وأكرمه عند دخوله عليه، وعرّفه شوقه إلى نظره. ولما استقر بمجلسه قال له: ألك حاجة؟
فقال له أبو العلاء: الأمير- أطال الله بقاه- كالسيف القاطع، لان متنه
وخشن حدّاه، وكالنهار الماتع، قاظ وسطه وطاب أبرداه. خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
فقال صالح: قد وهبتها لك يا أبا العلاء. ثم قال له صالح: أنشدنا شيئا من شعرك يا أبا العلاء، لنرويه عنك. فأنشد ارتجالا فى المجلس:
تغيّبت فى منزلى برهةستير العيوب فقيد الحسد
فلمّا مضى العمر إلا الأقلّوحمّ لروحى فراق الجسد
بعثت شفيعا إلى صالحوذاك من القوم رأى فسد
فيسمع منّي سجع الحماموأسمع منه زئير الأسد
فلا يعجبنّى هذا النّفاقفكم نفّقت محنة ما كسد
فقال صالح: بل نحن الذين تسمع منا سجع الحمام، وأنت الذى نسمع منك زئير الأسد. ثم أمر بخيامه فوضعت، وبأثقاله فرفعت، ورحل عنها. فرجع أبو العلاء إلى المعرّة، وهو ينشد:
نجّى المعرة من براثن صالحربّ يداوى كلّ داء معضل
ما كان لى فيها جناح بعوضةالله ألحفهم جناح تفضّل
ولما صنف أبو العلاء كتاب اللامع العزيزى فى شرح شعر المتنبى، وقرئ عليه، أخذ الجماعة فى وصفه. فقال أبو العلاء: رحم الله المتنبىّ! كأنما نظر إلىّ بلحظ الغيب، حيث يقول:
كأنّما نظر الأعمى إلى أدبىوأسمعت كلماتى من به صمم
وسمع الجماعة يوما يذكرون بطّيخ حلب، فتكلّف وسيّر من ابتاع له منه حملا، وأحضرهم إيّاه، فأفردوا له منه عددا يسيرا، وتركوه فى سرداب له كان إذا أراد الأكل نزل إليه وأكل مستترا، ويقول: الأعمى عورة، والواجب استتاره فى كلّ أحواله.
ولما كان بعد أيام نزل خادمه إلى تفقّد المغارة؛ [و] وجد البطّيخ بحاله لم يعرض له وقد فسد، فراجعه فى ذلك فلم يجبه. واستدل الجماعة بذلك على أنه ما كان يتفكّه. وربّما كان يتناول ما يقوم بالأود من أيسر الموجودات.
وذكر أنّه نزل إلى السّرداب، وأكل شيئا من ربّ أو دبس، ونقط على صدره منه يسير وهو لا يشعر به. فلما جلس للإقراء لمحه بعض الطلبة فقال:
يا سيّدى، أكلت دبسا! فأسرع بيده إلى صدره ومسحه، وقال: نعم، لعن الله النّهم! فاستحسن منه سرعة فهمه بما على صدره، وأنه الذى أشعر به.
وكان الطّلبة إذا قصدوه أنفقوا على أنفسهم من موجودهم، ولم يكن له من السّعة ما يبرّهم به. وأهل اليسار من أهل المعرّة يعرفون بالبخل، فكان- ﵀ يتأوّه من ذلك، ويعتذر إلى قاصديه.
ولقد قصده من الطلبة رجل أعجمى يعرف بالكردانىّ، وكتب عنه فيما كتب ذكرى حبيب. فتقدم أبو العلاء إلى بعض نسبائه بما كتبه له على الكتاب المذكور وهو:
«قال أحمد بن عبد الله بن سليمان التّنوخىّ، من أهل معرة النعمان: قرأ علىّ هذا الجزء، وهو الجزء الثانى من الكتاب المعروف بذكرى حبيب الشيخ الفاضل
أبو الحسن يحيى بن محمد الرازىّ، أدام الله عزّه، من أول الجزء إلى آخره، ووقع الاجتهاد منى فى تصحيح النسخة، وكان ابتداؤه بقراءته لسبع بقين من شعبان سنة ست وأربعين وأربعمائة، وفرغ من قراءته لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وأجزت له أن يرويه عنى على حسب ما قرأه. ويشهد الله أنى معتذر إلى هذا القارئ من تقصيرى فيما هو علىّ مفترض من حقوقه، والاعتراف بالمعجزة تمنع من اللائمة المنجّزة. وكتب جابر بن زيد بن عبد الواحد ابن عبد الله بن سليمان، بإذن أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرىّ، فى المحرم سنة ثمان وأربعين وأربعمائة».
وأحضرنى بعض البغداذيين بالبلاد الشامية أوراقا تشتمل على ذكر تصانيف أبى العلاء، وتقادير أكثرها، فنقلتها على فصّها، وهى:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
«أسماء الكتب التى صنّفها الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان- ﵀.
قال الشيخ أبو العلاء رضى الله عنه: لزمت مسكنى منذ سنة أربعمائة، [واجتهدت] أن أتوفّر على تسبيح الله وتحميده، إلا أن أضطرّ إلى غير ذلك، فأمليت أشياء تولى نسخها الشيخ أبو الحسن على بن عبد الله بن أبى هاشم، أحسن الله معونته، ألزمنى بذلك حقوقا جمّة، وأيادى بيضاء؛ لأنه أفنى [معى] زمنه، ولم يأخذ عما صنع ثمنه، والله يحسن له الجزاء، ويكفيه حوادث الزمان والأرزاء.
وهى على ضروب مختلفة، فمنها ما هو فى الزهد والعظات، وتمجيد الله سبحانه، من المنظوم والمنثور. فمن ذلك: الكتاب المعروف بالفصول والغايات. وهو كتاب
موضوع على حروف المعجم، ما خلا الألف؛ لأن فواصله مبنية على أن يكون ما قبل الحرف المعتمد فيها ألفا، ومن المحال أن يجمع بين ألفين، ولكن تجىء الهمزة وقبلها ألف، مثل: الغطاء وكساء؛ وكذلك السراب والشباب، فى الباء، ثم على هذا الترتيب.
ولم يعتمد فيه أن تكون الحروف التى بنى عليها مستوية الإعراب، بل تجىء مختلفة.
وفى الكتاب قواف تجىء على نسق واحد، وليست الملقّبة بالغايات؛ وإنما سميت بغاية البيت، وهى قافيته. ومجيئها على قرىّ واحد؛ مثل أن يقال: لهامها وغلامها، وأمرا وتمرا، وما أشبهه. وفيه فنون كثيرة من هذا النوع. ومقدار هذا الكتاب مائة كراسة.
كتاب أنشئ فى غريب هذا الكتاب وما فيه من اللّغة، وهو كتاب مختصر لقبه السادن. ومقدار عشرون كراسة.
وكتاب آخر لطيف مقصور على تفسير اللغز، لقبه إقليد الغايات. ومقداره عشر كراريس.
وكتاب يعرف بالأيك والغصون. وهو كتاب كبير يعرف بكتاب الهمز والرّدف، بنى على إحدى عشرة حالة من الحالات: الهمزة فى حال انفرادها وإضافتها، وتمثال ذلك: السماء، بالرفع، والسماء، بالنصب، والسماء، بالخفض، سماء، يتبع الهمزة التنوين، سماؤه، مرفوع مضاف، سماءه، منصوب مضاف، سمائه، مجرور مضاف، ثم سماؤها [وسماءها] وسمائها، على التأنيث، ثم همزة بعدها [هاء] ساكنة، مثل: عباءة وملاءة. فإذا ضربت أحد عشر فى حروف المعجم الثّمانية والعشرين
خرج من ذلك [ثلاثمائة فصل وثمانية فصول]. وهى مستوفاة فى كتاب الهمز والرّدف.
وذكرت فيه الأرادف الأربعة بعد ذكر الألف، وهى الواو المضموم ما قبلها، والواو التى قبلها فتحة، والياء المكسور ما قبلها، والياء التى قبلها فتحة. ويذكر لكلّ جنس من هذا أحد عشر وجها، كما ذكر للألف. ويكون مقدار هذا الكتاب ألفا ومائتى كراسة.
والكتاب المعروف بالفصول. ومقدار هذا الكتاب أربعمائة كراسة.
والكتاب المعروف بتاج الحرة. وهو فى عظات النّساء خاصّة، وتختلف فصوله. ويكون مقدار هذا الكتاب أربعمائة كراسة.
وكتاب يعرف بسيف الخطب المشتمل على الخطب الست. وفيه: خطب الجمع، والعيدين، والخسوف، والكسوف، والاستسقاء، وعقد النكاح. وهى مؤلفة على حروف من حروف المعجم، وفيها خطب عمادها الهمزة، وخطب بنيت على الباء، وخطب على التاء، والدال، وعلى الزاى، وعلى اللام، والميم، والنون، وتركت الجيم والحاء وما جرى مجراهما؛ لأن الكلام المقول فى الجماعات ينبغى أن يكون سجيحا سهلا. مقداره أربعون كراسة.
وكتاب تسميته: خطب الخيل. يتكلم [فيه] على ألسنتها. مقداره عشر كراريس.
وكتاب يعرف بخطبة الفصيح. يتكلم فيه على أبواب الفصيح. مقداره خمس عشرة كراسة.
وكتاب يشرح فيه ما جاء فى هذا الكتاب من الغريب، يعرف بتفسير خطبة الفصيح.
وكتاب يعرف برسيل الراموز. مقداره ثلاثون كراسة.
وكتاب يعرف بلزوم ما لا يلزم. وهو فى المنظوم، بنى على حرف المعجم، ويذكر كل حرف سوى الألف بوجوهه الأربعة، وهى الضم، والفتح، والكسر، والوقف. ومعنى لزوم ما لا يلزم أن القافية يردّد فيها حرف لو غيّر لم يكن ذلك مخلّا بالنظم، كما قال كثيّر:
خليلىّ هذا ربع عزّة فاعقلاقلوصيكما ثم انزلا حيث حلّت
فلزم اللام قبل التاء، وذلك لا يلزمه. ولم يفعل كما فعل الشنفرى فى قصيدته على التاء، لأنه لم يلتزم قبلها حرفا واحدا، ولكنه خالف بين الحروف التى قبل الروىّ، فقال:
أرى أمّ عمرو أزمعت فاستقلّتوما ودّعت جيرانها يوم ولّت
وقال فيها:
بريحانة من نبت حلية نوّرتلها أرج من حوله غير مسنت
وقال فيها:
لها وفضة فيها ثلاثون سيحفاإذا آنست أولى العدىّ اقشعرّت
مقدار هذا الكتاب أربعة أجزاء، مائة وعشرون كراسة.
وكتاب فيما يتعلق بهذا الكتاب اسمه زجر النابح. مقداره أربعون كراسة.
وكتاب يتعلق به أيضا، تسميته نجر الزجر. مقداره كذا.
وكتاب يعرف براحة اللزوم. يشرح فيه ما فى كتاب لزوم ما لا يلزم من الغريب. مقداره مائة كراسة.
كتاب لطيف يعرف بملقى السبيل. مقداره أربع كراريس.
وكتاب آخر يعرف بخماسيّة الراح فى ذم الخمر خاصة. ومعنى هذا الوسم أنه بنى على حروف المعجم، فذكر لكلّ حرف يمكن حركته خمس سجعات مضمومات، وخمسا مفتوحات، وخمسا مكسورات، وخمسا موقوفات. يكون مقداره عشر كراريس.
وكتاب لطيف يعرف بمواعظ الستّ. ومعنى هذا اللقب أن الفصل الأول منه فى خطاب رجل، والثانى فى خطاب اثنين، والثالث فى خطاب جماعة،
والرابع فى خطاب امرأة، والخامس فى خطاب امرأتين، والسّادس فى خطاب نسوة. مقداره خمس عشرة كراسة.
كتاب يعرف بتظلّم السّور. مقداره ست كراريس.
وكتاب يعرف بالجلّىّ والحلّىّ. عمل لرجل من أهل حلب يعرف بأبى الفتح ابن الجلّىّ. مقداره عشرون كراسة.
كتاب يعرف بسجع الحمائم. مقداره ثلاثون كراسة.
كتاب يعرف بجامع الأوزان الخمسة التى ذكرها الخليل بجميع ضروبها، ويذكر فيه قوافى كلّ ضرب. مثال ذلك أن يقال: للضرب الأول من الطويل أربع قواف: المطلقة المجردة، مثل قول القائل:
ألا يا اسلمى يا هند هند بنى بدروإن كان حيّانا عدى آخر الدّهر
والقافية المردفة، مثل قول امرئ القيس:
ألا انعم صباحا أيّها الطّلل البالى
والمقيّدة المجرّدة، وذلك مفقود فى الشعر القديم والمحدث، وإنما جاء به المحدثون على النحو الذى يسمى مقصورا، كما قال ابن عبد القدّوس، وهو فى السجن:
إلى الله أشكو إنه موضع الشّكوىوفى يده كشف المصيبة والبلوى
خرجنا من الدّنيا ونحن من اهلهافما نحن بالأحياء فيها ولا الموتى
إذا ما أتانا زائر متفقّدفرحنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ويعجبنا الرّؤيا فجلّ حديثناإذا نحن أصبحنا- الحديث عن الرؤيا
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأتوإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى
ثم [القافية المقيدة المؤسسة، مثل أن] يكون العادل والقائل، وذلك مرفوض متروك. [ثم] على هذا النحو إلى آخر الكتاب. ومقدار هذا الكتاب ستون كراسة.
وتكون عدد أبيات الشعر المنظومة نحوا من تسعة آلاف بيت.
كتاب لطيف يشتمل على شىء نظم قديما فى أول العمر يعرف بسقط الزّند.
مقداره خمس عشرة كراسة، تزيد الأبيات المنظومة فيه عن ثلاثة آلاف بيت.
وكتاب فيه تفسير ما جاء فى هذا النظم [من] الغريب، يعرف بضوء السّقط.
مقداره عشرون كراسة.
وكتاب يعرف برسالة الصّاهل والشّاحج. يتكلم فيه عن لسان فرس وبغل.
مقداره أربعون كراسة.
وكتاب لطيف فى تفسير المقدّم ذكره بالصاهل والشّاحج يعرف بلسان الصاهل والشاحج. وكان الذى عمل له الكتاب يدعى عزيز الدولة.
وكتاب يعرف بالقائف على معنى كليلة ودمنة؛ ألّفت منه أربعة أجزاء، ثم انقطع تأليفه بموت من أمر بعمله، وهو عزيز الدولة المقدّم ذكره. ومقدار هذا الكتات ستّون كراسة.
وكتاب يعرف بمنار القائف فى تفسير ما جاء فيه من اللّغز والغريب.
مقداره عشر كراريس.
كتاب يعرف بالسّجع السّلطانى. يشتمل على مخاطبات الجنود والوزراء وغيرهم من الولاة. ومقداره ثمانون كراسة.
كتاب يعرف بسجع الفقية. ومقداره ثلاثون كراسة.
كتاب يعرف بسجع المضطرّين. وهو كتاب لطيف عمل لرجل تاجر يستعين به على شؤون دنياه.
كتاب يعرف برسائل المعونة.
كتاب يعرف بذكرى حبيب. تفسير شعر أبى تمام حبيب بن أوس الطائىّ. مقداره ستون كراسة.
كتاب يتصل بشعر البحترىّ يعرف بعبث الوليد. وكان سبب إنشائه أن بعض الرؤساء أنفذ نسخة ليقابل له بها، فأثبت ما جرى من الغلط ليعرض ذلك عليه. مقداره عشرون كراسة.
كتاب يعرف بالرياشىّ المصطنعىّ. فى شرح مواضع من الحماسة الرياشية.
عمل لرجل يلقب بمصطنع الدولة. مقداره أربعون كراسة.
كتاب يعرف بتعليق الخلس. مما يتصل بكتاب أبى القاسم الزجّاجىّ عبد الرحمن بن إسحاق، المعروف بالجمل.
كتاب يتعلق بهذا الكتاب أيضا يعرف بإسعاف الصديق.
كتاب يتصل بالكتاب المعروف بالكافى الذى ألفه أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس، ولقبه قاضى الحق.
كتاب يعرف بالحقير النافع فى النحو. مقداره حمس كراريس.
كتاب يتصل به يعرف بالظّل الطّاهرىّ. عمل لرجل يكنى أبا طاهر، من أهل حلب.
كتاب يتصل بكتاب محمد بن سعدان، لقبه المختصر الفتحىّ. عمل لولد كاتبه أبى الفتح محمد بن على بن أبى هاشم.
كتاب يعرف بالّلامع العزيزىّ فى شرح غريب شعر أبى الطيّب أحمد بن الحسين المتنبىّ. عمل للأمير عزيز الدولة أبى الدوام ثابت [بن] الأمير تاج الأمراء معزّ الدولة أبى العلوان ثمال بن نصر بن صالح بن مرداس. مقداره مائة وعشرون كراسة.
كتاب فى العظة والزهد والاستغفار، يعرف بكتاب استغفر واستغفرى منظوم. مقداره مائة وعشرون كراسة، يشتمل على نحو من عشرة آلاف بيت.
كتاب ديوان الرسائل، وهو ثلاثة أقسام: الأول رسائل طوال تجرى مجرى الكتب المصنّفة، مثل رسالة الملائكة، والرسالة السّندية، ورسالة الغفران، ورسالة الغرض، ونحو ذلك. والثانى دون هذه فى الطول مثل رسالة المنيح ورسالة الإغريض. والثالث رسائل قصار، كنحو ما تجرى به العادة فى المكاتبة. ومقداره ثمانمائة كراسة.
كتاب يعرف بخادم الرسائل. فيه تفسير بعض ما جاء فيها من الغريب.
دعاء يعرف بدعاء ساعة.
دعاء الأيام السبعة.
رسالة على لسان ملك الموت.
كتاب جمع فيه بعض فضائل علىّ ﵇.
رسالة تعرف بأدب العصفورين.
كتاب لطيف يعرف بالسجعات العشر، موضوع على كل حرف من حروف المعجم عشر سجعات فى الوعظ.
كتاب يعرف بعون الجمل فى شرح شئ من كتاب الجمل. شرحه لمحمد ابن على بن أبى هاشم، وهو آخر شىء أملاه.
كتاب يعرف بشرف السيف. عمل لأمير الجيوش. مقداره عشرون كراسة.
كتاب يشرح فيه كتاب سيبويه، غير كامل. مقداره خمسون كراسة.
ومن الأمالى التى لم تتمّ، ولم يفرد لها اسم ما مقداره مائة كراسة.
فذلك الجميع خمسة وخمسون مصنّفا. العدد بتقريب، سوى ما لم يذكره.
«أربعة آلاف ومائة وعشرون كراسة».
قلت: وأكثر كتب أبى العلاء هذه عدمت، وإنما يوجد منها ما خرج عن المعترة قبل هجم الكفار عليها، وقتل من قتل من أهلها، ونهب ما وجد لهم.
فأما الكتب الكبار التى لم تخرج عن المعترة فعدمت، وإن وجد شىء منها فإنّما يوجد البعض من كل كتاب.
فمن ذلك كتاب الأيك والغصون. ولم أجد أحدا يقول رأيته، ولا رأيت شيئا منه، إلى أن نظرت فى فهرست وقف نظام الملك الحسن بن إسحاق الطّوسىّ، الذى وقفه ببغداذ، فرأيت فيه من كتاب الأيك والغصون ثلاثة وستّين مجلدا.
وأما إسعاف الصديق وقاضى الحق فإننى رأيت أجزاء من الإسعاف من تجزئة ما؛ أرانيها أحد بنى حرب الحلبيّين، ومن قاضى الحق من تجزئة سبعة مجلدات، أرانيها المذكور. ثم سألت عنها بعد مدة، فذكر أنها أحرقت فى مقام إبراهيم عند ما احترق، فذهبت، ولم أر بعدها من الكتابين سواهما.
فأما الذى رأيته أنا من كتبه فهو ما أنا ذاكره:
لزوم ما لا يلزم. وزجر النابح. وملقى السبيل. وخماسيه الراح فى ذم الراح، هو الذى ذكره ابن الخطيب [أبى] هاشم، وهو خماسية الراح.
كتاب جامع الأوزان. سقط الزّند. الصاهل والشاحج. لسان الصاهل والشاحج، ذاكرنى به ولد أبى هاشم خطيب حلب، وذكر أنه عنده.
كتاب القائف. كتاب السجع السلطانى. كتاب سجع الفقيه.
ذكرى حبيب. عبث الوليد. الرياشىّ المصطنعىّ. إسعاف الصّديق. قاضى الحق. الحقير النّافع. الظل الطّاهرىّ. اللّامع العزيزىّ. استغفر واستغفرى. كتاب فى الرسائل يعرف بالسجع السلطانى. رسالة الغفران. رسالة التعزية إلى بعض الحلبيّين فى ولد له مات. الرسالة السّندية. رسالة الملائكة. رسالة المنيح. رسالة الإغريض. كتاب السادن. كتاب الإقليد.
ورأيت فى أوراق منقولة عن المعرّيين أنه مات- سامحه الله- فى يوم الجمعة لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل من سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
كتب إلىّ أبو الضياء شهاب بن محمد بن منصور المروزىّ الشّيبانىّ ﵀، من خراسان: أخبرنا عبد الكريم بن محمد بن منصور المروزىّ، ﵀، فى كتابه بقراءة أبى النصر الفامىّ عليه ونحن نسمع، أنشدنا أحمد بن المبارك بن عبد العزيز الأرجىّ من لفظه إملاء، أنشدنى أبو زكريا يحيى بن على الخطيب الشيبانىّ، أنشدنى أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرىّ لنفسه، بمعرة النعمان؛ من شعره:
منك الصّدود ومنّى بالصّدود رضامن ذا علىّ بهذا فى هواك قضى
بى منك ما لو غدا بالشّمس ما طلعتمن الكآبة أو بالبرق ما ومضا
جرّبت دهرى وأهليه فما تركتلى التجارب فى ود امرئ غرضا
وقد غرضت من الدنيا فهل زمنىمعطى حياتى لغرّ بعد ما غرضا
إذا الفتى ذمّ عيشا فى شبيبتهفما يقول إذا عصر الشباب مضى
وقد تعوّضت عن كلّ بمشبههفما وجدت لأيام الصّبا عوضا
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع