تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

أحمد بن عبد الله بن سليمان أبو العلاء المعرى

الصفحة ٢ من ٢

أنبأنا الشيبانىّ قال: أخبرنى المروزىّ، أنشدنى أبو عثمان المبارك بن أحمد ابن عبد العزيز الأنصارىّ إملاء من حفظه، أنشدنا أبو زكريا يحيى بن على الشيبانىّ التّبريزىّ، أنشدنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرّى لنفسه:

وصفراء لون التبر مثلى جليدةعلى نوب الأيام والعيشة الضّنك
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
تريك ابتساما دائما وتجلّداوصبرا على ما نابها وهى فى الهلك
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
ولو نطقت يوما لقالت أظنّكمتخالون أنى من حذار الرّدى أبكى
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
فلا تحسبوا دمعى لوجد وجدتهفقد تدمع الأحداق من كثرة الضّحك
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

شاهدت على نسخة من كتاب إصلاح المنطق، يقرب أن يكون بخط المعرّيين، أن الخطيب أبا زكريا يحيى بن على بن الخطيب التّبريزىّ قرأه على أبى العلاء، وطالبه بسنده متصلا، فقال له: إن أردت الدّراية فخذ عنى ولا تتعدّ، وإن قصدت الرّواية فعليك بما عند غيرى.

وهذا القول من أبى العلاء يشعر أنه قد وجد من نفسه قوة على تصحيح اللّغة، كما وجدها ابن السّكيت مصنّف الإصلاح، وربما أحسّ من نفسه أوفر من ذلك، لأن ابن السّكيت لم يصادف اللغة منقّحة مؤلّفة، قد تداولها العلماء قبله، وصنّفوا فيها وأكثروا، كما وجدها أبو العلاء فى زمانه.

وقد روى أبو العلاء، ولم يكن مكثرا، وذلك أننى شاهدت بخط ابن كهبار الفارسىّ، صاحب الخطيب أبى زكريا التبريزىّ، والآخذ عنه- وكان ذكيا فاضلا محققا لما ينقله، حاكيا عن صاحبه فى تصنيفه لتهذيب غريب الحديث لأبى عبيد:

قال الخطيب التّبريزىّ: وكنت قرأت هذا الكتاب، سنة خمس وأربعين وأربعمائة، على أبى العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخىّ المعرىّ، قال: قرأ علينا سنة خمس وثمانين وثلاثمائة كتاب غريب الحديث القاضى أبو عمرو عثمان ابن عبد الله الكرجىّ، وذكر أنه سمعه من أبى عمير عدىّ بن عبد الباقى، وسمعه أبو عمير من علىّ بن عبد العزيز صاحب أبى عبيد.

كنت فى سن الصبا- وذلك فى حدود سنة خمس وثمانين وخمسمائة- أقدح فى اعتقاد أبى العلاء؛ لما أراه من ظواهر شعره، وما ينشد له فى محافل

الطلب، فرأيت ليلة فى النوم، كأننى قد حصلت فى مسجد كبير، فى شرقيّه صفّة كبيرة، وفى الصّفة سلّ الحصر مفروش من غير نسج، وعليه رجل مكفوف سمين متوسّط البياض، ورأسه مائل إلى جهة كتفه الأيسر، وهو مستقبل القبلة فى جلسته، وإلى جانبه طفل، وكأننى فهمت أنّه قائده، وكأنّنى واقف أسفل الصّفة، ومعى ناس قليل، ونحن ننظر إليه، وهو يتكلّم بكلام لم أفهم منه شيئا.

ثم قال فى أثناء كلامه مخاطبا لى: ما الذى يحملك على الوقيعة فى دينى؟ وما يدريك لعل الله غفر لى؟! فخجلت من قوله، وسألت عنه من إلى جانبى، فقال لى أحدهم: هذا أبو العلاء المعرّىّ. فابتسمت متعجّبا للرؤيا، واستغفرت الله لى وله، ولم أعد إلى الكلام فى حقّه إلا بخير.

ومرت على ذلك سنون، فلما كان فى سنة خمس وستمائة، أرسلنى من كنت فى صحبته بحلب، إلى القوم المقيمين فى جبل بهراء فى حصونهم، لإصلاح ما بينهم وبين أمير من أمراء الدولة، يعرف بأحمد بن على بن أحمد، وكان قد خشى عاديتهم، فلمّا عدت اجتزت بالمعرّة، فدخلت للصلاة فى جامعها. وعند ما شاهدته رأيته قريبا مما رأيته فى المنام، فأذكرنى من ذلك ما أنسيته على طول المدة، ونظرت فإذا الصّفّة إلى جانبه الشرقىّ، وهى قريب مما رأيته، وإذا فيها رجل عليه هيئة الرّهبان؛ وبيده قشّ يفتله، فقصدته وسألته عما يفعله، فقال: إن هذا الجامع إذا احتاج إلى حصر حصّل له النوّاب هذا البردىّ، وعلى رهبان الدّير الذين أنا منهم عمل ذلك، وقد آلت النوبة إلىّ، فحضرت لذلك. فعجبت من أمر الرؤيا، وقربها مما رأيته من الصحة بعد حين.

وسألته عن قبر أبى العلاء، فقال: لا أعرفه، ولم أعلم حال المقبره ومن بها. وبينما أنا معه فى الحديث إذ حضر رجل من أهل المعرّة يعرف بساطع، كنت أعرفه بحلب قبل ذاك، فسألته عن قبر أبى العلاء، فقصدت إليه، وإذا هو فى ساحة من دور أهله، وعلى الساحة باب، فدخلنا إليه، فإذا القبر لا احتفال لأهله به، ورأيت على القبر خبّازى قد طلعت وجفّت، والموضع على غاية ما يكون من الشّعث والإهمال، فزرته وقرأت عنده، وترحمت عليه، واعتذرت إليه مما تقدم- ﵀.

وذكر أنه قرئ بحضرته يوما أن الوليد لما تقدّم بعمارة جامع دمشق، أمر المتولين بعمارته ألّا يصنعوا حائطا إلا على جبل، فامتثلوا، وتعسّر عليهم وجود جبل لحائط جهة جيرون، وأطالوا الحفر امتثالا لمرسومه، فوجدوا رأس حائط مكين العمل، كثير الأحجار، يدخل فى عملهم، فأعلموا الوليد أمره، وقالوا: نجعل رأسه أسّا، فقال: اتركوه واحفروا قدامه، لتنظروا أسه وضع على حجر أم لا. ففعلوا ذلك، فوجدوا فى الحائط بابا عليه حجر مكتوب بقلم مجهول، فأزالوا عنه التراب بالغسل، ونزّلوا فى حفره لونا من الأصباغ، فتميّزت حروفه، وطلبوا من يقرؤها، فلم يجدوا ذلك، وتطلّب الوليد المترجمين من الآفاق، حتى حضر منهم رجل يعرف بقلم اليونانية الأولى، المسمّى ليطين، فقرأ الكتابة الموجودة فكانت: «باسم الموجد الأوّل أستعين.

لمّا أن كان العالم محدثا، لاتّصال أمارات الحدوث به، وجب أن يكون له محدث، لا كهؤلاء كما قال ذو السّنّين وذو اللّحيين وأشياعهما، [فوجبت عبادة خالق المخلوقات].

حينئذ أمر بعمارة هذا الهيكل، من صلب ماله، محبّ الخيل، على مضىّ ثلاثة آلاف وسبعمائة عام لأهل الأسطوان. فإن رأى الداخل إليه ذكر بانيه عند باريه بخير، فعل، والسلام».

فأطرق أبو العلاء عند سماع ذلك، وأخذ الجماعة فى التعجّب من أمر هذا الهيكل، وأمر الأسطوان المؤرّخ به، وفى أىّ زمان كان. فلمّا فرغوا من ذلك رفع أبو العلاء رأسه، وأنشد فى صورة متعجّب:

سيسأل قوم ما الحجيج ومكّةكما قال قوم ماجد يس وما طسم

وأمر بسطر الحكاية، فسطرت على ظهر جزء من استغفر واستغفرى بخط ابن أبى هاشم كاتبه. وأكثر من نقل الكتاب نقل الحكاية على مثل [ما على] الجزء الذى هى مسطورة عليه.

وذكره الباخرزىّ فى كتابه، وسجع له فقال:»

«أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرىّ التنوخىّ، ضرير، ماله فى الأدب ضريب، ومكفوف، فى قميص الفضل ملفوف، ومحجوب، خصمه الألدّ محجوج. قد طال فى ظلال الإسلام آناؤه،

ولكن ربما رشح بالإلحاد إناؤه، وعندنا خبر بصره، والله العالم ببصيرته، والمطّلع على سريرته. وإنما تحدّثت الألسن بإساءته، لكتابه الذى- زعموا- عارض به القرآن، وعنونه بالفصول والغايات، [و] محاذاة السور والآيات، وأظهر من نفسه تلك الجناية، وجذّ تلك الهوسات كما يجذّ البعير الصّلّيانة، حتى قال فيه القاضى أبو جعفر محمد بن إسحاق البحّاثىّ الزّوزنىّ قصيدة أولها:

كلب عوى بمعرّة النعمانلما خلا عن ربقة الإيمان
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة
أمعرة النعمان ما أنجبت إذأخرجت منك معرّة العميان
للشاعر أبو جعفر البحاثي، اقرأ القصيدة

أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ الأصبهانىّ فى إجازته العامة: سمعت أبا الحسن علىّ ابن بركات بن منصور التاجر الرّحبىّ، بالذّنبة، من مضافات دمشق يقول:

سمعت أبا عمران يقول: عرض على أبى العلاء التّنوخىّ الكفيف كفّ من اللّوبيا، فأخذ منها واحدة ولمسها بيده، وقال: ما أدرى ما هى، إلا أنى أشبّهها بالكلية. فتعجّبوا من فطنته وإصابة حدسه.

قال محمد بن طاهر المقدسىّ: سمعت الرئيس أحمد بن عبدوس الوفراوندىّ بها يقول: سألت شيخ الاسلام أبا الحسن على بن أحمد بن يوسف الهكّارىّ، عن أبى العلاء بن سليمان التّنوخىّ المعرّىّ- وكان رآه- فقال: رجل من المسلمين.

ولما وصلت إلى هذا الموضع من خبره، وسقت ما سقته من أثره، قال لى بعض من نظر: لو سقت شيئا مما نسب إليه من أقواله التى كفّر بها، لكنت قد أتيت بأحواله كاملة، فإنّ النفس إذا مرّ بها من الأقوال ما مرّ، اشتهت أن تقف على فحواه. فأجبته إلى ملتمسه، وذكرت ما ساقه غرس النعمة محمد بن الرئيس هلا ابن المحسن بن إبراهيم، فى كتابه، فإنه قال:

«وفى يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول- يعنى من سنة تسع وأربع وأربعمائه- توفّى بمعرّة النعمان من الشام أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليم التّنوخىّ المعرىّ الشاعر، الأديب الضرير. وكان له شعر كثير، وفيه أدب غزير ويرمى بالإلحاد، وأشعاره دالة على ما نزل به من ذلك. ولم يك يأكل لحوم الحيوان ولا البيض، ولا اللبن، ويقتصر على ما تنبت الأرض، ويحرّم إيلام الحيوان ويظهر الصوم زمانه جميعه. ومولده فى يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.

ونحن نذكر طرفا مما بلغنا من شعره، ليعلم صحّة ما يحكى عنه من إلحاده فمن ذلك:

صرف الزمان مفرّق الإلفينفاحكم إلهى بين ذاك وبينى
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
أنهيت عن قتل النفوس تعمّداوبعثت أنت لقبضها ملكين
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
وزعمت أنّ لها معادا ثانياما كان أغناها عن الحالين
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

ومنه:

يد بخمس مىء من عسجد فديتما بالها قطعت فى ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السّكوت لهوأن نعوذ بمولانا من النار
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «تناقض ما لنا إلا السكوت له»

ومنه:

قران المشترى زحلا يرجّىلإيقاظ النّواظر من كراها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «قران المشتري زحلا يرجى»
وهيهات! البريّة فى ضلالوقد فطن اللّبيب لما اعتراها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «قران المشتري زحلا يرجى»
تقضّى الناس جيلا بعد جيلوخلّفت النّجوم كما تراها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «قران المشتري زحلا يرجى»
تقدّم صاحب التوراة موسىوأوقع بالخسار من اقتراها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «قران المشتري زحلا يرجى»
فقال رجاله وحى أتاهوقال الآخرون بل افتراها
وما حجّى إلى أحجار بيتكؤوس الخمر تشرب فى ذراها
إذا رجع الحكيم إلى حجاهتهاون بالمذاهب وازدراها

ومنه:

عقول تستخفّ بها سطورولا يدرى الفتى لمن الثّبور
كتاب محمد وكتاب موسىوإنجيل ابن مريم والزّبور
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أمور تستخف بها حلوم»

ومنه:

إذا كان لا يحظى برزقك عاقلوترزق مجنونا وترزق أحمقا
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
فلا ذنب يا رب السماء على امرئيرى منك ما لا يشتهى فتزندقا
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

ومنه:

ضحكنا وكان الضّحك منّا سفاهةوحقّ لسكان البسيطة أن يبكوا
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة»
تحطّمنا الأيام حتى كأننازجاج ولكن لا يعاد لنا سبك

ومنه:

خبر المقابر فى القبور ومن لهمبمبشّر يأتى بصدق المحشر
هيهات يرجى ميّت فى قبرهلو صحّ ذاك لكان عين المتجر
خسرت تجارتهم فهل من ميّتيرجو التجارة من ضريح الحفر

ومنه:

فى كل أمرك تقليد تدين بهحتى مقالك ربّى واحد أحد
وقد أمرنا بفكر فى بدائعهفإن تفكّر فيه معشر لحدوا
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «وقد أمرنا بفكر في بدائعه»

ومنه:

لولا التنافس فى الدنيا لما وضعتكتب التناظر لا المغنى ولا العمد
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «لولا التنافس في الدنيا لما وضعت»

ومنه:

أستغفر الله فى أمنى وأوجالىمن غفلتى وتوالى سوء أفعالى
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
قالوا هرمت ولم تطرق تهامة فىمشاة وفد ولا ركبان أجمال
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
فقلت إنى ضرير والذين لهمرأى أروا غير فرض حجّ أمثالى
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
ما حجّ جدى ولم يحجج أبى وأخىولا ابن عمى ولم يعرف منى خالى
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
وحجّ عنهم قضاء بعد ما ارتحلواقوم سيقضون عنّى بعد ترحالى
فإن يفوزوا بغفران أفز معهمأولا فإنى بنار مثلهم صالى
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
ولا أروم نعيما لا يكون لهمفيه نصيب وهم رهطى وأشكالى
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
فهل أسرّ إذا حمّت محاسبتىأو يقتضى الحكم تعناتى وتسآلى
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
من لى برضوان أدعوه أرخّمهولا أنادى مع الكفار يا مال

يقول فى آخرها:

سأعبد الله لا أرجو مثوبتهلكن تعبّد إعظام وإجلال

ومنه:

هفت الحنيفة والنّصارى ما اهتدتويهود حارت والمجوس مضلّله
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «إن هللت أفواهكم فقلوبكم»
اثنان أهل الأرض: ذو عقل بلادين وآخر ديّن لا عقل له
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «إن هللت أفواهكم فقلوبكم»

ومنه:

كأنّ منجّم الأقوام أعمىلديه الصحف يقرؤها بلمس
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «كأن منجم الأقوام أعمى»
لقد طال العناء فكم نعانىسطورا عاد كاتبها بطمس
أتى عيسى فعطّل دين موسىوجاء محمد بصلاة خمس
وقيل يجىء دين بعد هذاوأودى الناس بين غد وأمس
ومن لى أن يعود الدين غضّافينقع من تنسّك بعد خمس
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «كأن منجم الأقوام أعمى»
ومهما كان من دنياك أمرفما يخليك من قمر وشمس
لحاها الله دارا لا تدارىبمثل المين فى لجج وقمس
وأوّلها بآخرها شبيهونصبح فى عجائبها ونمسى
قدوم أصاغر ورحيل شيبوهجرة منزل وحلول رمس
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «كأن منجم الأقوام أعمى»
إذا قلت المحال رفعت صوتىوإن قلت اليقين أطلت همسى
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «كأن منجم الأقوام أعمى»

ومنه:

ما بال ذا الحيوان يؤكل لحمهويقدّ جلدته ويهشم عظمه
إن كان ذا أكل فأكلك أكلهأو كان ذا شرب فشربك شربه
قل للمريق نجيعه من نحرهما شأنه ما ذنبه ما جرمه
الله يقتصّ الجرائم كلّهاويعيدها فى نحر من ذا دأبه

ومنه:

قلتم لنا خالق قديمصدقتم هكذا نقول
زعمتموه بلا زمانولا مكان ألا فقولوا
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «قلتم لنا خالق حكيم»
هذا كلام له خبىءمعناه ليست لكم عقول
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «قلتم لنا خالق حكيم»

ومنه:

دين وكفر وأنباء تقال وفرقان ينصّ وتوراة وإنجيل
فى كل جيل أباطيل يدان بهافهل تفرّد يوما بالهدى جيل
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «دين وكفر وأنباء تقص وفر»

ومنه:

شهدت بأن الكلب ليس بنابحيقينا وأن الّليث فى الغاب ما زأر
وأنّ قريشا ليس منها خليفةوأن أبا بكر شكا الحيف من عمر
وأنّ عليا لم يصلّ بصحبهوما هو والله العظيم من البشر

ومنه - وقد قيل إن هذا من الإلغاز:

الحمد لله [قد] أصبحت فى لججمكابدا من هموم الدّهر قاموسا
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «الحمد لله قد أصبحت في لجج»
قالت معاشر لم يبعث إلهكمإلى البريّة لا عيسى ولا موسى
وإنّما جعلوا الرحمن مأكلةوصيّروا دينهم للملك ناموسا
ولو قدرت لعاقبت الّذين طغواحتى يعود حليف الغىّ مغموسا
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «الحمد لله قد أصبحت في لجج»

ومنه:

فلا تحسب مقال الرّسل حقّاولكن قول زور سطّروه
وكان الناس فى عيش رغيدفجاءوا بالمحال فكدّروه

ومنه:

والنفس أرضية فى رأى طائفةوعند قوم ترقّى فى السموات
تمضى على هيئة الشخص الذى سكنتفيه إلى دار نعم أو شقاوات
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «مر الزمان فأضحى في الثرى جسد»
وكونها فى ضريح الجسم أحوجهاإلى ملابس عنّتها وأقوات
وإنما حمّل التوراة قارئهاكسب الفوائد لا حبّ التّلاوات
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «مر الزمان فأضحى في الثرى جسد»
إن الشرائع ألقت بيننا إحناوأورثتنا أفانين العداوات
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «مر الزمان فأضحى في الثرى جسد»
وهل أبيحت نساء الروم عن عرضللعرب إلا بأحكام النّبوّات

ومنه:

لعمرى لقد طال هذا السّفرعلى وأصبحت أحدو النّفر
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «لعمري لقد طال هذا السفر»
أأخرج من تحت هذى السماءفكيف الإباق وأين المفر
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «لعمري لقد طال هذا السفر»
لحى الله قوما إذا جئتهمبصدق الأحاديث قالوا: كفر
وإن غفرت موبقات الذنوبفكلّ مصائبهم تغتفر
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «لعمري لقد طال هذا السفر»
هنيئا لجسمى إذا ما استقرّوصار لعنصره فى العفر
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «لعمري لقد طال هذا السفر»

وله كتاب سماه الفصول والغايات، عارض به السور والآيات، لم يقع إلينا منه شىء فنورده.

وحدثنى الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جهير. قال: حدثنى المنازىّ الشاعر قال: اجتمعت بأبى العلاء المعرىّ بمعرّة النعمان، وقلت له: ما هذا الذى يروى عنك

ويحكى؟ فقال: حسدنى قوم فكذبوا علىّ، وأساءوا إلىّ. فقلت له: على ماذا حسدوك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة؟ فقال: والآخرة أيها الشيخ! قلت:

إى والله. ثم قلت له: لم تمتنع من أكل اللحم، ولم تلوم من يأكله؟ فقال: رحمة للحيوان. قلت: لا! ولعمرى بل تقول إنه من شره الناس! إنهم يجدون ما يأكلون، ويتجزّون به عن اللّحمان ويتعوّضون. فما تقول فى السباع والجوارح التى خلقت لا غذاء لها غير اللّحوم من النّاس والبهائم والطير، ودمائها وعظامها؛ ولا طعام تعتاض به عنها ولا تتجزّى به، حتى لم يخلص [من] ذاك حشرات الأرض؟

فإن كان الخالق لها الذى نقوله نحن فما أنت بأرأف منه بخلقه، ولا أحكم منه فى تدبيره. وإن كانت الطبائع المحدثة لذاك- على مذهبك- فما أنت بأحذق منها، ولا أتقن صنعة، ولا أحكم عملا، حتى تعطّلها، ويكون رأيك وعملك وعقلك أوفى منها وأرجح، وأنت من إيجادها، غير محسوس عندها! فأمسك».

قال غرس النعمة: «وأذكر عند ورود الخبر بموته، وقد تذاكرنا أمره، وإظهاره الإلحاد وكفره، ومعنا غلام يعرف بأبى غالب بن نبهان، من أهل الخير والسلامة، والفقه والديانة، فلما كان من غد يومنا حكى لنا- وقد مضى ذلك الحديث بسمعه عرضا- فقال: أريت البارحة فى منامى رجلا شيخا ضريرا، وعلى عاتقه أفعيان متدلّيتان إلى فخذيه، وكل منهما يرفع فمه إلى وجهه، فيقطع منه لحما يزدرده وهو يصيح ويستغيث، فقلت: من هذا؟ - وقد أفزعنى ما رأيت منه، وروّعنى ما شاهدته عليه- فقيل لى: هذا المعرىّ الملحد. فعجبنا من ذلك واستطرفناه بعقب ما تفاوضناه من أمره وتجاريناه».

قرأت بخط المفضّل بن مواهب بن أسد الفازرىّ الحلبىّ، المسمى بشاعر آل محمد، حدّثنى الشيخ أبو عبد الله الأصبهانىّ، قال: لما حضرت الشيخ أبا العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التّنوخىّ الوفاة أتاه القاضى الأجلّ أبو محمد عبد الله التنوخىّ بقدح شراب، فامتنع من شرابه، فحلف القاضى أيمانا مؤكّدة لابدّ من أن يشرب ذلك القدح، وكان سكنجبينا، فقال أبو العلاء مجيبا له عن يمينه:

أعبد الله، خير من حياتىوطول ذمائها موت مريح
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
تعلّلنى لتسقينى فذرنىلعلّى أستريح وتستريح
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

وكان مرضه ثلاثة أيام، ومات فى اليوم الرّابع، ولم يكن عنده غير بنى عمّه، فقال لهم فى اليوم الثالث: اكتبوا. فتناولوا الدّوىّ والأقلام، فأملى عليهم غير الصواب. فقال القاضى أبو محمد: أحسن الله عزاءكم فى الشيخ، فإنه ميّت.

فمات فى غداة غده.

وإنما أخذ القاضى هذه المعرفة من ابن بطلان، لأن ابن بطلان كان يدخل على أبى العلاء، ويعرف ذكاءه وفضله، فقيل له قبل موته بأيام قلائل: إنه أملى شيئا فغلط فيه. فقال ابن بطلان: مات أبو العلاء. فقيل:

وكيف عرفت ذلك؟ فقال: هذا رجل فطن ذكىّ، ولم تجر عادته بأن يستمرّ عليه سهو أو غلط، فلمّا أخبرتمونى بأنه غلط علمت أن عقله قد نقص، وفكره قد انفسد، وآلاته قد اضطربت، فحكمت عليه عند ذلك بالموت. والله أعلم.

ومن شعره أيام مرضه، فى القاضى أبى محمد عبد الله التّنوخىّ:

وقاض لا يزال الليل عندىوطول نهاره بين الخصوم
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
يكون أبّر بى من فرخ نسربوالده وألطف من رحيم
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
سأنشر شكره فى يوم حشرأجل، وعلى الصّراط المستقيم
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

هذه آخر أخبار أبى العلاء بن سليمان.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.