من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
أَمِين الدولة بن التلميذ
الصفحة ١ من ٢
هُوَ الْأَجَل موفق الْملك أَمِين الدولة أَبُو الْحسن هبة الله بن أبي الْعَلَاء صاعد بن إِبْرَاهِيم بن التلميذ أوحد زَمَانه فِي صناعَة الطِّبّ وَفِي مُبَاشرَة أَعمالهَا
وَيدل على ذَلِك مَا هُوَ مَشْهُور من تصانيفه وحواشيه على الْكتب الطبية وَكَثْرَة من رَأَيْنَاهُ مِمَّن قد شَاهده
وَكَانَ ساعور البيمارستان العضدي بِبَغْدَاد إِلَى حِين وَفَاته
وَكَانَ فِي أول أمره قد سَافر إِلَى بِلَاد الْعَجم وَبَقِي بهَا وَهُوَ فِي الْخدمَة سنينا كَثِيرَة
وَكَانَ جيد الْكِتَابَة يكْتب خطا مَنْسُوبا
وَقد رَأَيْت كثيرا من خطه وَهُوَ فِي نِهَايَة الْحسن وَالصِّحَّة
وَكَانَ خَبِيرا بِاللِّسَانِ السرياني والفارسي متبحرا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة
وَله شعر مستطرف حسن الْمعَانِي إِلَّا أَن أَكثر مَا يُوجد لَهُ البيتان أَو الثَّلَاثَة وَأما القصائد فَلم أجد لَهُ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل
وَكَانَ أَيْضا يترسل وَله ترسل كثير جيد
وَقد رَأَيْت لَهُ من ذَلِك مجلدا ضخما كُله يحتوي على إنْشَاء ومراسلات وَأكْثر أَهله كتاب
وَكَانَ وَالِد أَمِين الدولة وَهُوَ أَبُو الْعَلَاء صاعد طَبِيبا فَاضلا مَشْهُورا
وَكَانَ أَمِين الدولة وأوحد الزَّمَان أَبُو البركات فِي خدمَة المستضيء بِأَمْر الله
وَكَانَ أَبُو البركات أفضل من ابْن التلميذ فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَله فِيهَا كتب جليلة وَلَو لم يكن لَهُ إِلَّا كِتَابه الْمَعْرُوف بالمعتبر لكفى
فَأَما ابْن التلميذ فَكَانَ أَكثر تبصره بصناعة الطِّبّ واشتهر بهَا
وَكَانَ بَينهمَا شنآن وعداوة إِلَّا أَن ابْن التلميذ كَانَ أوفر عقلا وأخير طباعا من أبي البركات
وَمن ذَلِك أَن أوحد الزَّمَان كَانَ قد كتب رقْعَة يذكر فِيهَا عَن ابْن التلميذ أَشْيَاء يبعد جدا أَن تصدر عَن مثله ووهب لبَعض الخدم شَيْئا واستسره أَن يرميها فِي بعض الطّرق الْخَلِيفَة من حَيْثُ لَا يعلم بذلك أحد وَهَذَا مِمَّا يدل على شَرّ عَظِيم
وَأَن الْخَلِيفَة لما وجد تِلْكَ الرقعة صَعب عَلَيْهِ جدا فِي أول أمره وهم أَن يُوقع بأمين الدولة
ثمَّ أَنه بعد ذَلِك رَجَعَ إِلَى رَأْيه وأشير عَلَيْهِ أَن يبْحَث ويستأصل عَن ذَلِك وَأَن يسْتَقرّ من الخدم من يتهمه بِهَذَا الْفِعْل
وَلما فعل ذَلِك انْكَشَفَ لَهُ أَن أوحد الزَّمَان كتبهَا للوقيعة بِابْن التلميذ فحنق عَلَيْهِ حنقا عَظِيما ووهب دَمه وَجَمِيع مَاله وَكتبه لأمين الدولة بن التلميذ
ثمَّ إِن أَمِين الدولة كَانَ عِنْده من كرم الطباع وَكَثْرَة الْخَيْرِيَّة أَنه لم يتَعَرَّض لَهُ بِشَيْء
وَبعد أوحد الزَّمَان بذلك عَن الْخَلِيفَة وانحطت مَنْزِلَته وَمن مطبوع مَا لأمين الدولة فِيهِ قَوْله
لنا صديق يَهُودِيّ حماقتهإِذا تكلم تبدو فِيهِ من فِيهِ
يتيه وَالْكَلب أَعلَى مِنْهُ منزلَةكَأَنَّهُ بعد لم يخرج من التيه) الْبَسِيط
ولبعضهم فِي أَمِين الدولة وأوحد الزَّمَان
أَبُو الْحسن الطَّبِيب ومقتفيهأَبُو البركات فِي طرفِي نقيض
فَهَذَا بالتواضع فِي الثرياوَهَذَا بالتكبر فِي الحضيض) الوافر
ونقلت من خطّ الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ فِيمَا حَكَاهُ عَن الْأَجَل أَمِين الدولة بن التلميذ قَالَ كَانَ أَمِين الدولة حسن الْعشْرَة كريم الْأَخْلَاق عِنْده سخاء ومروءة وأعمال فِي الطِّبّ مَشْهُورَة وحدوس صائبة
مِنْهَا أَنه أحضرت إِلَيْهِ امْرَأَة مَحْمُولَة لَا يعرف أَهلهَا فِي الْحَيَاة هِيَ أم فِي الْمَمَات وَكَانَ الزَّمَان شتاء فَأمر بتجريدها وصب المَاء الْمبرد عَلَيْهَا صبا مُتَتَابِعًا كثيرا
ثمَّ أَمر بنقلها إِلَى مجْلِس دفئ قد بخر بِالْعودِ والند ودثرت بأصناف الْفراء سَاعَة فعطست وتحركت وَقَعَدت وَخرجت مَاشِيَة مَعَ أَهلهَا إِلَى منزلهَا
قَالَ وَدخل إِلَيْهِ رجل منزف يعرق دَمًا فِي زمن الصَّيف فَسَأَلَ تلاميذه وَكَانُوا قدر خمسين نفسا فَلم يعرفوا الْمَرَض فَأمره أَن يَأْكُل خبز شعير مَعَ باذنجان مشوي فَفعل ذَلِك ثَلَاثَة أَيَّام فبرأ
فَسَأَلَهُ أَصْحَابه عَن الْعلَّة فَقَالَ إِن دَمه قد رق ومسامه قد تفتحت وَهَذَا الْغذَاء من شَأْنه تَغْلِيظ الدَّم وتكثيف المسام
قَالَ وَمن مروءته أَن ظهر دَاره كَانَ يَلِي النظامية فَإِذا مرض فَقِيه نَقله إِلَيْهِ وَقَامَ فِي مَرضه عَلَيْهِ فَإِذا أبل وهب لَهُ دينارين وَصَرفه
وَمِمَّا حَكَاهُ أَيْضا عَن أَمِين الدولة بن التلميذ وَكَأَنَّهُ قد تجَاوز فِي هَذِه الْحِكَايَة قَالَ وَكَانَ أَمِين الدولة لَا يقبل عَطِيَّة إِلَّا من خَليفَة أَو سُلْطَان فَعرض لبَعض الْمُلُوك النائية دَاره مرض مزمن فَقيل لَهُ لَيْسَ لَك إِلَّا ابْن التلميذ وَهُوَ لَا يقْصد أحدا فَقَالَ أَنا أتوجه إِلَيْهِ
فَلَمَّا وصل أفرد لَهُ ولغلمانة دورا وأفاض عَلَيْهِ من الجرايات قدر الْكِفَايَة ولبث مُدَّة فبرئ الْملك وَتوجه إِلَى بِلَاده وَأرْسل إِلَيْهِ مَعَ بعض التُّجَّار أَرْبَعَة آلَاف دِينَار وَأَرْبَعَة تخوت عتابي وَأَرْبَعَة مماليك وَأَرْبَعَة أَفْرَاس فَامْتنعَ من قبُولهَا وَقَالَ عَليّ يَمِينا أَن لَا أقبل من أحد شَيْئا فَقَالَ التَّاجِر هَذَا مِقْدَار كثير قَالَ لما حَلَفت مَا استثنيت
وَأقَام شهرا يراوده وَلَا يزْدَاد إِلَّا إباء
فَقَالَ لَهُ عِنْد الْوَدَاع هَا أَنا أسافر وَلَا أرجع إِلَى صَاحِبي واتمتع بِالْمَالِ فتتقلد منته وتفوتك منفعَته وَلَا يعلم أحد بأنك رَددته
فَقَالَ أَلَسْت اعْلَم فِي نَفسِي أَنِّي لم أقبله فنفسي تشرف بذلك علم النَّاس أَو جهلوا
وحَدثني الْحَكِيم مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ قَالَ حَدثنِي الشَّيْخ موفق الدّين أسعد بن إلْيَاس بن
المطران قَالَ حَدثنِي أبي حَدثنِي إِسْمَاعِيل بن رشيد قَالَ حَدثنِي أَبُو الْفرج بن توما وَأَبُو الْفرج المسيحي قَالَا كَانَ الْأَجَل أَمِين الدولة بن التلميذ جَالِسا وَنحن بَين يَدَيْهِ إِذا اسْتَأْذَنت عَلَيْهِ امْرَأَة وَمَعَهَا صبي صَغِير فأدخلت عَلَيْهِ فحين رَآهُ بدرها فَقَالَ إِن صبيك هَذَا بِهِ حرقة الْبَوْل وَهُوَ يَبُول الرمل فَقَالَت نعم قَالَ فيستعمل كَذَا وَكَذَا وانصرفت
قَالَا فَسَأَلْنَاهُ عَن الْعَلامَة الدَّالَّة على أَن بِهِ ذَلِك وَأَنه لَو أَن الآفة فِي الكبد أَو الطحال لَكَانَ اللَّوْن من الِاسْتِدْلَال مطابقا
فَقَالَ حِين دخل رَأَيْته يولع بأحليله ويحكه وَوجدت أنامل يَدَيْهِ مشققة قاحلة فَعلمت أَن الحكة لأجل الرمل وَإِن تِلْكَ الْمَادَّة الحادة الْمُوجبَة للحكة وَالْحَرَكَة رُبمَا لامست أنامله عِنْد ولوعه بالقضيب فتقحل وتشقق فحكمت بذلك وَكَانَ مُوَافقا
وَمن نَوَادِر أَمِين الدولة وَحسن إِشَارَته إِنَّه كَانَ يَوْمًا عِنْد المستضيء بِأَمْر الله وَقد أسن أَمِين الدولة
فَلَمَّا نَهَضَ للْقِيَام توكأ على رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة كَبرت يَا أَمِين الدولة
فَقَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وتكسرت قواريري ففكر الْخَلِيفَة فِي قَول أَمِين الدولة وَعلم أَنه لم يقلهُ إِلَّا لِمَعْنى قد قَصده وَسَأَلَ عَن ذَلِك فَقيل لَهُ إِن الإِمَام المستنجد بِاللَّه كَانَ قد وهبه ضَيْعَة تسمى قَوَارِير وَبقيت فِي يَده زَمَانا ثمَّ من مُدَّة ثَلَاث سِنِين حط الْوَزير يَده عَلَيْهَا
فتعجب الْخَلِيفَة من حسن أدب أَمِين الدولة وَأَنه لم ينْه أمرهَا إِلَيْهِ وَلَا عرض بطلبها
ثمَّ أَمر الْخَلِيفَة بِإِعَادَة الضَّيْعَة إِلَى أَمِين الدولة وَأَن لَا يُعَارض فِي شَيْء من ملكه
وَمن نوادره أَن الْخَلِيفَة كَانَ قد فوض إِلَيْهِ رئاسة الطِّبّ بِبَغْدَاد وَلما اجْتمع إِلَيْهِ سَائِر الْأَطِبَّاء ليرى مَا عِنْد كل وَاحِد مِنْهُم من هَذِه الصِّنَاعَة كَانَ من جملَة من حَضَره شيخ لَهُ هَيْئَة ووقار وَعِنْده سكينَة فَأكْرمه أَمِين الدولة وَكَانَت لذَلِك الشَّيْخ دربة مَا بالمعالجة وَلم يكن عِنْده من علم صناعَة الطِّبّ إِلَّا التظاهر بهَا
فَلَمَّا انْتهى الْأَمر إِلَيْهِ قَالَ لَهُ أَمِين الدولة مَا السَّبَب فِي كَون الشَّيْخ لم يُشَارك الْجَمَاعَة فِيمَا يبحثون فِيهِ حَتَّى نعلم مَا عِنْده من هَذِه الصِّنَاعَة فَقَالَ يَا سيدنَا وَهل شَيْء مِمَّا تكلمُوا فِيهِ إِلَّا وَأَنا أعلمهُ وَقد سبق إِلَى فهمي أَضْعَاف ذَلِك مَرَّات كَثِيرَة فَقَالَ لَهُ أَمِين الدولة فعلى من كنت قد قَرَأت هَذِه الصِّنَاعَة فَقَالَ الشَّيْخ يَا سيدنَا إِذا صَار الْإِنْسَان إِلَى هَذِه السن مَا يبْقى يَلِيق بِهِ إِلَّا أَن يسْأَل كم لَهُ من التلاميذ وَمن هُوَ المتميز فيهم
وَأما الْمَشَايِخ الَّذين قَرَأت عَلَيْهِم فقد مَاتُوا من زمَان طَوِيل
فَقَالَ لَهُ أَمِين الدولة يَا شيخ هَذَا شَيْء قد جرت الْعَادة بِهِ وَلَا يضر ذكره وَمَعَ هَذَا فَمَا علينا أَخْبرنِي أَي شَيْء قد قرأته من الْكتب الطبيبة وَكَانَ قصد أَمِين الدولة أَن يتَحَقَّق مَا عِنْده
فَقَالَ سُبْحَانَ الله الْعَظِيم صرنا إِلَى حد مَا يسْأَل عَنهُ الصّبيان وَأي شَيْء قد قرأته من الْكتب يَا سيدنَا لمثلي مَا يُقَال إِلَّا أَي شَيْء صنفته فِي صناعَة الطِّبّ وَكم لَك فِيهَا من الْكتب والمقالات وَلَا بُد أنني أعرفك بنفسي
ثمَّ إِنَّه نَهَضَ إِلَى أَمِين الدولة ودنا مِنْهُ وَقعد عِنْده وَقَالَ
لَهُ فِيمَا بَينهمَا يَا سَيِّدي اعْلَم أنني قد شخت وَأَنا أوسم بِهَذِهِ الصِّنَاعَة وَمَا عِنْدِي مِنْهَا إِلَّا معرفَة اصْطِلَاحَات مَشْهُورَة فِي المداواة وعمري كُله أتكسب بهَا وَعِنْدِي عائلة فسألتك بِاللَّه يَا سيدنَا مشي حَالي وَلَا تفضحني بَين هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة
فَقَالَ أَمِين الدولة على شريطة وَهِي أَنَّك لَا تهجم على مَرِيض بِمَا تعلمه وَلَا تُشِير بفصد وَلَا بدواء مسهل إِلَّا لما قرب من الْأَمْرَاض
فَقَالَ الشَّيْخ هَذَا مذهبي مُنْذُ كنت مَا تعديت السكنجبين والجلاب
ثمَّ ان أَمِين الدولة قَالَ لَهُ مُعْلنا وَالْجَمَاعَة تسمع يَا شيخ اعذرنا فإننا مَا كُنَّا نعرفك والآن فقد عرفناك اسْتمرّ فِيمَا أَنْت فِيهِ فَإِن أحدا مَا يعارضك
ثمَّ إِنَّه عَاد بعد ذَلِك فِيمَا هُوَ فِيهِ مَعَ الْجَمَاعَة وَقَالَ لبَعْضهِم على من قَرَأت هَذِه الصِّنَاعَة وَشرع فِي امتحانه فَقَالَ يَا سيدنَا
أَنا من تلامذة هَذَا الشَّيْخ الَّذِي قد عَرفته وَعَلِيهِ كنت قد قَرَأت صناعَة الطِّبّ
فَفطن أَمِين الدولة بِمَا أَرَادَ من التَّعْرِيض بقوله وَتَبَسم ثمَّ امتحنه بعد ذَلِك
وَكَانَ لأمين الدولة بن التلميذ أَصْحَاب وَجَمَاعَة يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام أُتِي إِلَيْهِ ثَلَاثَة منجم ومهندس وَصَاحب أدب
فسألوا عَن أَمِين الدولة غُلَامه قنبر فَذكر لَهُم أَن سَيّده لَيْسَ فِي الدَّار وَأَنه لم يَأْتِ فِي ذَلِك الْوَقْت
فراحوا ثمَّ إِنَّهُم عَادوا فِي وَقت آخر وسألوه عَنهُ فَذكر لَهُم مثل قَوْله الأول
وَكَانَ لَهُم ذوق من الشّعْر فَتقدم المنجم وَكتب على الْحَائِط عِنْد بَاب الدَّار
(قد بلينا فِي دَار أسعد قوم بمدبر ...)
ثمَّ كتب المهندس بعده
بقصير مطولوطويل مقصر
ثمَّ تقدم صَاحب الْأَدَب وَكَانَ عِنْده مجون فَكتب
كم تَقولُونَ قنبرادحرجوا رَأس قنبر) الْخَفِيف
ومضوا
فَلَمَّا جَاءَ أَمِين الدولة قَالَ لَهُ قنبر يَا سَيِّدي جَاءَ ثَلَاثَة إِلَى هَهُنَا يطلبونك وَلما لم يجدوك كتبُوا هَذَا على الْحَائِط
فَلَمَّا قَرَأَهُ أَمِين الدولة قَالَ لمن مَعَه يُوشك أَن يكون هَذَا الْبَيْت الأول خطّ فلَان المنجم وَهَذَا الْبَيْت الثَّانِي خطّ فلَان المهندس وَهَذَا الثَّالِث خطّ فلَان صاحبنا فَإِن كل بَيت يدل على شَيْء مِمَّا يعانيه صَاحبه
وَكَانَ الْأَمر كَمَا حدسه أَمِين الدولة سَوَاء
وَكَانَت دَار أَمِين الدولة هَذِه يسكنهَا بِبَغْدَاد فِي سوق الْعطر مِمَّا يَلِي بَابه المجاور لباب الغربة من دَار الْخلَافَة المعظمة بالمشرعة النَّازِلَة إِلَى شاطئ دجلة
وَقَالَ أَمِين الدولة بن التلميذ فَكرت يَوْمًا فِي أَمر الْمذَاهب فَرَأَيْت هاتفا فِي النّوم وَهُوَ ينشدني
أعوم فِي بحرك عَليّ أرىفِيهِ لما أطلبه قعرا
فَمَا أرى فِيهِ سوى موجةتدفعني عَنْهَا إِلَى أُخْرَى) السَّرِيع
وحَدثني سعد الدّين بن أبي السهل الْبَغْدَادِيّ العواد وَكَانَ قد عمر قَالَ رَأَيْت أَمِين الدولة بن التلميذ وَاجْتمعت بِهِ وَكَانَ شَيخا ربع الْقَامَة عريض اللِّحْيَة حُلْو الشَّمَائِل كثير النادرة
قَالَ وَكَانَ يحب صناعَة الموسيقى وَله ميل إِلَى أَهلهَا
وحَدثني سديد الدّين مَحْمُود بن عَمْرو ﵀ قَالَ حَدثنِي الإِمَام فَخر الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام المارديني وَكَانَ صديقا لأمين الدولة وعاشره مُدَّة قَالَ كَانَ الْأَجَل أَمِين الدولة بن التلميذ من المتميزين فِي الْعَرَبيَّة وَكَانَ يحضر مَجْلِسه فِي صناعَة الطِّبّ خلق كثير يقرأون عَلَيْهِ
وَكَانَ اثْنَان من النُّحَاة يلازمان مَجْلِسه وَلَهُمَا مِنْهُ الْأَنْعَام والافتقاد فَكَانَ من يجده من المشتغلين عَلَيْهِ يلحن كثيرا فِي قِرَاءَته أَو هُوَ ألكن يتْرك أحد ذَيْنك النَّحْوِيين يقْرَأ عَنهُ وَهُوَ يسمع
ثمَّ يَأْمر ذَلِك التلميذ أَيْضا بِأَن يُقرر للنحوي شَيْئا يعيطه إِيَّاه عَن قِرَاءَته عَنهُ
وَكَانَ لأمين الدولة ولد وَلم يكن مدْركا لصناعة الطِّبّ وَكَانَ فِي سَائِر أَحْوَاله بَعيدا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَمِين الدولة
ولأمين الدولة فِيهِ
أَشْكُو إِلَى الله صاحبا شكساتسعفه النَّفس وَهُوَ يعسفها
فَنحْن كَالشَّمْسِ والهلال مَعًاتكسبه النُّور وَهُوَ يكسفها) المنسرح
وَكَانَ أَمِين الدولة يؤنب وَلَده أَيْضا بِهَذَا الْبَيْت
وَالْوَقْت أنفس مَا عنيت بحفظهوَأرَاهُ أسهل مَا عَلَيْك يضيع) الْكَامِل
وحَدثني الشَّيْخ الإِمَام رَضِي الدّين الطَّبِيب الرَّحبِي ﵀ قَالَ اجْتمعت فِي بَغْدَاد بِابْن أَمِين الدولة فَلَمَّا جرى بَيْننَا حَدِيث قَالَ فِي سِيَاقَة كَلَامه أَن فِي السَّمَاء من الْجَانِب الجنوبي مثقبا تطلع فِيهِ الأدخنة وتنزل مِنْهُ الْأَرْوَاح
وبدت مِنْهُ أَشْيَاء كَثِيرَة من هَذَا الْقَبِيل ظهر بهَا أَن لَيْسَ عِنْده شَيْء من تَحْقِيق الْعلم وَلَا لَهُ فطْرَة سليمَة
وحَدثني الشَّيْخ السّني البعلبكي الطَّبِيب قَالَ رَاح من عندنَا من دمشق ثَلَاثَة من أطباء النَّصَارَى إِلَى بَغْدَاد سماهم فَلَمَّا أَقَامُوا بهَا سمعُوا بِابْن أَمِين الدولة فَقَالُوا سمعة وَالِده عَظِيمَة والمصلحة أننا نروح إِلَيْهِ ونسلم عَلَيْهِ ونخدمه ونكون قد اجْتَمَعنَا بِهِ قبل السّفر إِلَى الشَّام
فقصدوا دَاره ودخلوا إِلَيْهِ وسلموا وعرفوه أَنهم نَصَارَى وَأَن قصدهم التشرف بِرُؤْيَتِهِ فأكرمهم وأجلسهم عِنْده
قَالَ السّني فحدثوني أَنه تبين لَهُم سخافة عقل وَضعف رَأْي
وَذَلِكَ أَنه من جملَة مَا
حَدثهمْ أَنه قَالَ يَقُولُونَ إِن الشَّام مليح ودمشق طيبَة وَأَنا قد عزمت أَن أبصرهَا إِلَّا أنني أعمل من حَيْثُ الْعلم والهندسة شَيْئا أكون إِذا سَافَرت إِلَيْهَا يكون بسهولة وَلَا أجد كلفة
قَالُوا فَقُلْنَا لَهُ يَا سيدنَا كَيفَ تعْمل فَقَالَ أما تعلمُونَ أَن الشَّام منخفض عَن أقليم بَغْدَاد وَأَنه مُسْتَقل عَنهُ وَذَلِكَ مَذْكُور فِي علم الْهَيْئَة وارتفاع الْمَوَاضِع بَعْضهَا على بعض
فَقُلْنَا نعم يَا سيدنَا
فَقَالَ اسْتعْمل عجلا من الْخشب ببكر كبار وَيكون فَوْقهم دفوف مبسوطة مسمرة وَاجعَل فَوْقهم جَمِيع مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَإِذا أطلقنا الْعجل تروح بالبكر بِسُرْعَة فِي الانحدار وَلَا نزال كَذَلِك إِلَى أَن نصل إِلَى دمشق بِأَهْوَن سعي
قَالُوا فتعجبنا من غفلته وجهله
ثمَّ قَالَ وَالله مَا تروحون حَتَّى أضيفكم وتأكلون عِنْدِي طَعَاما
وَصَاح بالفراش فأحضر سفرة فاخرة وَمد عَلَيْهَا رقاقا رفيعا أَبيض لَا يكون شَيْء أحسن مِنْهُ كَأَنَّهُ النصافي البغدادية وهنابا فِيهِ خل وهندبا منقاة جعلهَا حواليه ثمَّ قَالَ بِسم الله كلوا
قَالُوا فأكلنا شَيْئا يَسِيرا إِذْ هُوَ على خلاف عادتنا فِي الْأكل
ثمَّ رفع يَدَيْهِ وَقَالَ يَا غُلَام هَات الطست فَاحْضُرْ طستا مفضضا وَقطعَة صابون رقي كَبِيرَة وسكب عَلَيْهِ المَاء وَهُوَ يغسل يَدَيْهِ فأرغى الصابون ثمَّ مسح بِهِ فَمه وَوَجهه ولحيته حَتَّى بقيت عَيناهُ وَوَجهه ملآن من ذَلِك الصابون وَهُوَ أَبيض وَنظر إِلَيْنَا
قَالُوا وَكَانَ منا فلَان لم يَتَمَالَك أَن ضحك وَزَاد عَلَيْهِ وَقَامَ فَخرج من عِنْده
فَقَالَ مَا لهَذَا فَقُلْنَا لَهُ يَا سيدنَا هَذَا فِيهِ خفَّة عقل وَهَذِه عَادَته
فَقَالَ لَو أَقَامَ عندنَا داويناه فتعجبنا مِنْهُ ثمَّ ودعناه وانصرفنا وَنحن نسْأَل الله الْعَافِيَة مِمَّا كَانَ فِيهِ من الْجَهْل
وَحدث بعض الْعِرَاقِيّين إِن أَمِين الدولة مَاتَ لصديق لَهُ ولد وَكَانَ ذَا أدب وَعلم وَلم يعزه أَمِين الدولة
فَلَمَّا اجْتمع بِهِ بعد ذَلِك عتب عَلَيْهِ إِذْ لم يعزه عَن وَلَده للمودة الَّتِي بَينهمَا
فَقَالَ أَمِين الدولة لَا تلمني فِي هَذَا فوَاللَّه أَنا أَحَق بالتعزية مِنْك إِذْ مَاتَ ولدك وَبَقِي مثل وَلَدي
وَوجدت كلَاما لأمين الدولة فِي ضمن رِسَالَة كتبهَا إِلَى وَلَده وَكَانَ يعرف برضي الدولة أبي نصر قَالَ والتفت بذهنك عَن هَذِه الترهات إِلَى تَحْصِيل مَفْهُوم تتَمَيَّز بِهِ
وَخذ نَفسك من الطَّرِيقَة بِمَا كررت تنبيهك عَلَيْهِ وإرشادك إِلَيْهِ واغتنم الْإِمْكَان واعرف قِيمَته
وتشاغل بشكر الله تَعَالَى عَلَيْهِ
وفز بحظ نَفِيس من الْعلم تثق من نَفسك بِأَن عقلته وملكته لاقرأته ورويته فَإِن بَقِيَّة الحظوظ تتبع هَذَا الْحَظ الْمَذْكُور وَتلْزم صَاحبه
وَمن طلبَهَا من دونه فَأَما أَن لَا يجدهَا وَأما إِن لَا يعْتَمد عَلَيْهَا إِذا وجدهَا وَلَا يَثِق بدوامها
وَأَعُوذ بِاللَّه أَن ترْضى لنَفسك إِلَّا بِمَا يَلِيق بمثلك أَن يتسامى إِلَيْهِ بعلو همته وَشدَّة أنفته وغيرته على نَفسه
وَمِمَّا قد كررت عَلَيْك الوصاة بِهِ أَن لَا تحرص على أَن تَقول شَيْئا لَا يكون مهذبا فِي مَعْنَاهُ وَلَفظه وَيتَعَيَّن عَلَيْك إِيرَاده
فَأَما مُعظم حرصك فتصرفه إِلَى أَن تسمع مَا تستفيده لَا مَا يُلْهِيك ويلذ للإغمار وَأهل الْجَهَالَة نزهك الله
عَن طبقتهم فَإِن الْأَمر كَمَا قَالَ أفلاطن الْفَضَائِل مرّة الْورْد حلوة الصَّدْر والرذائل حلوة الْورْد مرّة الصَّدْر
وَقد زَاد أرسطوطاليس فِي هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ إِن الرذائل لَا تكون حلوة الْورْد عِنْد ذِي فطْرَة فائقة بل يُؤْذِيه تصور قبحها أَذَى يفْسد عَلَيْهِ مَا يستلذه غَيره مِنْهَا
وَكَذَلِكَ يكون صَاحب الطَّبْع الْفَائِق قَادِرًا بِنَفسِهِ على معرفَة مَا يتوخى وَمَا يجْتَنب كالتام الصِّحَّة يَكْفِي حسه فِي تَعْرِيفه النافع والضار
فَلَا ترض لنَفسك حفظك الله إِلَّا بِمَا تعلم أَنه يُنَاسب طبقَة أمثالك
وأغلب خطرات الْهوى بعزمات الرِّجَال الرَّاشِدين واطمح بِنَفْسِك إِلَيْهَا تتركك فِي طَاعَة عقلك
فَإنَّك تسر بِنَفْسِك وتراها فِي كل يَوْم مَعَ اعْتِمَاد ذَلِك فِي رُتْبَة علية ومرقاة من سَمَاء فِي السَّعَادَة
وَكَانَت وَفَاة أَمِين الدولة بِبَغْدَاد فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين من شهر ربيع الأول سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَله من الْعُمر أَربع وَتسْعُونَ سنة
وَمَات نَصْرَانِيّا وَخلف نعما كَثِيرَة وأموالا جزيلة وكتبا لَا نَظِير لَهَا فِي الْجَوْدَة
فورث جَمِيع ذَلِك وَلَده وَبَقِي مُدَّة ثمَّ إِن ولد أَمِين الدولة خنق فِي دهليز دَاره الثُّلُث الأول من اللَّيْل وَأخذ مَاله ونقلت كتبه على اثْنَي عشر جملا إِلَى دَار الْمجد بن الصاحب
وَكَانَ ابْن أَمِين الدولة قد أسلم قبل مَوته
وَقيل إِنَّه كَانَ شَيخا قد ناهز الثَّمَانِينَ سنة
وَوجدت فِي أثْنَاء كتاب كتبه السَّيِّد النَّقِيب الْكَامِل بن الشريف الْجَلِيل إِلَى أَمِين الدولة بن التلميذ وَهُوَ يمتدحه فِيهِ بِهَذِهِ القصيدة
أَمِين الدولة أسلم للأياديعَليّ رغم الْمَنَاوِيّ والمعادي
وللمعروف تنشره إِذا مَاطواه تناوب النوب الشداد
فَأَنت الْمَرْء تلفى حِين تدعىجوادا بالطريف وبالتلاد
وصُولا للخليل على التنائيودودا لَا يحول عَن الوداد
سديد الرَّأْي والأقوال تأبىنَهَاهُ أَن يمِيل عَن السداد
سأشكر مَا صنعت من الأياديإِلَيّ على التداني والبعاد
وأثني وَالثنَاء عَلَيْك حقبِمَا أوليتني فِي كل نَادِي
وَهل شكري على مر اللَّيَالِيينَال مدى ولائي واعتقادي
دعوتك وَالزَّمَان بِهِ حرانفأمسى وهولي سهل القياد
أناديه فيسمعني وقدماتجانب لي أَصمّ عَن الْمُنَادِي
وَكم من منَّة لَك لَا توازيبِلَا من لدي وَلَا اعْتِدَاد
وَمن بَيْضَاء قد عمرت بقلبيمحلك مِنْهُ فِي أقْصَى سَواد
أرى الأشواق نَحْوك فِي فُؤَادِيكَمثل النَّار فِي حجر الزِّنَاد
مَتى ولعت بِهِ ذكراك كَادَتلحر الوجد تلفظني بلادي
تحن ركائبي وأحن شوقاإِذا خطر اللِّقَاء على فُؤَادِي
وأطمع فِي الرقاد رَجَاء زوريلم وَأَيْنَ طرفِي والرقاد
سأبعثها تثير البيد وخداوتعتسف الظلام بِغَيْر هادي
لَو أَن النَّجْم جاراها دَلِيلاتحير أَو شكا طول السهاد
تلفت بِي إِلَى الزَّوْرَاء زوراكَمَا التفتت إِلَى المَاء الصوادي
وَلَو أَن الزَّمَان جرى وَمن ليبِأَن يجْرِي الزَّمَان على مرادي
وأمكنني المزار لما عدتنيوحقك عَن زيارتك العوادي
فَمن لي أَن تسيرني المطاياإِلَيْك وَلَو سريت بِغَيْر زَاد
أَقُول لصَاحب لم يدر جهلاأغيي مَا تحاول أم رشادي
إِذا واليت فَانْظُر من تواليوَإِن عاديت فَانْظُر من تعادي
فَإِن أَحْبَبْت تعرف مَا التناهيمن الْأَشْيَاء فَانْظُر فِي المبادي
وَدعنِي وَالثنَاء على مبرعرفت بِهِ صلاحي من فسادي
على متوحد فِي الْفضل سَامإِلَى أمد العلى مَبْنِيّ الأيادي
أخي حكم شواهدها عَلَيْهِبواد فِي الحواضر والبوادي
إِذا مَا قيس قصر عَنهُ قسوَقس مَا علمنَا فِي أياد
وَإِن جاورته جَاوَرت غيثايذوب نداه فِي الْعَام الجماد
أَو استنجدته أعداك مِنْهُأَخُو عزم على الْأَيَّام عادي
جواد بِالَّذِي تحوي يَدَاهُإِذا نُودي أَلا هَل من جواد
يجيبك قبل أَن تَدْعُو نداهوَيَكْفِي كل حَادِثَة بنادي
أَخُو كرم يقل العتب فِيهِوإفضال تقر بِهِ الأعادي
وأخلاق كَمثل الراح شيبتبمشمول من الصفو البراد
بِأَدْنَى سَعْيه حَاز الْمَعَالِيوأخفق غَيره بعد اجْتِهَاد
وَفِي الغايات أَن لز المذاكيتبين المقرفات من الْجِيَاد
أَبَا الْحسن اسْتمع مني ثَنَاءحلا فَخَلا من الْمَعْنى الْمعَاد
كأنفاس الرياض سرت عَلَيْهَاصبا فتعطرت غب العهاد
أنادي فِيهِ بِاسْمِك والقوافيتؤرج لَا بسعدى أَو سعاد
وَقد عرضته لَك مستجيرابعدلك فِيهِ من جور انتقاد
وَمثلك من رأى قصد القوافيإِلَيْهِ وَقَالَ فِيهَا باقتصاد
جزيت الصَّالِحَات فَأَنت أهللَهَا وسقيت أنواء الغوادي
ودمت على الزَّمَان وكل شَيْءعلى مر الزَّمَان إِلَى نفاد
وَقَالَ الشريف أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الهبارية العباسي من قصيدة يمدح بهَا الْأَجَل أَمِين الدولة بن التلميذ يَقُول فِيهَا
يَا بني التلميذ لَو وافيتكملم تكن نَفسِي بأهلي شغفه
وتسليت بكم عَن صبيتيوَغدا وسطي ثقيل المنصفة
إِنَّمَا طلقت كرمان بكمإِنَّكُم لي عوض مَا أشرفه
برئيس الْحُكَمَاء المرتجىأَنه لي جنَّة مخترفه
عوقتني عَن عميد الْملكدنياي ودنياي ظلوم مجحفه
لَو رَآنِي هبة الله أَبُو الْحسنالأوحد كَانَت متحفه
فَهُوَ من نَخْلَة دهري طلعةحلوة الطّعْم وكل حشفه
غَدَتْ الدُّنْيَا وَمن فِيهَا مَعًالعلاه بالعلى معترفه
فأماني الورى كلهممن أيادي جوده مغترفه
وبأبراد معالي ظلهمن تصاريف الردى ملتحفه
شمس مجد لَا ترَاهَا أبداعَن سموات العلى منكسفه
جلّ أَن يدْرك وَصفا مجدهأَنه أكبر من كل صفه
فَهُوَ غدر الدَّهْر بل إحسانهوالبرايا يبسات قشفه
لَو تمكنت لكَانَتْ جملتيفِي زَوَايَا دَاره مُعْتَكفه
سنّ فِي دنيا الْمَعَالِي سنناأَصبَحت معجبة مستظرفه
فِيهِ تفتخر الدُّنْيَا الَّتِيأَصبَحت من غَيره مستنكفه
سَيِّدي كم غمَّة جليتهافغدت ظلمتها منكشفه
وأياد جمة أوليتهابيد مَا بَرحت مرتشفه
نثرت مِنْك بروق لم تكنحِين شمناها بروقا مخلفه
وتراءى مِنْك بر شكرهمعجز كل لِسَان وشفه
إِنَّمَا أحبو بني التلميذ بالمدحإِذْ كلهم ذُو معرفه
فَابْن يحيى مِنْهُم محيي الندىزَاد فِي الْجُود على من خَلفه
وَهُوَ فِي الْفضل لَهُ الْفضل علىكل من أنكرهُ أَو عرفه
حقق الكنية من وَالِدهكرما فِيهِ وطبعا أَلفه
وهم من صاعد عَن سادةبِأبي مجدهم مَا أنظفه
لَا تقسهم بالورى كلهمفتقس لَيْث الشرى بالجعدفه
فَابْن إِبْرَاهِيم لاهوت العلىمن دَعَاهُ بشرا مَا أنصفه
يَا رَئِيس الْحُكَمَاء استجلهامن بَنَات الْفِكر بكرا مترفه
إِنَّنِي انفذت نخلي قَاصِداأشتكي دهرا قَلِيل النصفه
وبأنعامك قد عللتهاإِنَّه يجلو الخطوب المغدفه
فأبق للمجد ثمالا مَا رغتلغبا جسرة سَار موجفه
كم لكم من نعْمَة تالدةتترجى أُخْتهَا المطرفه
جددوا إيرادها يَا سادتيبأياد مِنْكُم مؤتنفه) الرمل
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع