سَقى اللهَ الجَزيرةَ من بلادٍ
الشاعر: ابن نباتة السعدي · البحر: الوافر
هذه القصيدة من شعر ابن نباتة السعدي، من العصر العباسي، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سَقى اللهَ الجَزيرةَ من بلادٍ ... وَوَادىِ الرِّمْثِ من شَجَنِ وَوَادِ
وأيَاماً سكنَّ اليَّ أُنْساً ... سكونَ المقلتينِ الى الرُّقَادِ
تَغَلْغَلَ سُكرُها في أُمِّ رأسي ... فلم أَعرفْ صَلاحى من فَسَادِى
أَرى بذلَ التِّلادِ لها قليلاً ... ولا أَعتَدُّ عُمرى مِنْ تِلادي
كأَنى لا أَظُنُّ العيشَ يَفنى ... ولا أَنَّ الحياةَ الى نَفَاذِ
وَحَيَّاــ اللهُ بالزوراءِ حَيّاً ... سَلبتُ اليهم مَرَحَ الجِيَادِ
ونَخْوَةَ وارداتِ الخِمْسِ لَغْواً ... يُطَاوِلْنَ الأسِنَّةَ بالهوَادِي
كَرَاكِرُ جَمَّةٌ من آلِ حَمْدٍ ... وَرِثْنَ المجدَ قبلَ تُراثِ عَادِ
هم قبل البواذجِ من شَرَوَرى ... وقبل الهَضْبِ أوَتادُ البِلاَدِ
ولما استبدلتْ بهم الليالى ... فَقَدْتُهُم ولم افقدْ وِدَادِي
هجرتُ الناسَ غيرَهم فَلَجُّوا ... مُباينَةً ولجَّ بيَ التَّمَادِي
أَدام اللهُ مــــا خَــــوَّلْتُمُوهُ ... وأَوهنَ كيدُكم كيدَ الأَعادِي
فاني لا أزالُ أَلومُ نَفْسى ... على طُولِ التَّجَنُّبِ والبِعَادِ
وأعــــلم أَنَّ رأْيكمُ سَليمٌ ... لمــــن والاكم وارِي الزنَادِ
وما اعتاضُ بالأَقوامِ منكم ... وهل يعتاضُ صَدرِى من فُؤادِي
فِــــدَى للاريَحي أَبى عليِّ ... وقَلَّ له بأَنْ يَفديهِ فَادِ
ضَجيعٌ للهُوَينا لم تُبِتْهُ ... مآربهُ على شَواكِ القَتَادِ
فلم أَرَ مثلَهُ لِدِفاع خَطْبٍ ... وَرقْيَةِ حَيَّةٍ نزلتْ بِوَادِ
أَمَرُّ مَرَارَةً وأشَدُّ بَطْشا ... وكشفاً للمُلمَّاتِ الشِّدَادِ
غنيٌّ حينَ تَطْرُقُهُ لأَمْرٍ ... عن التَّعْريضِ فيهِ بالمُرَادِ
فما قِدَمُ التجاربِ قَدَّمَتْهُ ... ولكنَّ السيادةَ في السَّوَادِ
جَرَى وَجَرَى الجِيادُ الى مَدَاهُ ... فما عَلِقَ الكُوَاديِنُ بالجيَادِ
ولا أغنَتْ شِيَاتٌ مُعْجَبَاتٌ ... ولا عُرَرٌ تُضَمَّخُ بالجِسَادِ
يَروقُكَ صيغةُ الجَفنِ المُحَلى ... ونصلُ السيفِ أوَلى بالِجِلاَدِ
وَشَـــــمَّرَ للمـــــكـــــارمِ شَـــــمَّرِيٌّ ... تَبينَ فضلُه عندَ الوِلاَدِ
نمى في دولةِ الملكِ المُرَجَّى ... كما ينمى النَّباتُ على العِهَادِ
كريمُ الفِعْلِ مطبوعُ السَّجايا ... على التوفيقِ فيها والرَّشَادِ
يُعاطينى بَشَاشَتَهُ فَأروَى ... كما يروى بِبرْدْ الماءِ صَادٍ
أَقــــــولُ لخـــــائفٍ رَجَّى سِـــــوَاهُ ... فَلَمْ يَظْفَرْ بعزٍّ مستفَادِ
اذا واليتَ فانظرْ من تُوالىِ ... وانْ عاديتَ فانظرْ من تُعَادِي
فانَّ العبدَ يأتى الضيمَ طوعاً ... وانَّ الحُرَّ يأنفُ في الصِّفَادِ
أَبوكَ ثَنى الجَوامحَ عن هَواهَا ... وعلّمها مُطَاوعةَ القِيَادِ
وكانَ الملكُ مُضْطراً اليهِ ... كما أُضْطُرَّ الطِّرافُ الى العِمَادِ
كأَنَّ الناظرينَ اليه رِيْعُوا ... بِرئبَالٍ من الاسَادِ عَادِ
يَسُورُ حِذَارَهُ في العينِ حتى ... يُنَهْنِهُهَا عن النَّظَرِ المُعَادِ
رأَى في الرفقِ كيداً لم يروهُ ... وكــــانَ الرفقُ أَدنى للسَّدَادِ
ولم يَتَعَسَّفِ التَّدْبيرَ خَبْطاً ... كمن ركبَ الفلاةَ بغيرِ هَادِ
يُـــــقَـــــلِّبُ رأْيَهُ كَــــراً وفَــــرّاً ... كما قَلَّبْتَ رُمْحَكَ في الطِّرَادِ
فأَبلغْ سيدَ الوزراءِ عَنِّى ... مقالةَ ناصحٍ مَحْضٍ الوِدَادِ
أَقِمْ أَودَ الرعيَّةِ غَيرَ وَانٍ ... وكلَّهم اذا لم يجد جادِ
وان لم يُنهَ أَصغرُهم بقمعٍ ... فأَكبرُهم أَخفُ الى الفَسَادِ
أُحِبُّ بَقاءَ دولتكم وأرَجو ... لكم ولها الخلودَ الى التَّنَادِي
وأَجهدُ في الولاءِ وليتَ أَنَّى ... اذا بالغتُ أَقنعُ باجتهَادِي
وكيفَ يمازُ في السَّرَّاءِ غِشَي ... وفي الضَّرَّاءِ قد عُلمَ اعتقادِي
أَجبتُ وما دُعيتُ وكنتُ أُدعى ... فلا أُصْغِى الى قَولِ المُنَادِي
فهل لك في يَدٍ تَنْتَاشُ حُراً ... خفيفَ الظَّهرِ من حِملِ الأَيادِي
اذا فُرصُ المطامعِ أَمكنته ... تنكبَ نابلَ السمعِ الجوَادِ
رآكَ أَحقَ بالتأميلِ منهم ... وأَولى بالحِيَاطَةِ والذيَادِ
نصيبٌ من صريحِ المجدِ فُزتُم ... به دونَ الحَواضرِ والبَوَادِي
ومكُرمَةٌ لكم ذُخِرَتْ وصِيْنَتْ ... تَولى حِفْظَها ربُّ العِبَادِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:
- التلاد: تلد: التَّالِدُ: الْمَالُ الْقَدِيمُ الأَصلِيُّ الَّذِي وُلد عِنْدَكَ، وَهُوَ نَقِيضُ الطَّارِفِ. ابْنُ سِيدَهْ: التَّلْدُ والتُّلْدُ والتِّلادُ والتَّلِيدُ والإِتْلادُ كالإِسْنامِ والمُتْلَدُ، الأَخيرة عَنِ ابْنِ جِنِّي … (لسان العرب)
- الخمس: خمس: الخمسةُ: مِنْ عَدَدِ الْمُذَكَّرِ، والخَمْسُ: مِنْ عَدَدِ المؤَنث مَعْرُوفَانِ؛ يُقَالُ: خَمْسَةُ رِجَالٍ وَخَمْسُ نِسْوَةٍ، التَّذْكِيرُ بِالْهَاءِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ صُمْنا خَمْساً مِنَ الشَّهْرِ فَيُغَلّ … (لسان العرب)
- الرمث: رمث: الرِّمْثُ، واحدتُه رِمْثةٌ: شَجَرَةٌ مِنَ الحَمْضِ؛ وَفِي الْمُحْكَمِ: شجرٌ يُشْبِه الغَضا، لَا يَطُولُ، وَلَكِنَّهُ يَنْبَسِطُ ورقُه، وَهُوَ شَبِيهٌ بالأُشْنانِ، والإِبل تُحَمِّضُ بِهَا إِذا شَبِعَتْ مِنَ الخُلَّة، … (لسان العرب)
- المقلتين: قلت: القَلْتُ، بإِسكان اللَّامِ: النُّقْرةُ فِي الجَبَل تُمْسكُ الماءَ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: كالنُّقْرة تَكُونُ فِي الْجَبَلِ، يَسْتَنْقِعُ فِيهَا الماءُ، والوَقْبُ نحوٌ منه؛ كذلك كلُّ نُقْرة فِي أَرضٍ أَو بَدَنٍ؛ أُنثى، … (لسان العرب)
- بالزوراء: زرأ:[[. قوله [زرأ] هذه المادة حقها أن تورد في فصل الراء كما هي في عبارة التهذيب وأوردها المجد في المعتل على الصحيح من فصل الراء.]]: أَزْرَأَ إِلَى كَذَا: صَارَ. اللَّيْثُ: أَزْرأَ فُلان إِلَى كَذَا أَي صارَ إِلَيْهِ. فَه … (لسان العرب)
- بالهوادي: هود: الهَوْدُ: التَّوْبَةُ، هادَ يَهُودُ هوْداً وتَهَوَّد: تابَ وَرَجَعَ إِلى الْحَقِّ، فَهُوَ هائدٌ. وقومٌ هُودٌ: مِثْلُ حائِكٍ وحُوكٍ وبازِلٍ وبُزْلٍ؛ قَالَ أَعرابي: إِنِّي امرُؤٌ مِنْ مَدْحِهِ هائِد وَفِي التَّنْزِيلِ … (لسان العرب)
- تراث: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ [الفجر : 19] ، أصله: وراث، وهو من باب الواو. (مفردات الراغب)