من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
الْحَفِيد أَبُو بكر بن زهر
هُوَ الْوَزير الْحَكِيم الأديب الحسيب أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي مَرْوَان بن أبي الْعَلَاء بن زهر مولده بِمَدِينَة أشبيلية وَنَشَأ بهَا وتميز فِي الْعُلُوم وَأخذ صناعَة الطِّبّ عَن أَبِيه وباشر أَعمالهَا وَكَانَ معتدل الْقَامَة صَحِيح البنية قوي الْأَعْضَاء
وَصَارَ فِي سنّ الشيخوخة ونضارة لَونه وَقُوَّة حركاته لم يتَبَيَّن فِيهَا تغير وَإِنَّمَا عرض لَهُ فِي أَوَاخِر عمره ثقل فِي السّمع
وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ وَسمع الحَدِيث واشتغل بِعلم الْأَدَب والعربية وَلم يكن فِي زَمَانه أعلم مِنْهُ بِمَعْرِِفَة اللُّغَة
ويوصف بِأَنَّهُ قد أكمل صناعَة الطِّبّ وَالْأَدب وعانى عمل الشّعْر وأجاد فِيهِ
وَله موشحات مَشْهُورَة ويغنى بهَا وَهِي من أَجود مَا قيل فِي ذَلِك
وَكَانَ ملازما للأمور الشَّرْعِيَّة متين الدّين قوي النَّفس محبا للخير
وَكَانَ مهيبا وَله جرْأَة فِي الْكَلَام وَلم يكن فِي زَمَانه أعلم مِنْهُ بصناعة الطِّبّ وَذكره قد شاع واشتهر فِي أقطار الأندلس وَغَيرهَا من الْبِلَاد
وحَدثني القَاضِي أَبُو مَرْوَان مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الْملك الْبَاجِيّ من أهل أشبيلية قَالَ قَالَ لي الشَّيْخ الْوَزير الْحَكِيم أَبُو بكر بن زهر أَنه لَازم لجدي عبد الْملك الْبَاجِيّ سبع سِنِين يشْتَغل عَلَيْهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ كتاب الْمُدَوَّنَة لسخنون فِي مَذْهَب مَالك وَقَرَأَ أَيْضا عَلَيْهِ مُسْند ابْن أبي شيبَة
وحَدثني أَيْضا القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ عَن أبي بكر بن زهر أَنه كَانَ شَدِيد الْبَأْس يجذب قوسا مائَة وَخمسين رطلا بالإشبيلي والرطل الَّذِي بإشبيلة سِتَّة عشر أُوقِيَّة وكل أُوقِيَّة عشرَة دَرَاهِم وَأَنه كَانَ
جيد اللّعب بالشطرنج جدا وَلم يكن فِي زَمَانه أحد مثله فِي صناعَة الطِّبّ وخدم الدولتين
وَذَلِكَ أَنه لحق دولة الملثمين وَاسْتمرّ فِي الْخدمَة مَعَ أَبِيه فِي آخر دولتهم
ثمَّ خدم دولة الْمُوَحِّدين وهم بَنو عبد الْمُؤمن
وَذَلِكَ أَنه كَانَ فِي خدمَة عبد الْمُؤمن هُوَ وَأَبوهُ وَفِي أَيَّام عبد الْمُؤمن مَاتَ أَبوهُ وَبَقِي هُوَ فِي خدمته ثمَّ خدم لِابْنِ عبد الْمُؤمن أبي يَعْقُوب يُوسُف ثمَّ لِابْنِهِ يَعْقُوب أبي يُوسُف الَّذِي لقب بالمنصور
ثمَّ خدم ابْنه أَبَا عبد الله مُحَمَّد النَّاصِر وَفِي أول دولته توفّي أَبُو بكر بن زهر وَكَانَت وَفَاته ﵀ فِي عَام سِتَّة وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بمراكش وَقد أَتَاهَا ليزور بهَا وَدفن هُنَاكَ فِي الْموضع الْمَعْرُوف بمقابر الشُّيُوخ وَعمر نَحْو السِّتين سنة
قَالَ وَكَانَ أَبُو بكر بن زهر صائب الرَّأْي حسن المعالجة جيد التَّدْبِير
وَقد عرف هَذَا مِنْهُ حَتَّى أَنه يَوْمًا كَانَ قد كتب وَالِده أَبُو مَرْوَان ابْن زهر نُسْخَة دَوَاء مسهل لعبد الْمُؤمن الْخَلِيفَة فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بكر بعد ذَلِك وَكَانَ فِي حَال شبيبته قَالَ يجب أَن يُبدل هَذَا الدَّوَاء الْمُفْرد مِنْهُ بدواء آخر
فَلم يتَنَاوَل عبد الْمُؤمن ذَلِك الدَّوَاء
وَلما رَآهُ أَبوهُ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الصَّوَاب فِي قَوْله
وَبدل الدَّوَاء الْمُفْرد بِغَيْرِهِ فأثر نفعا بَيْننَا
وَألف أَبُو بكر ابْن زهر الترياق الخمسيني للمنصور أَبُو يُوسُف يَعْقُوب
قَالَ وحَدثني من أَثِق بِهِ أَن رجلا من بني اليناقي كَانَ صديقا للحفيد أبي بكر بن زهر وَكَانَ يجالسه كثيرا ويلعب مَعَه بالشطرنج وَأَنه كَانَ عِنْد الْحَفِيد أبي بكر يَوْمًا وهما يلعبان بالشطرنج فَرَآهُ الْحَفِيد على غير مَا يعهده بِهِ من الانبساط فَقَالَ لَهُ مَا لخاطرك كَأَنَّهُ مشتغل بِشَيْء عرفني مَا هُوَ فَقَالَ نعم إِن لي بِنْتا زوجتها لرجل وَهُوَ يطْلبهَا وَقد احتجت إِلَى ثلثمِائة دِينَار فَقَالَ لَهُ العب وَمَا عَلَيْك فَإِن عِنْدِي فِي وقتنا هَذَا ثلثمِائة دِينَار إِلَّا خَمْسَة دَنَانِير تأخذها
فلعب مَعَه سَاعَة واستدعى بِالذَّهَب وَأَعْطَاهُ لَهُ فَلَمَّا كَانَ عَن قرب أَتَاهُ صَاحبه وَترك بَين يَدَيْهِ ثلثمِائة دِينَار إِلَّا خَمْسَة دَنَانِير تأخذها
فلعب مَعَ سَاعَة واستدعى بِالذَّهَب وَأَعْطَاهُ لَهُ فَلَمَّا كَانَ عَن قرب أَتَاهُ صَاحبه وَترك بَين يَدَيْهِ ثلثمِائة دِينَار إِلَّا خَمْسَة
فَقَالَ لَهُ ابْن زهر مَا هَذَا فَقَالَ إِنَّنِي بِعْت زيتونا لي بسبعمائة دِينَار وَقد أتيت مِنْهَا بثلثمائة دِينَار إِلَّا خَمْسَة عوض الَّذِي تفضلت بِهِ عَليّ وأقرضتني إِيَّاه وَقد بَقِي عِنْدِي حَاصِلا أَرْبَعمِائَة دِينَار
فَقَالَ لَهُ ابْن زهر ارْفَعْ هَذَا عنْدك وانتفع بِهِ فَإِنِّي مَا دفعت لَك الذَّهَب على إِنِّي أَعُود آخذه أبدا
فَأبى الرجل وَقَالَ إِنَّنِي بِحَمْد الله بِحَال سَعَة وَلَا لي حَاجَة أَن آخذ هَذَا وَلَا غَيره من أحد أصلا
وتفاوضا فِي ذَلِك فَقَالَ لَهُ ابْن زهر يَا هَذَا أَنْت صديقي أَو عدوي فَقَالَ لَهُ بل صديقك وَأحب النَّاس فِيك
فَقَالَ لَهُ ابْن زهر وَالله لَئِن لم تَأْخُذهُ لأعادينك بِسَبَبِهِ وَلَا أَعُود أُكَلِّمك أبدا
فَأَخذه مِنْهُ وشكره على فعله
قَالَ القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ وَكَانَ الْمَنْصُور قد قصد أَن لَا يتْرك شَيْئا من كتب الْمنطق وَالْحكمَة بَاقِيا فِي بِلَاده
وأباد كثيرا مِنْهَا بإحراقها بالنَّار وشدد فِي أَن لَا يبْقى أحد يشْتَغل بِشَيْء مِنْهَا وَأَنه مَتى وجد أحد ينظر فِي هَذَا الْعلم أَو وجد عِنْده شَيْء من الْكتب المصنفة فِيهِ فَإِنَّهُ يلْحقهُ ضَرَر عَظِيم
وَلما شرع فِي ذَلِك جعل أمره مفوضا إِلَى الْحَفِيد أبي بكر بن زهر وَأَنه الَّذِي ينظر إِلَيْهِ
وَأَرَادَ الْخَلِيفَة أَنه إِن كَانَ عِنْد ابْن زهر شَيْء من كتب الْمنطق وَالْحكمَة لم يظْهر وَلَا يُقَال عَنهُ أَنه يشْتَغل بهَا وَلَا يَنَالهُ مَكْرُوه بِسَبَبِهَا وَلما نظر ابْن زهر فِي ذَلِك وامتثل أَمر الْمَنْصُور فِي جمع الْكتب من عِنْد الكتبيين وَغَيرهم وَأَن لَا يبْقى شَيْء مِنْهَا وإهانة المشتغلين بهَا
وَكَانَ بأشبيلية رجل من أعيانها يعادي الْحَفِيد أَبَا بكر بن زهر ويحسده وَعِنْده شَرّ فَعمل محضرا فِي أَن ابْن زهر دَائِم الِاشْتِغَال بِهَذَا الْفَنّ وَالنَّظَر فِيهِ وَأَن عِنْده فِي دَاره شَيْئا كثيرا من كتبه وَجمع فِيهِ شَهَادَات عدَّة وَبعث بِهِ إِلَى الْمَنْصُور وَكَانَ الْمَنْصُور حِينَئِذٍ فِي حصن الْفَرح وَهُوَ مَوضِع بناه قَرِيبا من أشبيلية على ميلين مِنْهَا صَحِيح الْهَوَاء بِحَيْثُ بقيت الْحِنْطَة فِي ثَمَانِينَ سنة لم تَتَغَيَّر لصِحَّته
وَكَانَ أَبُو بكر بن زهر هُوَ الَّذِي أَشَارَ على الْمَنْصُور أَن يبنيه فِي ذَلِك الْموضع وَيُقِيم فِيهِ فِي بعض الْأَوْقَات
فَلَمَّا كَانَ الْمَنْصُور بِهِ وَقد أَتَاهُ الْمحْضر نظره ثمَّ أَمر بِأَن يقبض على الَّذِي عمله وَأَن يودع السجْن فَفعل بِهِ ذَلِك
وَانْهَزَمَ جَمِيع الشُّهُود الَّذين وضعُوا خطوطهم فِيهِ
ثمَّ قَالَ الْمَنْصُور إِنَّنِي لم أول ابْن زهر فِي هَذَا إِلَّا حَتَّى لَا ينْسبهُ أحد إِلَى شَيْء مِنْهُ وَلَا يُقَال عَنهُ
وَوَاللَّه لَو أَن جَمِيع أهل الأندلس وقفُوا قدامي وشهدوا على ابْن زهر بِمَا فِي هَذَا الْمحْضر لم أقبل قَوْلهم لما أعرفهُ فِي ابْن زهر من متانة دينه وعقله
وحَدثني أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الإشبيلي قَالَ كَانَ الْحَفِيد أَبُو بكر بن زهر قد أَتَى إِلَيْهِ من الطّلبَة اثْنَان ليشتغلا عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ فترددا إِلَيْهِ ولازماه مُدَّة وقرآ عَلَيْهِ شَيْئا من كتب الطِّبّ
ثمَّ أَنَّهُمَا أَتَيَاهُ يَوْمًا وبيد أَحدهمَا كتاب صَغِير فِي الْمنطق وَكَانَ يحضر مَعَهُمَا أَبُو الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بالمصدوم وَكَانَ غرضهم أَن يشتغلوا فِيهِ فَلَمَّا نظر ابْن زهر إِلَى ذَلِك الْكتاب قَالَ مَا هَذَا ثمَّ أَخذه ينظر فِيهِ فَلَمَّا وجده فِي علم الْمنطق رمى بِهِ نَاحيَة ثمَّ نَهَضَ إِلَيْهِم حافيا ليضربهم وانهزموا قدامه وتبعهم يعدو على حَالَته تِلْكَ وَهُوَ يُبَالغ فِي شتمهم وهم يتعادون قدامه إِلَى أَن رَجَعَ عَنْهُم عَن مَسَافَة بعيدَة فبقوا منقطعين عَنهُ أَيَّامًا لَا يجسرون أَن يَأْتُوا إِلَيْهِ
ثمَّ أَنهم توسلوا إِلَى أَن حَضَرُوا عِنْده وَاعْتَذَرُوا بِأَن ذَلِك الْكتاب لم يكن لَهُم وَلَا لَهُم فِيهِ غَرَض أصلا وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا رَأَوْهُ مَعَ حدث فِي الطَّرِيق وهم قاصدون إِلَيْهِ فهزأوا بِصَاحِبِهِ وعبثوا بِهِ وَأخذُوا مِنْهُ الْكتاب قهرا وَبَقِي مَعَهم ودخلوا إِلَيْهِ وهم ساهمون عَنهُ
فتخادع لَهُم وَقبل معذرتهم واستمروا فِي قراءتهم عَلَيْهِ صناعَة الطِّبّ
وَلما كَانَ بعد مديدة أَمرهم أَن يجيدوا حفظ الْقُرْآن وَأَن يشتغلوا بِقِرَاءَة التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَأَن يواظبوا على مُرَاعَاة الْأُمُور الشَّرْعِيَّة والاقتداء بهَا وَلَا يخلوا بِشَيْء من ذَلِك
فَلَمَّا امتثلوا أمره وأتقنوا معرفَة مَا أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِم وَصَارَت لَهُم مُرَاعَاة الْأُمُور الشَّرْعِيَّة سجية وَعَادَة قد ألفوها كَانُوا يَوْمًا عِنْده وَإِذا بِهِ قد أخرج لَهُم الْكتاب الَّذِي كَانَ رَآهُ مَعَهم فِي الْمنطق وَقَالَ لَهُم الْآن
صلحتم لِأَن تقرأوا هَذَا الْكتاب وَأَمْثَاله عَليّ
وأشغلهم فِيهِ فتعجبوا من فعله ﵀
وَهَذَا يدل مِنْهُ على كَمَال عقله وتوفر مروءته
وحَدثني القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ قَالَ كَانَ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن يوجان وَزِير الْمَنْصُور يعادي الْحَفِيد أَبَا بكر بن زهر ويحسده لما يرى من عظم حَاله وعلو مَنْزِلَته وَعلمه فاحتال عَلَيْهِ فِي سم صيره مَعَ أحد من كَانَ عِنْد الْحَفِيد بن زهر فقدمه إِلَى الْحَفِيد بن زهر فِي بيض وَكَانَت مَعَ الْحَفِيد أَيْضا بنت أُخْته وَكَانَت أُخْته وابنتها هَذِه عالمتين بصناعة الطِّبّ والمداواة وَلَهُمَا خبْرَة جَيِّدَة بِمَا يتَعَلَّق بمداواة النِّسَاء وكانتا تدخلان إِلَى نسَاء الْمَنْصُور وَلَا يقبل للمنصور وَأَهله ولدا إِلَّا أُخْت الْحَفِيد أَو بنتهَا لما توفيت أمهَا
فَلَمَّا أكل الْحَفِيد من ذَلِك الْبيض وَبنت أُخْته مَاتَا جَمِيعًا وَلم ينفع فيهمَا علاج
قَالَ وَلم يمت أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن يوجان إِلَّا مقتولا قَتله مَعَ بعض أَقَاربه
أَقُول وَكَانَ من أجل تلامذة الْحَفِيد أبي بكر بن زهر فِي صناعَة الطِّبّ والآخذين عَنهُ أَبُو جَعْفَر ابْن الغزال
وَمن شعر الْحَفِيد أبي بكر بن زهر أَنْشدني محيي الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن عَليّ بن مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الْحَاتِمِي قَالَ أَنْشدني الْحَفِيد أَبُو بكر بن زهر لنَفسِهِ يتشوق إِلَى وَلَده
نأت عَنهُ دَاري فيا وحشتيلذاك الشخيص وَذَاكَ الْوَجِيه
تشوقني وتشوقتهفيبكي عَليّ وأبكي عَلَيْهِ
وَقد تَعب الشوق مَا بَيْننَافَمِنْهُ إِلَيّ ومني إِلَيْهِ) المتقارب
أَنْشدني القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ قَالَ أَنْشدني أَبُو عمرَان بن عمرَان الزَّاهِد المرتلي القاطن بأشبيلية قَالَ أَنْشدني الْحَفِيد أَبُو بكر بن زهر لنَفسِهِ فِي آخر عمره
إِنِّي نظرت إِلَى الْمرْآة إِذْ جليتفأنكرت مقلتاي كلما رأتا
رَأَيْت فِيهَا شييخا لست أعرفهُوَكنت أعرف فِيهَا قبل ذَاك فَتى
فَقلت أَيْن الَّذِي مثواه كَانَ هُنَامَتى ترحل عَن هَذَا الْمَكَان مَتى
فاستجهلتني وَقَالَت لي وَمَا نطقتقد كَانَ ذَلِك وَهَذَا بعد ذَاك أَتَى
هون عَلَيْك فَهَذَا لَا بَقَاء لَهُأما ترى العشب يفنى بَعْدَمَا نبتا
كَانَ الغواني يقلن يَا أخي فقدصَار الغواني يقلن الْيَوْم يَا أبتا) الْبَسِيط
وأنشدني أَيْضا القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ عَن الْحَفِيد بن زهر لَهُ من أَبْيَات
أعد الحَدِيث عَليّ من جنباتهأَن الحَدِيث عَن الحبيب حبيب) الْكَامِل
وأنشدني شَيخنَا علم الدّين قَيْصر بن أبي الْقَاسِم بن عبد الْغَنِيّ بن مُسَافر الْحَنَفِيّ المهندس للحفيد أبي بكر بن زهر وَهِي بديعة الْمَعْنى كَثِيرَة التَّجْنِيس
لله مَا صنع الغرام بِقَلْبِهأودى بِهِ لما ألب بلبه
لباه لما أَن دَعَاهُ وَهَكَذَامن يَدعه دَاعِي الغرام يُلَبِّهِ
بِأبي الَّذِي لَا تَسْتَطِيع لعجبهرد السَّلَام وَإِن شَككت فعج بِهِ
ظَبْي من الأتراك مَا ترك الضناألحاظه من سلوة لمحبه
إِن كنت تنكر مَا جنى بلحاظةفِي سلبه يَوْم الغوير فسل بِهِ
أَو شِئْت أَن تلقى غزالا أغيدافِي سربه أَسد العرين فسر بِهِ
يَا من أميلحه وأعذب رِيقهوأعزه وأذلني فِي حبه
أَو مَا أليطف وردة فِي خَدّهوأرقها وَأَشد قسوة قلبه
كم من خمار دون خمرة رِيقهوَعَذَاب قلب دون رائق عذبه
نَادَى بنفسج عارضيه تعمدايَا عاشقين تمنعوا من قربه) الْكَامِل
وَمن موشحاته مِمَّا أَنْشدني أَبُو عبد الله مُحَمَّد سبط الْحَكِيم أبي مُحَمَّد عبد الله ابْن الْحَفِيد أبي بكر زهر وَكَانَ وَالِد هَذَا الْمَذْكُور أبي عبد الله وَهُوَ أَبُو مَرْوَان أَحْمد بن القَاضِي أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن عبد الْملك الْبَاجِيّ قد تزوج ببنت أبي مُحَمَّد عبد الله بن الْحَفِيد أبي بكر بن زهر ورزق مِنْهَا أَبَا عبد الله مُحَمَّد
وَكَانَ أَعنِي أَبَا مَرْوَان أَحْمد قد ملك أشبيلية وَبقيت فِي يَده تِسْعَة أشهر
ثمَّ قَتله ابْن الْأَحْمَر غدرا فِي سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَكَانَ عمره إِذْ ذَاك سبعا وَثَلَاثِينَ سنة فَمن ذَلِك قَالَ وَهِي من أول قَوْله
زعمت أنفاسي الصعداإِن أفراح الْهوى نكد
هام قلبِي فِي معذبهوَأَنا أَشْكُو لمطلبه ... إِن كتمت الْحبّ مت بِهِ
وَإِذا مَا صحت واكبدافَرح الْأَعْدَاء وانتقدوا
أَيهَا الباكي على الطللومدير الراح بالأمل ... أَنا من عَيْنَيْك فِي شغل
فدع الدمع السفوح سدىوضرام الشوق تتقد
مقلة جَادَتْ بِمَا ملكتعرفت ذل الْهوى فَبَكَتْ ... وَشَكتْ مِمَّا بهَا ورثت
وفؤادي هائم أبدامَا عَلَيْهِ ... للسلو يَد
إِن عَيْني لَا أذنبهاأَتعبت قلبِي وأتعبها ... لنجوم بت أرقبها
رمت أَن أحصي لَهَا عدداوَهِي لَا يُحْصى لَهَا عدد
وغزال يغلب الأسداجِئْت لاستنجاز مَا وَعدا ... فانزوى عني وَقَالَ غَدا
أَتَرَى يَا قوم أَيْن هُوَ غَدافِي أَي مَكَان يسكن أَو يجد) المديد
وَقَالَ أَيْضا
شمس قارنت بَدْرًارَاح ونديم
أدر أكؤس الْخمرعنبرية النشر ... أَن الرَّوْض ذُو بشر
وَقد درع النهراهبوب النسيم
وسلت على الْأُفقيَد الغرب والشرق ... سيوفا من الْبَرْق
وَقد أضْحك الزهرابكاء الغيوم
إِلَّا أَن لي مولىتحكم فاستولى ... أما أَنه لَوْلَا
دمع يفضح السرالَكُنْت كتوم
أَنى لي كتمانودمعي طوفان ... شبت فِيهِ نيران
فَمن أبْصر الجمرافِي لج يعوم
إِذا لامني فِيهِمن رأى تجنيه ... شدوت أغنيه
لَعَلَّ لَهُ عذراوَأَنت تلوم
وَقَالَ أَيْضا
أَيهَا الساقي إِلَيْك المشتكىقد دعوناك وَإِن لم تسمع
ونديم هَمت فِي غرتهوشربت الراح من رَاحَته ... كلما اسْتَيْقَظَ من سكرته
جذب الزق إِلَيْهِ واتكاوسقاني أَرْبعا فِي أَربع
غُصْن بَان مَال من حَيْثُ اسْتَوَىبَات من يهواه من فرط الجوى
خَفق الأحشاءموهون القوى
كلما فكر فِي الْبَين بَكَىمَا لَهُ يبكي لما لم يَقع
لَيْسَ لي صَبر وَلَا لي جلديَا لقومي عذلوا واجتهدوا ... انكروا شكواي مِمَّا أجد
مثل حَالي حَقه أَن يشتكيكمد الْيَأْس وذل الطمع
مَا لعَيْنِي عشيت بِالنّظرِانكرت بعْدك ضوء الْقَمَر ... وَإِذا مَا شِئْت فاسمع خبري
شقيت عَيْنَايَ من طول البكاوَبكى بَعْضِي على بَعْضِي معي
كبد حرى ودمع يكفيعرف الذَّنب وَلَا يعْتَرف ... أَيهَا المعرض عَمَّا أصف
قد نمى حبك عِنْدِي وزكالَا يظنّ الْحبّ أَنِّي مدعي
وَقَالَ أَيْضا
يَا صَاحِبي نِدَاء مغتبط بِصَاحِبلله مَا أَلْقَاهُ من فقد الحبائب
(قلب أحَاط بِهِ الجوى من كل جَانب ...)
أَي قلب هائملَا يستريح من اللواحي
يَا من أعانقه بإحناء الضلوعوأقيمه بَدَلا من الْقلب الصديع
أَنا للغرام وَأَنتلِلْحسنِ البديع
وَكَلَام اللائمشَيْء يمر مَعَ الرِّيَاح
أنحى على رشدي وأفقدني صلاحيثغر ثنى الْأَبْصَار عَن نور الصَّباح
يسقى بمختلطينمن مسك وَرَاح
كالحباب العائمفِي صفحة المَاء القراح
من لي بِهِ بَدْرًا تجلى فِي الظلامعلقت من وجناته بدر التَّمام
(وعلقت من أعطافه لدن القوام ...)
كالقضيب الناعملم يسْتَطع حمل الوشاح
حَملتنِي فِي الْحبّ مَا لَا يُسْتَطَاعشوقا يراع لذكره من لَا يراع
(بل أَنْت أظلم من لَهُ حكم مُطَاع) الْكَامِل والرمل
وَقَالَ أَيْضا
حَيّ الْوُجُوه الملاحاوَحي كحل الْعُيُون
هَل فِي الْهوى من جنَاحوَفِي نديم وَرَاح ... رام النصوح صلاحي
وَكَيف أَرْجُو صلاحابَين الْهوى والمجون
يَا غَائِبا لَا يغيبأَنْت الْبعيد الْقَرِيب ... كم تشتقيك الْقُلُوب
أثخنتهن جراحاواسأل سِهَام الْعُيُون
أبكى الْعُيُون البواكيتذكار أُخْت السماك ... حَتَّى حمام الْأَرَاك
بَكَى بشجووناحا ... على فروع الغصون
ألْقى إِلَيْهَا زمامهصب يداوي غرامه ... وَلَا يُطيق الملامه
غَدا بشوق وراحامَا بَين سبي الظنون
يَا راحلا لم يودعرحلت بالأنس أجمع ... وَالْعجز يُعْطي وَيمْنَع
مروا وأخفوا الرواحاسحرًا وَمَا ودعوني) المجتث
وَقَالَ أَيْضا
هَل ينفع الوجد أَو يُفِيدأم هَل على من بَكَى جنَاح
يَا منية الْقلب غبت عنيفالليل عِنْدِي بِلَا صباح
أفديه من معرض تولىلَا عين مِنْهُ وَلَا أثر
عذبني فِي هَوَاهُ كلالم يبْق مني وَلَا يذر
يَا عين عَيْني فَلَيْسَ إِلَّاصَبر على الدمع والسهر
وَيفْعل الشوق مَا يُرِيدفِي كبد كلهَا جراح
يَا مخجل الْيَد لَا تسلنيعَن جور الحاظك الملاح
زَاد على بهجة النَّهَارمن حسنه الدَّهْر فِي ازدياد
لحظ لَهُ سطوة الْعقاريفعل فِي الْعقل مَا أَرَادَ
خداه كالورد فِي البهاريقطف باللحظ أم يكَاد
وَذَلِكَ المبسم البرودحصاه در وَصرف رَاح
أَو مثل مَا قلت مَاء مزنيسْقِي بِهِ يَانِع الأقاح
يَا من لَهُ أبدع الصِّفَاتيَا غُصْن يَا دعص يَا قمر
غبت فَلم يَأْتِ مِنْك آتٍفاستوحش السّمع وَالْبَصَر
لَوْلَا صبا تلكم الْجِهَاتلذاب قلبِي من الْفِكر
يَا أَيهَا النازح الْبعيدجَاءَت بأنبائك الرِّيَاح
إِن الصِّبَا عَنْك أَخْبَرتنِيمَا اهتز روض الربى وفاح
يَا ساحرا فَوق كل سَاحروَمن لَهُ حسنه أصف
وَجه لَهُ كالصباح باهرأردية الْحسن يلتحف
كالروض حفت بِهِ الأزاهريقطف باللحظ أم قطف
كالبدر فِي لَيْلَة السُّعُوداشرق لألاؤه ولاح
كالغصن اللدن فِي التثنيتهز أعطافه الرِّيَاح
من لي بمخضوبة البنانممشوقة الْقد والدلال
من هجرها مشْيَة الزَّمَانمَاض ومستقبل وَحَال
فِيهَا رثى عاذلي لشانيثمَّ انثنى ضَاحِكا وَقَالَ
عاشق ومسكين الله يُرِيدوَارْضَ لمن يعشق الملاح
فدع يهجر أَو يصلنيلَيْسَ على سَاحر اقتراح
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع