من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
محمد بن علي بن الحسن بن راجح الحسني
من أهل تونس، يكنى أبا عبد الله.
حاله: هذا الرجل الفاضل، صاحب رواء وأبّهة، نظيف البزّة، فاره المركب، صدوف عن الملّة، مقيم للرسم، مطفّف في مكيال الإطراء، جموح في إيجاب الحقوق، مترام إلى أقصى آماد التوغّل، سخيّ اللسان بالثناء ثرثاره، فكه مطبوع، حسن الخلق، عذب الفكاهة، مخصوص حيث حلّ من الملوك والأمراء بالأثرة، وممّن دونهم بالمداخلة والصّحبة، ينظم الشّعر، ويحاضر بالأبيات، ويتقدّم في باب التّحسين والتّقبيح، ويقوم على تاريخ بلده، ويثابر على لقاء أهل المعرفة والأخذ عن أولي الرواية. قدم على الأندلس في إحدى جمادين، عام خمسين وسبعمائة، مفلتا من الوقيعة بالسلطان أبي الحسن بالجهات الشرقية، بأيدي بني زيّان وأحلافهم،
فمهّد له سلطانها، ﵀، كنف برّه، وأواه إلى سعة رعيه، وتأكّدت بيني وبينه صحبة.
شعره: كتبت إليه لأول قدومه بما نصّه: أحذو حذو أبيات، ذكر أنّ شيخنا أبا محمد الحضرمي خاطبه بها:
أمن جانب الغربيّ نفحة بارحسرت منه أرواح الجوى في الجوانح
قدحت بها زند الغرام وإنماتجافيت في دين السّلوّ لقادح
وما هي إلا نسمة حاجريّةرمى الشوق منها كلّ قلب بقادح
رجحنا لها من غير شكّ كأنهاشمائل أخلاق الشّريف ابن راجح
فتى هاشم سبقا إلى كلّ عليّةوصبرا مغار الفتل في كلّ فادح
أصيل العلا، جمّ السيادة، ذكرهطراز نضار في برود المدائح
وفرقان مجد يصدع الشّكّ نورهحبا الله منه كلّ صدر بشارح
وفارس ميدان البيان إذا انتضىصحائفه أنست مضاء الصّفائح
رقيق كما راقتك نغمة ساجعوجزل كما راعتك صولة جارح
إذا ما احتبى مستحفزا في بلاغةوخيض خضمّ القول منه بسابح
وقد شرعت في مجمع الحفل نحوهأسنّة حرب للعيون اللّوامح
فما ضعضعت منه لصولة صادحولا ذهبت منه بحكمة ناصح
تذكّرت قسّا قائما في عكاظهوقد غصّ بالشّمّ الأنوف الجحاجح
ليهنك شمس الدين ما حزت من علاخواتمها موصولة بالفواتح
رعى الله ركبا أطلع الصبح مسفرالمرآك من فوق الرّبى والأباطح
ومنها:
أقول لقومي عندما حطّ كورهاوساعدها السّعدان وسط المسارح
ذروها وأرض الله لا تعرضوا لهابمعرض سوء فهي ناقة صالح
إذا ما أردنا القول فيها فمن لنابطوع القوافي وانبعاث القرائح
بقيت منى نفس وتحفة رائدومورد ظمآن وكعبة مادح
ولا زلت تلقى الرحب والبرّ حيثماأرحت السّرى من كلّ غاد ورائح
فأجابني بما نصه:
أمن مطلع الأنوار لمحة لامحتعار لمفقود عن الحيّ نازح؟
وهل بالمنى من مورد الوصل يرتويغليل عليل للتواصل جانح؟
فيا فيض عين الدمع ما لك والحمىورند الحمى والشّيح شيح المشايح
مرابع آرامي ومورد ناقتيفسقيا لها سقيا لناقة صالح
سقى الله ذاك الحيّ ودقا فإنهحمى لمحات العين عن لمح سامح»
وأبدى لنا حور الخيام تزفّ فيحلى الحسن والحسنى وحلي الملامح
ترى حيّ تلك الحور للحور مهيعيدلّ، وهل حسم لداء التّبارح؟
ويا دوحة الريحان هل لي عودةلعقر عقار الأنس بين الأباطح؟
وهل أنت إلّا طلّة حاتميّةتغصّ نواديها بغاد ورائح
أقام بها الفخر الخطيب منابرالترتيل آيات النّدى والمنائح
وشفّع بالإنجيل حمد مديحهوأوتر بالتّوراة شفع المدائح
وفرّق بالفرقان كلّ فريقةنأت عن رشاد فيه معنى النصائح
وهل هو إلّا للبريّة مرشدلكلّ هدى هاد لأرجح راجح
فبشرى لسان الدين ساد بك الورىوأورى الهدى للرّشد أوضح واضح
متى قلت لم تترك مقالا لقائلفإن لم تقل لم يغن حمد لمادح
فمن حام بالحيّ الذي أنت أهلهوعام ببحر من عطائك طافح
يحقّ له أن يشفع الحمد بالثّناويغدو بذاك البحر أسبح سابح
ويا فوز ملك دمت صدر صدورهوبشرى له قد راح أربح رابح
بآرائك التي تدلّ على الهدىوتبدي لمن خصصت سيل المناجح
ملكت خصال السّبق في كل غايةوملّكت من ملكت يا ابن الجحاجح
مطامح آمال لأشرف همّةأقلّ مراميها أجلّ المطامح
فدونكها يا مهدي المدح مدحةأحببت بها عن مدح أشرف مادح
تهنّيك بالعام الذي عمّ حمدهمواهب هاتيك البحار الطوافح
فخذها سميّ الفخر يا خير مسبلعلى الخلق إغضاء ستور التسامح
ودم خاطب العليا لها خير خاطبوأتوق توّاق وأطمح طامح
وتلقاني بمالقة عند قدومي من الرّسالة إلى المغرب، في محرم عام ستة وخمسين وسبعمائة، ونظم لي هذه الأبيات، ولا حول ولا قوة إلا بالله:
قدومك ذا أبدى لذي الراية الحمراثغور الرّضى تعبر عن شنب البشرا
وأينع فجر الرّشد من فلق الهدىوكوّنه نهرا وفجّره فجرا
سرينا له كي يحمد السّير والسّرىونرقب شمس الدين من فرعك الفجرا
ونصبح في أحياء للمنّ نستلممواطنكم شفعا وآثاركم وترا
ونخطب ما، يا ابن الخطيب، تشاء منكرائم ذاك الحيّ إذ نهز الشّعرى
فقابلت بالإقبال والبرّ والرّضىوأقريت من يقرا وأقررت من قرّا
فأبناء قدس الحمد حضرة قدسناوأقدامنا تملا وأمداحكم تقرا
هنيّا لنا نلنا ونلنا ولم نزلننال ولكن هذه المنّة الكبرا
رأينا وزير الملد والملك واللّوىوحزب اللّوى كلّ يشدّ به أزرا
سجدنا وكبّرنا وقلنا: رسولناأتى بالذي يرضي بشرى لنا بشرى
ويهني الورى هذا الإياب فإنّ فينتائجه للدّهر ما يسهر الدّهرا
أرانا سنا ذا اليوم أجمل منظروجلّى لنا من وجهك الشمس والبدرا
أما والذي أوليت من نعمة غدتتعلّمنا للمنعم الحمد والشكرا
لأنت لسان الدّين للدّين حجّةتؤيّده سرّا وتعضده جهرا
بقيت لنا كتفا منيعا مشرفاودمت له عضدا ودمت له نصرا
ودمنا بكم في كلّ أمن ومنّةندير المنى خمرا ونصلي العدا جمرا
ومن أمثل ما مدح به السلطان لأول قدومه بالنسبة إلى غير ذلك من شعره:
أما والعيون النّجل ترمق عن سحروورد رياض الخدّ والكأس والخمر
وريحانه والرّاح والطّلّ والطّلىونرجسه والزّهر والنّور والنّهر
ونور جبين الشمس في رونق الضّحىوهالة بدر التّمّ منتصف الشّهر
لقد قلّدت آراء يوسف ملكهقلائد نصر لن تبيد مع الدّهر
وقد أيّد الإسلام منه بناصرنصير وخير النصر نصر بني نصر
هم القوم أنصار النبيّ محمدبه عصبة الأعلام في اليسر والعسر
وحسبك من قوم حموا سيّد الورىوقاموا بنصر الحقّ في السّرّ والجهر
سقى شرعة الإسلام ودق سيوفهمرحيق الأماني طيّب العرف والنّشر
فأصبح روض الرّشد يعبق طيبهودوح الهدى بالزّهر أزهاره تزري
فيا سائلي عنه وعن سطواتهإذا لاح محفوفا براياته الحمر
وجزّ مع الإقدام جيشا عرمرماوشرّد بالتأييد شرذمة الكفر
لخلّيلة تنبيك عما وراءهاولا غرو فالإفصاح يعرف بالعجز
فيا فوز من أدناه بالغنم والغنىويا ويل من أقصاه للقفر والفقر
يمينا بما اختارت يداك وأحرزتمن الملك والتأييد والنّهي والأمر
لقد أصعدت مجدي مدائحك التيومجدك والعليا مدحت بها شعري
وحقّ لمثلي يشفع الحمد بالثّناويتلو معانيه مع الشّفع والوتر
فأجني ثمار الأنس من روضة المنىوأقطف زهر الحمد من شجر الشكر
وأشرب ماء الفوز عذبا ختامهرحيق براح السّمح في أكؤس البشر
ولا برحت أمداحكم تعجز النهىوإلّا فكم تنجني من العسر لليسر
ولا زالت الأقدار تخدم رأيكموراياتكم ما دام نجم للسّرا يسري
وكتب إليّ في غرض يظهر منه نصّ المراجعة، وحسبنا الله:
أما والذي لي في حلاك من الحمدوما لك ملّاكي عليّ من الرّفد
لقد أشعرتني النفس أنك معرضعن المسرف اللائي لفطرك يستجدي
فإن زلّة منّي بدت لك جهرةفصفحا فما والله إذ كنت عن عمد
فراجعته بقولي»
أجلّك عن عتب يغضّ من الودّوأكرم وجه العذر منك عن الرّدّ
ولكنني أهدي إليك نصيحتيوإن كنت قد أهديتها ثم لم تجد
إذا مقول الإنسان جاوز حدّهتحوّلت الأغراض منه إلى الضّدّ
فأصبح منه الجدّ هزلا مذمّماوأصبح منه الهزل في معرض الجدّ
فما اسطعت فيضا للعنان فإنهأحقّ السجايا بالعلاء والمجد
توفي يوم الخميس الثالث لشعبان عام خمسة وستين وسبعمائة، وقد ناهز السبعين سنة، ودفن بروضتنا بباب إلبيرة، وأعفي شارب الشّعر من نابي مقصّه.
وغير هذه الدعوى قرارها تجاوز القضية.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع