تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن علي بن عمر العبدري

من أهل تونس، شاطبي الأصل، يكنى أبا عبد الله، صاحبنا.

حاله: كان فاضلا من أبناء النّعم، وأخلاف العافية، ولّي أبوه الحجابة بتونس عن سلطانها برهة، ثم عدا عليه الدهر، واضطر ولده هذا إلى اللحاق بالمشرق، فاتصل به سكناه وحجّ، وآب إلى هذه البلاد ظريف النّزعة، حلو الضّريبة، كثير الانطباع، يكتب ويشعر، ويكلف بالأدب، ثم انصرف إلى وطنه. وخاطبني إلى هذا العهد، يعرّفني بتقلّده خطة العلّامة، والحمد لله.

وجرى ذكره في كتاب «الإكليل» بما نصّه: غذيّ نعمة هامية، وقريع رتبة سامية، صرفت إلى سلفه الوجوه، ولم يبق بإفريقية إلّا من يخافه ويرجوه، وبلغ هو مدة ذلك الشرف، الغاية من التّرف. ثم قلب الدهر له ظهر المجنّ، واشتدّ به الخمار عند فراغ الدّنّ، ولحق صاحبنا هذا بالمشرق بعد خطوب مبيرة وشدّة كبيرة، فامتزج بسكانه وقطّانه، ونال من اللّذّات ما لم ينله في أوطانه؛ واكتسب الشمائل العذاب، وكان كابن الجهم بعث إلى الرّصافة ليرقّ فذاب، ثم حوّم على وطنه تحويم الطّائر، وألمّ بهذه المدينة إلمام الخيال الزائر، فاغتنمت صفقة ودّه لحين وروده، وخطبت موالاته على انقباضه وشروده، فحصلت منه على درّة تقتنى، وحديقة طيّبة الجنى.

شعره: أنشدني في أصحاب له بمصر قاموا ببرّه:

لكلّ أناس مذهب وسجيّةومذهب أولاد النظام المكارم
إذا كنت فيهم ثاويا كنت سيّداوإن غبت عنهم لم تنلك المظالم
أولئك صحبي، لا عدمت حياتهمولا عدموا السّعد الذي هو دائم!
أغنّي بذكراهم وطيب حديثهمكما غرّدت فوق الغصون الحمائم

ومن شعره يتشوّق إلى تلك الديار، ويتعلل بالتذكار، قوله:

أحبّتنا بمصر لو رأيتمبكائي عند أطراف النهار
لكنتم تشفقون لفرط وجديوما ألقاه من بعد المزار

ومن شعره:

تغنّى حمام الأيك يوما بذكرهمفأطرب حتى كدت من ذكرهم أفنى
فقلت: حمام الأيك لا تبك جيرةنأوا وانقضت أيام وصلهم عنّا
فقال ولم يردد جوابا لسائلألا ليتنا كنا جميعا بذا حقنا

ومن جيد شعره الذي أجهد فيه قريحته، قوله يمدح السلطان المعظم أبا الحسن في ميلاد عام سبعة وأربعين وسبعمائة:

تقرّ ملوك الأرض أنّك مولاهاوأنّ الدّنا وقف عليك قضاياها

ومنها:

طلعت بأفق الأرض شمسا منيرةأنار على كل البلاد محيّاها
حكيت لنا الفاروق حتى كأننامضينا بعين لا نكذّب رؤياها
وسرت على آثاره خير سيرةقطعنا بأنّ الله ربّك يرضاها
إذا ذكرت سير الملوك بمحفلونادى بها النّادي وحسّن دنياها
فجودك روّاها وملكك زانهاوعدلك زانها وذكرك حلّاها
وأنت لها كهف حصين ومعقلتلوذ بها أولى الأمور وأخراها

ومنها بعد كثير:

ومنكم ذوو التّيجان والهمم التيأناف على أعلى السّماكين أدناها
إذا غاب منهم مالك قام مالكفجدّد للبيت المقدّس علياها
بناها على التقوى وأسّس بيتهاأبو يوسف الزّاكي وسيّر مبناها
وأورثها عثمن خير خليفةوأحلم من ساس الأنام وأنداها
وقام عليّ بعده خير مالكوخير إمام في الورى راقب الله
علي بن عمر بن يعقوب ذو العلامذيق الأعادي حيثما سار بلواها
أدام الله وأعطى الخلافة وقتهاونوّر أحلاك الخطوب وجلّاها

ووصلني كتاب منه مؤرخ في التاسع عشر من شهر شعبان المكرم من عام أربعة وستين وسبعمائة، جدّد عهدي من شعره بما نصّه:

رحلنا فشرّقنا وراحوا فغرّبواففاضت لروعات الفراق عيون
فيا أدمعي منهلّة إثر بينهمكأنّ جفوني بالدموع عيون
فيا معهدا قد بنت عنه مكلّفابديلي منه أنّة وحنين
سقتك غوادي المزن كرّ عشيّةودادك محلول النطاق هتون
فإن تكن الأيام لم تقض بيننابوصل فما يقضى فسوف يكون
يعزّ علينا أن نفارق ربعكموأنّا على أيدي الخطوب نهون
ولو بلّغتني العير عنكم رسالةوساعد دهر باللّقاء ضنين
لكنّا على ما تعلمون من الهوىولكن لأحداث الزمان فنون

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.