تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن أحمد العزفي

من أهل سبتة، أبو القاسم بن أبي زكريا بن أبي طالب.

حاله: من أهل الظّرف والبراعة، والطبع المعين، والذكاء، رئيس سبتة، وابن رؤسائها، وانتقل إلى غرناطة عند خلعه وانصرافه عن بلده. أقام بها تحت رعي حسن الرّواء، مألفا للظرفاء، واشتهر بها أدبه، ونظر في الطّبّ ودوّن فيه، وبرع في التّوشيح. ثم انتقل إلى العدوة، انتقال غبطة وأثرة، فاستعمل بها في خطط نبيهة، وكتب عن ملوكها، وهو الآن بالحالة الموصوفة.

وجرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه: فرع تأوّد من الرئاسة في دوحة، وتردّد بين غدوة في المجد وروحة، نشأ والرئاسة العزفيّة تعلّه وتنهله، والدّهر يسيّر أمله الأقصى ويسهّله، حتى اتّسقت أسباب سعده، وانتهت إليه رياسة سلفه من بعده، فألقت إليه رحالها وحطّت، ومتّعته بقربها بعدما شطّت. ثمّ كلح له الدهر بعد ما تبسّم، وعاد زعزعا نسيمه الذي كان يتنسّم، وعاق هلاله عن تمّه، ما كان من تغلّب ابن عمّه، واستقرّ بهذه البلاد نائي الدار بحكم الأقدار، وإن كان نبيه المكانة والمقدار، وجرت عليه جراية واسعة، ورعاية متتابعة، وله أدب كالرّوض باكرته

الغمائم، والزّهر تفتّحت عنه الكمائم، رفع منه راية خافقة، وأقام له سوقا نافقة.

وعلى تدفّق أنهاره، وكثرة نظمه واشتهاره، فلم أظفر منه إلّا باليسير التافه بعد انصرافه.

شعره: قال:

أفديك يا ريح الصّباعوجي على تلك الرّبى
واحد النّعامى سحراترسل غماما صبّا
على ربى غرناطةلكي تقضّي ما ربا
ثم ابلغي يا ريحعن صبّ سلاما طيّبا

ومن منظومه أيضا في بعض القضاة الفاسيّين، وهو من البديع، وورّى فيه ببابين من أبواب المدينة:

وليت بفاس أمور القضاءفأحدثت فيها أمورا شنيعه
فتحت لنفسك باب الفتوحوغلقت للناس باب الشّريعة
فبادر مولى الورى فارسبعزلك عنها قبيل الذّريعه

وقال:

دع عنك قول عواذل ووشاةوأدر كؤوسك يا أخا اللّذّات
واخلع عذارك لاهيا في شربهاواقطع زمانك بين هاك وهات
خذها إليك بكفّ ساق أغيدلين المعاطف فاتر الحركات
قد قام من ألحاظه إنسانهامثبّتا في فترة اللحظات
يسقيكها حمراء يسطع نورهافي الكأس كالمصباح في المشكات
رقّت وراقت في الزّجاجة منظرالمّا عدت تجلي على الرّاحات
لا تمزجنها في الأبارق إنهاتبدو محاسنها لدى الكاسات
عجبا لها كالشمس تغرب في فملكن مطالعها من الوجنات
نلنا بها ما نشتهيه من المنىفي جنّة تزهى على الجنّات
رفّت عليها كلّ طلّ سجسجمن كلّ غضّ يانع الثمرات
ما بين خضر حدائق وخمائلوجداول تفضي إلى دوحات
سرى النسيم بها يصافح زهرهفيهبّ وهو مورّج النفحات
وشدا لنا فيها مغنّ شادنحاز المدى سبقا إلى الغايات
طربت له القضب اللّدان وبادرترجعا له تختال في الحبرات
مرّت عليه ركّعا لكنهاجعلت تحيّتها لدى الرّكعات
قصرت صلاة الخوف منه فقرّبتقربانها وحفته بالزّهرات
والعود مثناه يطابق زيّهافيها ردانات على رنّات
إن جسّ مثلثه بان بغنّةفي اليمّ منه ثقيلة النّغمات
فكان ما غنّت عليه الورق منألحانها ألقاه للقينات
عكفت على ألحانها تشدو لناخلف السّتائر باختلاف لغات
فكأنها عجم تورات بالحجابوردّدت سورا من التّورات
نطقت بأفصح نغمة في شدوهاتتلو علينا هذه الآيات

ومما أنشده ليلة ميلاد رسول الله ﷺ:

إذا لم أطق نحو نجد وصولابعثت الفؤاد إليها رسولا
وكم حلّ قلبي رهينا بهاغداة نوى الرّكب فيها النزولا
محل بها في الحلال التيضحى أصبح القوم فيها حلولا
وكم بتّ فيها غداة النّوىأسحّ من العين دمعا همولا
على شمس حسن سما ناظريإليها وعنّي توارت أفولا
وقفت بوادي الغضا ساعةلعلّي أندب فيها الطّلولا
وفي البان من أيكه ساجعيرجّع بالقضب منها الهديلا
بحقّ الهوى يا حمام الحمىترفّق بقلبي المعنّى قليلا
فقد هجت تالله أشواقهبذكرك إلفا ثنى أو خليلا
ألم تدر أن ادّكاري الهوىيذيب ويعنى الفؤاد العليلا؟
رعى الله تلك المطايا الّتيإلى الحجّ وخدا سرت أو ذميلا
ويا عجبا كيف خفّت بهموحمّلت القلب حملا ثقيلا
وودّعني الصبر إذ ودّعوافما أن وجدت إليه سبيلا
وآثرت، يا ويح نفسي، المقاموآثر أهل الوداد الرّحيلا
وجادوا رجاء الرّضى بالنفوسوكنت بنفسي ضنينا بخيلا
ندمت على السّير إذ فاتنيولازمت حزني دهرا طويلا
وفاز المخفّون إذ يمّموامنازل آثارها لن تزولا
وحجّوا وزاروا نبيّ الهدىمحمدا الهاشميّ الرسولا
وفازوا بإدراك ما أملواونالوا لديه الرّضى والقبولا
ولو كنت في عزمهم مثلهمإذا لانصرفت إليه عجولا
ولكنني أثقلتني الذنوبوما كنت للثّقل منها حمولا
ركبت مطيّة جهل الصّباوكانت أوان التّصابي ذلولا
ومالت بي النّفس نحو الهوىوقد وجدتني غرّا جهولا
فطوبى لمن حلّ في طيبةوعرّس بالسّفح منها الحمولا
ونال المنى في منّى عندمانوى بالمنازل منها نزولا
وأصفى الضمائر نحو الصّفايؤمّل للوصل فيه الوصولا
وجاء إلى البيت مستبشراليطهر بالأمن فيه دخولا
وطاف ولبّى بذاك الحمىونال من الحجر قصدا وسولا
بلاد بها حلّ خير الورىفطوبى لمن نال فيها الحلولا
نبيّ كريم سما رفعةوقدرا جليلا ومجدا أصيلا
وكان لأمّته رحمةبفضل الشفاعة فيهم كفيلا
وكان رؤوفا رحيما لهمعطوفا شفيعا عليهم وصولا
له يفزعون إذا ما رأوالدى الحشر خسفا وأمرا مهولا
وإن جاء في ذنبهم شافعابدا الرّحب من ربّه والقبولا
له معجزات إذا عدّدتتفوت النّهى وتكلّ العقولا
ولن يبلغ القول معشارهاوإن كان الوصف فيها مطيلا
وقسّ البيان وسحبانهيرى ذهنه في مداها كليلا
تخيّره الله في خلقهفكان الخطير لديه المثيلا
ولم ير في النّاس ندّا لهولا في الخلائق منه بديلا
وأبقى له الحكم في أرضهفكان الأمين عليها الوكيلا
وكلّ ظلام وظلم بهاعلى الفور لمّا أتى قد أزيلا
وكانت كنار لظى فتنةفعادت من الأمن ظلّا ظليلا
وقد زان حسن الدّجى جيلهإذا ذكر الدهر جيلا فجيلا
وأيّامه غرر قد بدتبوجه الدّنا والليالي حجولا
رسول كريم إذا جئتهويمّمت مغناه تلقى القبولا
بمولده في زمان الربيعربيع أتانا يجرّ الذّيولا
فأهلا به الآن من زائرأتانا بفضل يفوق الفضولا
وقام الإمام به المرتضىفنال ثوابا وأجرا جزيلا
هو المستعين أبو سالممليك ترفّع قدرا جليلا
وحاز من الصّيت ذكرا أثيراومن كرم الخيم مجدا أثيلا
سليل عليّ غمام النّدىألا أيّد الله ذاك السّليلا
فتى أوسع النّاس من جودهعطاء» جزيلا وبرّا حفيلا
حلاه الوقار ولاقيهإذا ارتاح للجود يلفى عجولا
وقد شاع عنه جميل الثّناءوعمّ البسيطة عرضا وطولا
وما منّ بالوعد إلّا وفىفلم يك بالوعد يوما مطولا
ولا في علاه مغال لمنيكثّر في الملك قالا وقيلا
تفرّد بالفضل في عصرهوكان بعرف الأيادي كفيلا
أطاعت له حين وافى البلادرضّى عندما حلّ فيها حلولا
وجاء لطاعته أهلهاسراعا يرومون فيها الدّخولا
فنبّه قدر الموالي بهاوأكسف فيها المعادي خمولا
ومهّد بالأمن أفكارهاوأمّن بالعدل فيها السبيلا
وكفّ أكفّ التعدّي بهافلا يظلم الناس فيها فتيلا
وعصر الكروب الذي قد مضىزمان المسرّات منه أديلا
أتانا إلى الغرب في شوكةبها عاد جمع الأعادي قليلا
وفوق رؤوس الطغاة انتضىحساما ليسمع فيها صليلا
وجرّد من عزمه مرهفالحسم أمور المناوي صقيلا
وكل كفور معاد لهسيأخذه الله أخذا وبيلا
أعزّ الخلائق لمّا وليونوّه من كان منهم ذليلا
وراعى لمن جاءه داخلاحماه من القاصدين الدّخيلا
فكان بأفعاله قصدهإلى منهج الفضل قصدا جميلا
وصحّ انتعاش المعالي بهوقد كان شخص المعالي عليلا
وشيّد مبنى العلا بالنّدىووثّقه خشية أن يميلا
ينيل ويعطي جزيل العطاءفما زال أخرى الليالي منيلا
ودام مدى الدّهر في رفعةتثير من الحاسدين الغليلا
ولا برح السعد في بابهيؤمّ به مربعا أو مقيلا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.