تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد المكودي

من أهل فاس، يكنى أبا عبد الله.

حاله: من «الإكليل»: شاعر لا يتعاطى ميدانه، ومرعى بيان ورف عضاهه وأينع سعدانه، يدعو الكلام فيهطع لداعيه، ويسعى في اجتلاب المعاني فتنجح مساعيه، غير أنه أفرط في الانهماك، وهوى إلى السّمكة من أوج السّماك. وقدم على هذه البلاد مفلتا من رهق تلمسان حين الحصار، صفر اليمين واليسار من اليسار، ملئ هوى أنحى على طريفه وتلاده، وأخرجه من بلاده.

ولمّا جدّ به البين، وحلّ هذه البلاد بحال تقبحها العين، والسيف بهزّته، لا بحسن بزّته، دعوته إلى مجلس أعاره البدر هالته، وخلع عليه الأصيل غلالته، وروض تفتّح كمامه، وهمى عليه غمامه، وكاس أنس تدور، فتتلقّى نجومها البدور. فلمّا ذهبت المؤانسة بخجله، وتذكّر هواه ويوم نواه حتّى خفنا حلول أجله، جذبنا للمؤانسة زمامه، واستقينا منها غمامه، فأمتع وأحسب، ونظر ونسب، وتكلّم في المسائل، وحضر بطرف الأبيات وعيون الرسائل، حتى نشر الصباح رايته، وأطلع النهار آيته.

ومما أنشدنا ونسب لنفسه:

غرامي فيك جلّ عن القياسوقد أسقيتنيه بكل كاس
ولا أنسى هواك ولو جفانيعليك أقاربي طرّا وناسي
ولا أدري لنفسي من كمالسوى أنّي لعهدك غير ناس

وقال في غرض معروف:

بعثت بخمر فيه ماء وإنّمابعثت بماء فيه رائحة الخمر
فقلّ عليه الشكر إذ قلّ سكرنافنحن بلا سكر وأنت بلا شكر

ومما خاطبني به:

رحماك بي فلقد خلّدت في خلديهوى أكابد منه حرّة الكبد
حللت عقد سلوّي في فؤادي إذحللت منه محلّ الروح في جسدي
مرآك بدري وذكراك التذاذ فميودين حبّك إضماري ومعتقدي
ومن جمالك نور لاح في بصريومن ودادك روح حلّ في خلدي
لا تحسبنّ فؤادي عنك مصطبرافقبل حبّك كان الصبر طوع يدي
وهاك جسمي قد أودى النّحول بهفلو طلبت وجودا منه لم تجد
بما بطرفك من غنج ومن حوروما بثغرك من درّ ومن برد
كن بين طرفي وقلبي منصفا فلقدحابيت بعضهما فاعدل ولا تحد
فقال لي قد جعلت القلب لي وطناوقد قضيت على الأجفان بالسّهد
وكيف تطلب عدلا والهوى حكموحكمه قطّ لم يعدل على أحد
من لي بأغيد لا يرثي إلى شجنوليس يعرف ما يلقاه ذو كمد
ما كنت من قبل إذعاني لصولتهإخال أنّ الرّشا يسطو على الأسد
إن جاد بالوعد لم تصدق مواعدهفإن قنعت بزور الوعد لم يعد
شكوته علّتي منه فقال: ألاسر للطبيب فما برء الضّنى بيدي
فقلت: إن شئت برئي أو شفا ألميفبارتشاف لماك الكوثريّ جد
وإن بخلت فلي مولى يجود علىضعفي ويبرئ ما أضنيت من جسدي

وخرج إلى المدح فأطال.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.