تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن سليمان بن القصيرة

أبو بكر، كاتب الدولة اللّمتونية، وعلم وقته.

حاله: قال ابن الصيرفي: الوزير الكاتب، الناظم، الناثر، القائم بعمود الكتابة، والحامل لواء البلاغة، والسابق الذي لا يشقّ غباره، ولا تخمد أبدا أنواره. اجتمع له براعة النثر، وجزالة النظم، رقيق النّسيج، حصيف المتن، رقعته ما شئت في العين واليد. قال ابن عبد الملك: وكان كاتبا مجيدا، بارع الخطّ، كتب عن يوسف بن تاشفين.

مشيخته: روى عن أبي الحجاج الأعلم، وأبي الحسن بن شريح، وروى عنه أبو الوليد هشام بن يوسف بن الملجوم، لقيه بمرّاكش.

شعره: وهو عندي في نمط دون ما وصف به. فمن ذلك قوله من قصيدة أنحى فيها على ابن ذي النّون، ومدح ابن عباد، عند خلع ابن جهور، أبي الوليد، وتصيير قرطبة إليه:

فسل عنه أحشاء ابن ذي النون هل سرىإليها سكون منذ زلزلها الذّعر؟
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
وهل قدّرت مذ أوحشته طلائع الظهور عليه أنّى تؤنسه الخمر؟
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
ألم يجن يحيى من تعاطيك ظلّهسجا لك هيهات السّهى منك يا بدر
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
لجاراك واستوفيت أبعد غايةوآخره عن شأوك الكفّ والعثر
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
فأحرزت فضل السّبق عفوا وكفّهعلى رغمه مما توهّمه صفر
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
ويا شدّ ما أغرته قرطبة وقدأبشرتها خيلنا فكان لك الدّرّ
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة

ومنها:

أتتك وقد أزرى ببهجة حسنهاولا أنها من جور مالكها طمر
للشاعر ميخائيل خير الله ويردي، من قصيدة «فسل عنه أحشاء ابن ذي النون هل»
فألبستها من سابغ العدل حلّةزهاها بها تيه وغازلها كبر
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
وجاءتك متفالا فضمّخ حيّهاوإزدانها من ذكرك المعتلي عطر
للشاعر ميخائيل خير الله ويردي، من قصيدة «فسل عنه أحشاء ابن ذي النون هل»
وأجريت ماء الجود في عرصاتهافروّض حتى كاد أن يورق الصّخر
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
وطاب هواء أفقها فكأنهاتهبّ نسيما فيه أخلاقك الزّهر
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
وما أدركتهم في هواك هوادةوما ائتمروا إلّا لما أمر البرّ
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
وما قلّدوك الأمر إلّا لواجبوما جئته فيه المجرّب والغمر
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
وبوّأهم في ذروة المجد معقلاحرام على الأيام إلمامه حجر
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
وأوردهم من فضل سيبك مورداعلى كثرة الوارد مشرعه غمر
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
فلولاك لم تفصل عرى الإصر عنهمولا انفكّ من ربق الأذى لهم أسر
للشاعر الوزير ابن القصيرة الإشبيلي، اقرأ القصيدة
أعدت نهار ليلهم ولطالماأراهم نجوم الليل في أفقه الظهر
للشاعر ميخائيل خير الله ويردي، من قصيدة «فسل عنه أحشاء ابن ذي النون هل»
ولا زلت تؤويهم إلى ظلّ دوحةمن العزّ في أرحابها النّعم الخضر
للشاعر ميخائيل خير الله ويردي، من قصيدة «فسل عنه أحشاء ابن ذي النون هل»

كتابته: وهي من قلّة التصنّع والإخشوشان، بحيث لا يخفى غرضها، ولكل زمان رجاله. وهي مع ذلك تزينها السذاجة، وتشفع لها الغضاضة. كتب عن الأمير يوسف بن تاشفين ولاية عهده لولده:

«هذا كتاب تولية عظيم جسيم، وتوصية حميم كريم، مهدت على الرّضا قواعده، وأكّدت بيد التقوى مواعده ومعاقده، وسدّدت إلى الحسنى مقاصده، وأبعدت عن الهوادة والهوى مصادره وموارده. أنفذه أمير المسلمين، وناصر الدين، أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، أدام الله أمره، وأعزّ نصره، وأطال فيما يرضيه منه، ويرضى به عنه عمره، غير محاب، ولا تارك في النصيحة لله ولرسوله والمسلمين موضع ارتياب لمرتاب، للأمير الأجل أبي الحسن عليّ ابنه، المتقبّل هممه وشيمه، المتأثّل حلمه وتحلّمه، الناشىء في حجر تقويمه وتأديبه، المتصرّف بين يدي تخريجه وتدريبه، أدام الله عزّه وتوفيقه، ونهج إلى كل صالح من الأعمال طريقه، وقد تهمّم بمن تحت عصاه من المسلمين، وهدى في انتقاء من يخلفه هدى المتّقين، ولم ير أن يتركهم بعد سدى غير مدينين، واعتام في النّصاب الرفيع واختار واستنصح أولي الرأي والدين، واستشار فلم يوقع بعد طول تأمل، وتراخي مدة، وتمثل اختياره، واختبار من فاوضه في ذلك من أولي التقوى والحنكة واستشارة الأعلية، ولا صار بدونهم الارتياد والاجتهاد إلّا إليه، ولا التقى روّاد الرأي والتشاور إلّا لديه. فولّاه عن استحكام بصيرة، وبعد طول مشورة، عهده، وأفضى إليه الأمر والنهي، والقبض والبسط عنده بعده، وجعله خليفته السّاد في رعاياه مسّده، وأوطأ عقبه جماهير الرجال، وناط به مهمات الأمور والأعمال، وعهد إليه أن يتّقي الله ما استطاع، ولا يعدل عن سمت العدل وحكم الكتاب والسّنّة في أحد عصا أو أطاع، ولا ينام عن حماه الحيف والخوف بالاضطجاع، ولا يتليّن دون معلن شكوى، ولا يتصام عن مستصرخ لذي بلوى، وأن ينظم أقصى البلاد وأدناها في سلك تدبيره، ولا يكون بين القريب والبعيد بون في إحصائه وتقديره. ثم دعا، أدام الله تأييده، لمبايعته، أدام الله عزّه ونصره، من حضر ودنا من المسلمين، فلبّوا مسرعين، وأتوا مهطعين، وأعطوا صفقة إيمانهم متبرّعين متطوعين، وبايعوه على السمع والطاعة، والتزام سنن الجماعة، وبذل النصيحة جهد الاستطاعة، ومناصفة من ناصفه، ومحاربة من حاربه، ومكايدة من كايده، ومعاندة من عانده، لا يدّخرون في ذلك على حال المنشط مقدرة، ولا يحتجون في حالتي الرضا والسخط إلى معذرة. ثم أمر بمخاطبة سائر أهل البلاد لمبايعته، كل طائفة منهم في بلدها، وتعطيه كما أعطاه من حضر صفقة يدها، حتى ينتظم في التزام طاعته القريب والبعيد، ويجتمع على الاعتصام بحبل دعوته الغائب

والشهيد، وتطمئنّ من أعلام الناس وخيارهم نفوس قلقة، وتنام عيون لم تزل مخافة إقذائها مورقة، ويشمل الناس كافة السرور والاستبشار، وتتمكن لديهم الدّعة ويتمهّد القرار، وتنشأ لهم في الصلاح آمال، ويستقبلهم جدّ صالح وإقبال. والله يبارك لهم بيعة رضوان، وصفقة رجحان، ودعوة يمن وأمان، إنه على ما يشاء قدير، لا إله إلا هو، نعم المولى ونعم النصير. شهد على إشهاد أمير المسلمين بكل ما ذكر عنه فوق هذا من بيعته، ولقيه حملة عنه ممن التزم البيعة المنصوصة قبل، وأعطي صفقته طائعا متبرعا بها. وبالله التوفيق. وكتب بحضرة قرطبة في ذي الحجة سنة ست وتسعين وأربعمائة».

دخل غرناطة غير ما مرّة، وحده، وفي ركاب أميره.

وفاته: توفي في جمادى الآخرة من عام ثمانية وخمسمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.