تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن محمد بن محمد بن بيبش العبدري

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن بيبش.

حاله: كان خيّرا، منقبضا، عفّا، متصاونا، مشتغلا بما يعنيه، مضطلعا بالعربية، عاكفا عمره على تحقيق اللّغة، مشاركا في الطّب، متعيّشا من التّجارة في الكتب، أثرى منها، وحسنت حاله. وانتقل إلى سكنى سبتة، إلى أن حططت بها رسولا في عام اثنتين وخمسين وسبعمائة، فاستدعيته ونقلته إلى بلده، فقعد للإقراء به إلى أن توفي.

وجرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بما نصّه: معلّم مدرّب، مسهّل مقرّب، له في صنعة العربية باع مديد، وفي هدفها سهم سديد، ومشاركة في الأدب لا يفارقها تسديد، خاصيّ المنازع مختصرها، مرتّب الأحوال مقرّرها، تميّز لأول وقته بالتّجارة في الكتب فسلّطت عليها منه أرضة آكلة، وسهم أصاب من رميتها شاكلة، أترب بسببها وأثرى، وأغنى جهة وأفقر أخرى، وانتقل لهذا العهد الأخير إلى سكنى غرناطة مسقط رأسه، ومنبت غرسه، وجرت عليه جراية من أحباسها، ووقع عليه قبول من ناسها، وبها تلاحق به الحمام، فكان من ترابها البداية وإليه التمام. وله شعر لم يقصر فيه عن المدى، وأدب توشّح بالإجادة وارتدى.

مشيخته: قرأ على شيخ الجماعة ببلده أبي جعفر بن الزبير، وعلى الخطيب أبي عبد الله بن رشيد، والوزير أبي محمد بن المؤذن المرادي، والأستاذ عبد الله بن الكمّاد، وسمع على الوزير المسنّ أبي محمد عبد المنعم بن سماك. وقرأ بسبتة على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي.

شعره: أنشدني بدار الصّناعة السلطانية من سبتة تاسع جمادى الأولى من عام اثنين وخمسين المذكور، عند توجّهي في غرض الرسالة إلى السلطان ملك المغرب، قوله يجيب عن الأبيات المشهورة، التي أكثر فيها الناس وهي:

يا ساكنا قلبي المعنّىوليس فيه سواك ثان
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «يا ساكنا قلبي المعنى»
لأيّ معنى كسرت قلبيوما التقى فيه ساكنان؟
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «يا ساكنا قلبي المعنى»

فقال:

نحلتني طائعا فؤادافصار إذ حزته مكاني
لا غرو إذ كان لي مضافاأنّي على الكسر فيه باني

وقال يخاطب أبا العباس عميد سبتة، أعزّه الله، وهي ممّا أنشدنيه فيه التاريخ المذكور، وقد أهدى إليه أقلاما:

أنا ملك الغرّ التي سيب جودهايفيض كفيض المزن بالصّيّب القطر
أتتني منها تحفة مثل حدّهاإذا انتضيت كانت كمرهفة السّمر
هي الصّفر لكن تعلم البيض أنهامحكّمة فيها على النّفع والضّرّ
مهذّبة الأوصال ممشوقة كماتصاغ سهام الرّمي من خالص التّبر
فقبّلتها عشرا ومثّلت أننيظفرت بلثم في أناملك العشر

وأنشدني في التاريخ المذكور في ترتيب حروف الصحاح قوله:

أساجعة بالواديين تبوّئيثمارا جنتها حاليات خواضب
دعي ذكر روض زاره سقي شربهصباح ضحى طير ظماء عصائب
غرام فؤادي قاذف كلّ ليلةمتى ما نأى وهنا هواه يراقب

ومن مطولاته ما رفعه على يدي السلطان وهو قوله:

ديار خطّها مجد قديموشاد بناءها شرف صميم
وحلّ جنابها الأعلى علاءيقصّر عنه رضوى أو شميم
سقى نجدا بها وهضاب نجدعهاد ثرّة وحيا عميم
ولا عدمت رباه رباب مزنيغادي روضهنّ ويستديم
فيصبح زهرها يحكي شذاهفتيت المسك يذكيه النّسيم
وتنثره الصّبا فتريك درّانثيرا خانه عقد نظيم
وظلّت في ظلال الأيك تشدومطوّقة لها صوت رخيم
ترجّع في الغصون فنون سجعبألحان لها يصبو الحليم
أهيم بملتقى الوادي بنجدوليس سواه في واد أهيم
وكنت صرفت عنه النفس كرهاوما برحت على نجد تحوم
وما ينفكّ لي ولها نزاعإلى مغنى به ملك كريم
له بيت سما فوق الثّريّاوعزّ لا يخيم ولا يريم
تبوّأ من بني نصر علاهاوأنصار النبيّ له أروم
أفاض على الورى نيلا وعدلاسواء فيه مثر أو عديم
ملاذ للملوك إذا ألمّتصروف الدهر أو خطب جسيم
تؤمّله فتأمن في ذراهوتدنو من علاه فيستقيم
ويبدو في نديّ الملك بدراتحفّ به الملوك وهم نجوم
بوجه يوسفيّ الحسن طلقيضيء بنوره اللّيل البهيم
وتلقاه العفاة له ابتسامومنه للعدى أخذ أليم
فيا شرف الملوك لك انقطاعيوإنّي في محلّكم خديم
وآمالي أملت إليك حتّىوردن على نداك وهنّ هيم
فلا ظمأ ووردك خير وردنمير ماؤه عذب جميم
ولا أضحى وفي مغناك ظلّظليل حين تحتدم السّموم
ركبت البحر نحوك والمطاياتسير لها ذميل أو رسيم
وإنّ علاك إن عطفت بلحظعليّ فذلك العزّ المقيم
فوا أسفي على عمر تقضّىبدار ليس لي فيها حميم
سوى ثمر للفؤاد ذهبت عنهوبين جوانحي منه كلوم
ودون لقائها عرض الفيافيونجد موجه طود عظيم
لعلّ الله ينعم باجتماعوينظم شملنا البرّ الرحيم
بقيت بغبطة وقرار عينبملك سعده أبدا يدوم
كما دامت حلى الأنصار تتلىيشيد بذكرها الذّكر الحكيم
عليك تحية عطر شذاهاكعرف الرّوض جادته الغيوم

مولده: بغرناطة في رجب ثمانين وستمائة. وتوفي عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، ودفن بباب إلبيرة، وتبعه من الناس ثناء حسن، ﵀.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.