من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
ذكر بعض ما صدر لي من التشريعات الملوكية أيام تأبّشي بهذه الغرور
الصفحة ٢ من ٢
وأنشدت السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الأعظم من عام ثلاثة وستين وسبعمائة هذه القصيدة:
تألّق نجديّا فأذكرني نجداوهاج بي الشّوق المبرّح والوجدا
وميض رأى برد الغمامة معقلافمدّ يدا بالتّبر أعلمت البردا
تبسّم في مجريّة قد تجهّمتفما بذلت وصلا ولا ضربت وعدا
وراود منها فاركا قد تنعّمتفأهوى لها نصلا وهدّدها رعدا
فحلّتها الحمراء من شفق الضّحىنضاها وحلّ المزن من جيدها عقدا
لك الله من برق كأنّ وميضهيد الساهر المقرور قد قدحت زندا
تعلّم من سكّانه شيم النّدىفغادر أجراع الحمى روضة تندى
وتوّج من نوّارها قنن الرّباوختّم من أزهارها القضب الملدا
لسرعان ما كانت مناسف للصّبافقد ضحكت زهرا وقد خجلت وردا
بلاد عهدنا في قرارتها الصّبايقلّ لذاك العهد أن يألف العهدا
إذا ما النّسيم اعتلّ في عرصاتهاتناول فيها البان والشّيح والرّندا
فكم في مجاني وردها من علاقةإذا ما استثيرت أرضها أنبتت وجدا
إذا استشعرتها النّفس عاهدت الجوىإذا ما التمحتها العين عاقدت السّهدا
ومن عاشق حرّ إذا ما استمالهحديث الهوى العذريّ صيّره عبدا
ومن ذابل يحكي المحبّين رقّةفيثني إذا ما هبّ عرف الصّبا قدّا
سقى الله نجدا ما نضحت بذكرهاعلى كبدي إلّا وجدت لها بردا
وآنس قلبي فهو للعهد حافظوقلّ على الأيام من يحفظ العهدا
صبور وإن لم يبق إلّا ذبالةإذا استقبلت مسرى الصّبا اشتعلت وقدا
صبور إذا الشّوق استجاد كتيبةتجوس خلال الصّبر كان لها بندا
وقد كنت جلدا قبل أن يذهب النّوىذمائي وأن يستأصل العظم والجلدا
أأجحد حقّ الحبّ والدمع شاهدوقد وقع التّسجيل من بعد ما أدّى؟
تناثر في إثر الحمول فريدهفلله عينا من رأى الجوهر الفردا
جرى يققا في ملعب الخدّ أشهباوأجهده ركض الأسى فجرى وردا
ومرتحل أجريت دمعي خلفهليرجعه فاستنّ في إثره قصدا
وقلت لقلبي: طر إليه برقعتيفكان حماما في المسير بها هدّا
سرقت صواع العزم يوم فراقهفلجّ ولم يرقب صواعا ولا ودّا
وكحّلت عيني من غبار طريقهفأعقبها دمعا وأورثها سهدا
إلى الله كم أهدى بنجد وحاجروأكنى بدعد في غرامي أو سعدى
وما هو إلّا الشّوق ثار كمينهفأذهل نفسا لم تبن عنده قصدا
وما بي إلّا أن سرى الركب موهناوأعمل في رمل الحمى النّصّ والوخدا
وجاشت جنود الصّبر والبين والأسىلديّ فكان الصّبر أضعفها جندا
ورمت نهوضا واعتزمت مودّعافصدّني المقدور عن وجهتي صدّا
رقيق بدت للمشترين عيوبهولم تلتفت دعواه فاستوجب الرّدّا
تخلّف عنّي ركب طيبة عانياأما آن للعاني المعنّى بأن يفدى؟
مخلّف سربي قد أصيب جناحهوطرن فلم يسطع مراحا ولا مغدى
نشدتك يا ركب الحجاز، تضاءلتلك الأرض مهما استعرض السّهب وامتدّا
وجمّ لك المرعى وأذعنت الصّوىولم تفتقد ظلّا ظليلا ولا وردا
إذا أنت شافهت الدّيار بطيبةوجئت بها القبر المقدّس واللّحدا
وآنست نورا من جناب محمديجلّي القلوب الغلف والأعين الرّمدا
فنب عن بعيد الدار في ذلك الحمىوأذر به دمعا وعفّر به خدّا
وقل يا رسول الله عبد تقاصرتخطاه وأضحى من أحبّته فردا
ولم يستطع من بعد ما بعد المدىسوى لوعة تعتاد أو مدحة تهدى
تداركه يا غوث العباد برحمةفجودك ما أجدى وكفّك ما أندى
أجار بك الله العباد من الرّدىوبوّأهم ظلّا من الأمن ممتدّا
حمى دينك الدّنيا وأقطعك الرّضاوتوّجك العليا وألبسك الحمدا
وطهّر منك القلب لمّا استخصّهفجلّله نورا وأوسعه رشدا
دعاه فما ولّى هداه فما غوىسقاه فما يظما، جلاه فما يصدا
تقدّمت مختارا، تأخّرت مبعثافقد شملت علياؤك القبل والبعدا
وعلّة هذا الكون أنت، وكلّ ماأعاد وأنت القصد فيه وما أبدى
وهل هو إلّا مظهر أنت سرّهليمتاز في الخلق المكبّ من الأهدى
ففي عالم الأسرار ذاتك تجتليملامح نور لاح للطّور فانهدّا
وفي عالم الحسن اغتديت مبوّألتشفي من استشفى وتهدي من استهدى
فما كنت لولا أن ثبتّ هدايةمن الله مثل الخلق رسما ولا حدّا
فماذا عسى يثني عليك مقصّرولم يأل فيك الله شكرا ولا حمدا
بماذا عسى يجزيك هاو على شفامن النار قد أسكنته بعدها الخلدا
عليك صلاة الله يا خير مرسلوأكرم هاد أوضح الحقّ والرّشدا
عليك صلاة الله يا كاشف العمىومذهب ليل الشّرك وهو قد اربدّا
إلى كم أراني في البطالة كانعاوعمري قد ولّى، ووزري قد عدّا
تقضّى زماني في لعلّ وفي عسىفلا عزمة تمضي ولا لوعة تهدا
حسام جبان كلّما شيم نصلهتراجع بعد العزم والتزم الغمدا
ألا ليت شعري هل أراني ناهداأقود القلاص البدن والضّامر النّهدا
رضيع لبان الصدق فوق شملّةمضمّرة وسّدت من كورها مهدا
فتهدي بأشواقي السّراة إذا سرتوتحدي بأشعاري الرّكاب إذا تحدى
إلى أن أحطّ الرّحل في تربك الذيتضوّع ندّا ما رأينا له ندّا
وأطفىء في تلك الموارد غلّتيوأحسب قربا مهجة شكت البعدا
بمولدك اهتزّ الوجود فأشرقتقصور ببصرى ضاءت الهضب والوهدا
ومن رعبه الأوثان خرّت مهابةومن هوله إيوان كسرى قد انهدّا
وغاض له الوادي وصبّح عزّهبيوتا لنار الفرس أعدمها الوقدا
رعى الله منها ليلة أطلع الهدىعلى الأرض من آفاقها القمر السّعدا
وأقرض ملكا قام فينا بحقّهالقد أحرز الفخر المؤثّل والمجدا
وحيّا على شطّ الخليج محلّةيحالف من ينتابها العيشة الرّغدا
وجاد الغمام العدّ فيها خلائفامآثرهم لا تعرف الحصر والعدّا
عليّا وعثمان ويعقوب، لا عدارضى الله ذاك النّجل والأب والجدّا
حموا وهم في حومة البأس والنّدىفكانوا الغيوث المستهلّة والأسدا
ولله ما قد خلّفوا من خليفةحوى الإرث عنهم والوصيّة والعهدا
إذا ما أراد الصّعب أغرى بنيلهصدور العوالي والمطهّمة الجردا
فكم معتد أردى وكم تائه هدىوكم حكمة أخفى وكم نعمة أبدى
أبا سالم، دين الإله بك اعتلىأبا سالم، ظلّ الإله بك امتدّا
فدم من دفاع الله تحت وقايةكفاك بها أن تسحب الحلق السّردا
ودونكها منّي نتيجة فكرةإذا استرشحت للنظم كانت صفا صلدا
ولو تركت منّي الليالي صبابةلأجهدتها ركضا وأرهقتها شدّا
ولكنه جهد المقلّ على الثّوىوقد أوضح الأعذار من بلغ الجهدا
ومن ذلك قصيدة أنشدتها مولاي السلطان الغني بالله بمحضري بالمشور الحافل، المتّخذ بعد الرجوع إلى الأندلس، في بعض ليالي المولد الكريم، المنوّه بوليمتها، وهي خاتمة النّظم في هذا الغرض المقتضى الإلمام، بمدح السلطان، صرف الله وجوهنا إليه:
ما على القلب بعدكم من جناحأن يرى طائرا بغير جناح
وعلى الشّوق أن يشبّ إذا هبّبأنفاسكم نسيم الصباح
جيرة الحيّ، والحديث شجونوالليالي تلين بعد الجماح
أترون السّلوّ خامر قلبيبعدكم لا وفالق الإصباح
ولو اني أعطى اقتراحي على الأيام ما كان بعدكم باقتراحي
ضايقتني فيكم صروف اللياليواستدارت عليّ دور الوشاح
وسقتني كأس الفراق دهاقافي اغتباق مواصل باصطباح
واستباحت من جدّتي وفتائيحرما لم أخله بالمستباح
قصفت صعدة انتصاري وفلّتغرب عزمي المعدّ يوم كفاحي
لم تدع لي من السلاح سوى مغفر شيب أهوى به من سلاح
عاجلتني به وفي الوقت فضللاهتزازي إلى الهوى وارتياح
فكأنّ الشباب طيف خيالأو وميض قما عقيب التماح
ليل أنس دجى وأقصره ليلجاذبت برده يمين صباح
صاح والوجد مشرب والورى صففان من منتش وآخر صاح
يا ترى والنفوس أسرى الأمانيما لها عن وثاقها من سراح
هل يباح الورود بعد ذياد؟أو يتاح اللقاء بعد انتزاح؟
وإذا أعوز الجسوم التّلاقيناب عنه تعارف الأرواح
جاء عهد الهوى من السّحب هاممستهلّ الوميض ضافي المناح
كلّما أخضل الرّبوع بكاءضحكت فوقها ثغور الأقاحي
عادني من تذكّر العيد عيدكان منّي للعين عيد الأضاحي
سفحت فيه للدموع دمافهي فوق الخدود ذات انسياح
وركاب سروا وقد شمل الليل بمسح الدّجى جميع النّواحي
وكأنّ الظّلام عسكر زنجونجوم الدّجى نصول الرّماح
حملت منهم ظهور المطاياأيّ جدّ بحت وعزم صراح
ستروا الوجد وهو نار وكان الستر يجدي لولا هبوب الرّياح
خلّفوني من بعدهم يائس الطّرف ثقيل الخطا مهيض الجناح
وجدوها مثل القسيّ ضموراقد برت منهم سهام قداحي
وطووا طوع باعث الوجد والشّوق إلى الأبطحيّ غير البطاح
مصطفى الكون من ظهور النّبيّين هداة الأنام سبل الفلاح
حجّة الله حكمة الله سرّ اللّه في كل غاية وافتتاح
حاشر الخلق عاقب الرّسل المثبت بالله بعدهم والماحي
صاحب المعجزات لا يتمارى العقل في آي للحسان صحاح
من جماد يقرا وقمر يشقّومن الماء من بنان الرّاح
دعوة الأنبياء منتظر الكون ودعوى البشير باستفتاح
مظهر الوحي مطلع الحقّ معنى الخلق فتح المهيمن الفتّاح
أيّ غيث من رحمة الله هاموسراج بهديه وضّاح
ما الذي يشرح امرؤ في رسولعاجل الله صدره بانشراح؟
شقّه الروح ثم طهّر منه القلب من بعد بالبرود القراح
مدحتك الرّسل أيا خاتم الرّسل فمن لي بعدّها بامتداح؟
ولعجز النفوس عن درك الحقق وإيقافها وقوف افتضاح
صلوات الإله يا نكتة الكون على مجدك اللّباب القراح
عدد القطر والرّمال وماعاقب دهر غدوه برواح
وجزاك الإله أفضل ما يجزى كرام الأئمّة النّصّاح
أسفي كم أرى طريد ذنوبأوبقتني فليس لي من براح
قد غزتني الخطوب غزو الأعاديوبرتني الهموم بري القداح
سبق الحكم واستقلّ وهل يمحى قضاء قد خطّ في الألواح؟
لا لدنيا جنحت ألهو فيهالا لدين خلصت لا لصلاح
قاطعا في الغرور برهة عمريخسرت صفقتي وخاب قداحي
طمع الشّيب باللّجام المحلّىحين أبديت أن يردّ جماحي
فأبت نفسي اللّجوج وجدّتفي سموّ إلى الهوى وطماح
يا طبيب الذنوب تدبيرك الناجع في علّتي ضمين النّجاح
يا مجلّي العمى وكافي الدّواهيومداوي المرضى وآسي الجراح
سدّ باب القبول دوني وما لييا غياثي سواك من مفتاح
خصّك الله بالكمال وزند الكون لم تقترن بكفّ اقتداح
قبل أن يوجد الوجود وأن يتحف بالنّور ظلمة الأشباح
وأضاءت من بعد ميلادك الأرض وهزّت له اهتزاز ارتياح
فسرى الخصب في الجسوم الهزالىوجرى الرّسل في الضّروع الشحاح
ولقد روعيت لديه حقوقأقطعتها العدا جناب اطّراح
لمعالي محمد بن أبي الحججاج ليث العدا وغيث السّماح
ناصر الحقّ مرسل النّفع سحبابين سمر القنا وبيض الصّفاح
ومريد الجياد أرض الأعاديوهي مختالة لفرط المراح
يتلاعبن بالظّلال عراباغذّيت في الفلا لبان اللّقاح
يا سراج النّادي وحتف الأعاديوعماد الملك الكريم المنّاح
جمع الله من حلى آل عبّاس لعلياك في سبيل امتداح
بين رأي موفّق واعتزاممستعين وصارم سفّاح
وخفضت الجناح في الأرض حتىلم تدع فوق ظهرها من جناح
أنت مصباحها ونور دجاهادافع الله عنك من مصباح
محّص الله منك ياقوتة الملك وينبوع العدل والإصلاح
بخطوب أرت حديث سليمن وجاءت بالحادث المجتاح
بيدي فاقد الحجا هلهل النّسج أخي جرأة وربّ اجتراح
نال منها عقبى مسيلمة الكذذاب إذ عاند الهوى وسجاح
ثم ردّ الأمور ردّا جميلالك من بعد فرقة وانتزاح
فاجره في الورى الجميل وعاملمنه كنز الغنى ومثوى الرّياح
واشتر الحمد بالمواهب واعقدعقدها في مظنّة الأرياح
بركات السّماء تبتدر الأرض إذا استودعت بدور السّماح
وتهنّأ منه بدنيا سعيداجاء للمعلوات وفق اقتراح
وتمتّع منه بهالة ملكأطلعت منك أيّ بدر لياح
مشور الرّأي مجمع الحفل مثوىكلّ ذمر وسيّد جحجاح
ومقام السّلام في مدة السّلم وغاب الأسود يوم الكفاح
ملتقى حكمة وملعب إلهام ومغنى السّرور والأفراح
أين كسرى وأين إيوان كسرى؟لا يغلّ الخضمّ بالضّحضاح
أين نور الأبدان من عنصر النار إذا ما اعتبرته يا صاح
بنية كان فضلها لك مذخورا كزهر الرّياض في الأدواح
حين طاب الزّمان واعتدل الفصل استجدّت وبادرت بافتتاح
هاكها قد تتوّجت بالمعانيواكتست حلّة اللّغات الفصاح
حين غاض الشّباب وارتجع الفكر وضاق الخطو العريض السّاح
جهد قلب لفقت بعد جهادنقطة من قليبه الممتاح
ومعاني البيان منّ عذاريلا يبح للشّيوخ عقد نكاح
مع شيخ سوى الرجوع إلى اللّهـ ونجوى أهل التّقى والصّلاح
ولزوم الباب الذي يجبر الكسر ووصل السؤال والإلحاح
وعلى ذاك فهي ساحرة الأحداق تري بكلّ خود رداح
تنفث السّحر في الجفون وتهديطرر الحسن في الوجوه الملاح
دمت في عزّة ورفعة قدربين مغدى موفّق ومراح
ما تولّت دهم الدّجنّة غدواوجرت خلفهن شهب الصّباح
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع