من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
المقطوعات المشتملة على الأغراض العديدة
منها في غرض التّورية:
ناديت دمعي إذ جدّ الرّحيل بهموالقلب من فرق التّوديع قد وجبا
سقطت، يا دمع، من عيني غداة نأىعنّي الحبيب ولم تقض الذي وجبا
وقلت في التورية أيضا:
كتبت بدمع عيني صفح خدّيوقد منع الكرى هجر الخليل
وراب الحاضرين فقلت: هذاكتاب «العين» ينسب للخليل
وقلت في التورية أيضا:
ولمّا رأت عزمي حثيثا على السّرىوقد رابها صبري على موقف البين
أتت بصحاح الجوهريّ دموعهافعارضت من دمعي بمختصر العين
وقلت في التورية أيضا:
مضجعي فيك عن قتادة يرويوروى عن أبي الزّناد فؤادي
وكذا النوم شاعر فيك أمسىمن دموعي يهيم في كلّ وادي
وقلت في التورية أيضا:
حين ساروا عنّي وقد خنقتنيعبرات قد أعربت عن ولوعي
صحت من فيض العذيب؟ فلمّالم أجد ناصرا فلعت دموعي
وقلت في التورية أيضا:
قال لي والدموع تنهلّ سحبافي عراض من الخدود محول:
بك ما بي، فقلت: مولاي عافاك المعافي من عبرتي ونحولي
أنا جفني القريح يروي عن الأعمش والجفن منك عن مكحول
وقلت في التورية أيضا:
مكناسة جمعت بها زمر العدافمدا بريد فيه ألف بريد
من واصل الجوع لا لرياضةأو لابس الصّوف غير مريد
فإذا سلكت طريقها متصوّفافابن السّلوك بها على التّجريد
وقلت في التورية أيضا ولها حكاية»
قلت لمّا استقلّ مولاي زرعيورأى غلّة الطعام قليله:
دمنتي لانتجاعي الحرث كلّتفهي اليوم دمنة وكليله
وقلت في التورية أيضا، وقد أهدى الوزير عمر بن عبد الله فرسا به جراد في عرقوبه:
أشكو إلى الله من أبناء يعقوبوالوعد ما بين مرموق ومرقوب
زرعت عرقوب أرضي من شعيركمجاء الجراد فأفنى زرع عرقوب
وقلت أيضا، وقد جلس السلطان للسلام في يوم شديد البرد:
جلس المولى لتسليم الورىولفضل البرد في الجوّ احتكام
فإذا ما سألوا عن يومناقلت: هذا اليوم برد وسلام
وقلت في التورية أيضا في سنة قحط:
سألنا ربيع العام للعام رحمةفضنّ ولم يسمح بذرّة إنعام
وقلنا، وقد ردّ الحياء وجوهنا:قليل الحيا والله أصبح من عام
وقلت في التورية أيضا وضمّنته مثلا:
لمّا رأوا كلفي به وردواقدر الذي في فيه من حبّ
قالوا الفتى حلو فقلت: نعمطلعت حلاوته على القلب
وقلت في ذلك والله وليّ التّجاوز:
أنا كافر وسواي فيه بعاذللا يستبين الصّدق في آياته
ومصدّق بصحيفة الخدّ الذيقد أعجب الكفّار حسن نباته
وقلت في التورية أيضا:
بأبي ظبي غزانيمستبيحا شرح صدري
فأنا اليوم شهيد الحبّ من غزوة بدر
وقلت في التورية أيضا على طريقة المشارقة:
أشكو لمبسمه الحزين وقد حمىعنّي لماه المشتهى ورحيقه
يا ريقه حيّرتني ومطلتنيما أنت إلّا بارد يا ريقه
وقلت في التورية فيمن ركب البحر وماد:
ركب السفينة واستقلّ بأفقهافكأنما ركب الهلال الفرقد
وشكوا إليه بميده فأجبتهملا غرو أن ماد القضيب الأملد
وقلت في التورية أيضا:
يا مالكي بخلالتهدي إلى الفكر خيره
أضرمت قلبي نارايا مالك بن نويره
وقلت في التورية على عرف العامة:
قلت وقد ألبس جسمي الضّناصبغة سقم أبدا لا تحول
يا من رآني أشفق لما حلّ بييلبس مخيوطّ على ذي النحول
وقلت في التورية، وقد دلّك السلطان يديه بالحنّاء:
إن شمس الدّين مخبر الملوكدرّة العقد ووسطى السّلوك
دلّك الكفّ بحنّاء فقلناأنت شمس الدّين عند الدّلوك
وقلت من التورية في رثاء رجل اسمه الحسن:
أشكو إلى الله من بثّي ومن شجنيلم أجن من شجني شيئا سوى محن
أصابت الحسن العين التي رشقتوعادة العين لا تضمي سوى الحسن
وقلت من التورية الغريبة، عندما خرج السلطان من المدينة البيضاء بفاس طالبا حقّه، يريد الحمراء بغرناطة:
ولمّا حثثت السّير والله حاكململكك في الدنيا بعزّ وفي الأخرى
حكى فرس الشّطرنج طرفك لا يرىينقّل من بيضاء إلّا إلى حمرا
وقلت في قرية شخت من بادية المنكّب، وتمكنت فيها التورية من وجهين:
بات رفيقي لهم شختبشيبته عافها العيان
وقلت: ما هذه البواديفقال لي: شخت يا فلان
وقلت في قريب منه:
تعجّلت وخط الشّيب في زمن الصّبالخوضي غمار الهمّ في طلب المجد
فمهما رأيتم شيبة فوق مفرقيفلا تنكروها إنها شيبة الحمد
وقلت من التورية بالفقه، وقد صدّرت بها كتابا، مجيبا به آخر تقدّمه:
يا من تقلّد للعلاء سلوكاوالفضل أضحى نهجه مسلوكا
كاتبتني متفضّلا فملكتنيلا زلت منك مكاتبا مملوكا
وقلت من أبيات في التورية:
وما كان إلّا أن جنى الطّرف نظرةغدا القلب رهنا في عقوبة ذنبه
وما الحقّ أن يأتي امرؤ بجريرةفيؤخذ في أوزارها جار جنبه
وقلت في التورية:
ما للسّها بادي النّحول كأنّهمتستّر تبدو مخايل خوفه؟
قالوا: عليل، قلت: هذا ممكنوالله أعلم داؤه من جوفه
وقلت في التورية أيضا:
أجاد يراع الحسن خطّ عذارهوأودعه السّرّ المصون الذي يدري
ولم يفتقر فيه لختم وطابعفمبسمه أغناه عن طابع السّرّ
وقلت في عين قرية البذول، وفيه التورية:
قلت اعشقوا عين البذول التيفي مثلها يرفض قول العذول
فقلّ ما أبصرتم منظراأملح من منظر عين البذول
وقلت أيضا في التورية:
وظبي لأوضاع الجمال مدرّسعليم بأقسام المحاسن ماهر
أرى جيده نصّ المحلّى وقررتثناياه ما ضمّت صحاح الجواهر
وقلت في التورية أيضا، وفي إشارة إلى رجل يقصد الولائم من أجل بطنه، وشدّة نهمه:
اذمم ذوي التّطفيل مهما أتىوإن تكن أجملتهم فاعنه
يمشي على رجليه مع كونهمن جنس من يمشي على بطنه
وقلت في التورية أيضا، والتورية طبّية، وقد سهرت في طريق المنكّب برأس المزاد، وقد صدعتني وعورته:
عند رأس المزاد عادني السّهد ولم تغن حيلتي واجتهادي
حسبي الله كيف يبرأ سريعاسهر عن صداع رأس الزاد؟
وقلت في التورية بكتاب مسلم، من كتب الحديث:
ذهب الألى كانوا نجوما للورى فالكون مظلم
وتذاكر الناس الحديث الحقّ وافتقد المعلّم
أنا كاتب السلطان ماطالعت قطّ كتاب مسلم
إلّا سخاما قادحافي الدّين والله المسلّم
وقلت في التورية النجومية في المدح:
إن أبهم الخطب جلّى في دجنّتهرأيا يفرّق بين الغيّ والرّشد
وإن عتا الدّهر أبدى من أسرّتهوكفّه هدي حيران وريّ صد
وإن نظرت إلى لألاء غرّتهيوم الهياج رأيت الشمس في الأسد
وقلت من التورية في المدح:
تخوّنه صرف الزمان وهل ترىدواما لحال أو بقاء على أمر؟
هو الدهر ذو وجهين يوم وليلةومن كان ذا وجهين معتب في غدر
وقلت وقد جمدت رجلاي لشدة البرد بتاجرة، موريا بعرف العامة، إذ تقول لمن بولغ في نكاله، عملت إطرافه:
لقد جمدت رجلاي تاجرة الرّدىفخفّضت من بأي لديها وإشراف
وما أرتجي من بقعة قد هجوتهالقد ظفرت بي فهي تعمل أطرافي
وقلت في التورية لمن يدعى شمس الدين:
قل لشمس الدين: وقّيت الردىلم يدع سقمك عندي جلدا
رمدت عينك هذا عجبأوعين الشّمس تشكو الرّمدا؟
وقلت في التورية في رجل أقسم أنه ذو مالية وأمانة، وطلب من السلطان خدمته:
حلفت لهم بأنك ذو يساروذو ثقة وبرّ باليمين
ليستندوا إليك بحفظ مالفتأكل باليسار وباليمين
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع