من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
ذكر بعض ما صدر لي من التشريعات الملوكية أيام تأبّشي بهذه الغرور (٢)
ومن غرض الأمداح قولي في امتداح سلطان المغرب أبي عنان، لما توجّهت إليه رسولا، محمّلا مصالح البلاد والعباد، واستدعى الشعر مني فقلت:
أبدى لداعي الفوز وجه منيبوأفاق من عذل ومن تأنيب
كلف الجنان إذا جرى ذكر الحمىوالبان حنّ له حنين النّيب
والنّفس لا تنفكّ تكلف بالهوىوالشّيب يلحظها بعين رقيب
رحل الصّبا فطرحت في أعقابهما كان من غزل ومن تشبيب
أترى التّغزّل بعد أن ظعن الصّباشأني الغداة أو النّسيب نسيبي؟
أنّى لمثلي بالهوى من بعد ماللوخط في الفودين أيّ دبيب
لبس البياض وحلّ ذروة منبرمنّي ووالى الوعظ فعل خطيب
قد كان يسترني ظلام شبيبتيوالآن يفضحني صباح مشيبي
وإذا الجديدان استجدّا أبليامن لبسة الأعمار كلّ قشيب
سلني عن الدهر الخؤون وأهلهتسل المهلّب عن حروب شبيب
متقلّب الحالات فاخبر تقلهمهما أعدت يدا إلى تقليب
فكل الأمور إذا اعترتك لربّهاما ضاق لطف الرّبّ عن مربوب
قد يخبأ المحبوب في مكروههامن يخبأ المكروه في المحبوب
واصبر على مضض الليالي إنهالحوامل سيلدن كلّ عجيب
واقنع بحظّ لم تنله بحيلةما كلّ رام سهمه بمصيب
يقع الحريص على الرّدى ولكم غداترك التّسبّب أنفع التّسبيب
من رام نيل الشيء قبل أوانهرام انتقال يلملم وعسيب
فإذا جعلت الصبر مفزع معضلعاجلت علّته بطبّ طبيب
وإذا استعنت على الزمان بفارسلبّى نداءك منه خير مجيب
بخليفة الله الذي في كفّهغيث يروّض ساح كلّ جديب
المنتقى من طينة المجد الذيما كان يوما صرفه بمشوب
يرمي الصّعاب بسعده فيقودهاذللا على حسب الهوى المرغوب
ويرى الحقائق من وراء حجابهالا فرق بين شهادة ومغيب
من آل عبد الحقّ حيث توشّحتشعب العلى وربت بأيّ كثيب
أسد الشّرى سرج الورى فمقامهملله بين محارب وحروب
إمّا دعا الداعي وثوّب صارخاثابوا وأمّوا حومة التّثويب
شهب ثواقب والسماء عجاجةمأثورها قد صحّ بالتّجريب
ما شئت في آفاقها من رامحيبدو وكفّ بالنّجيع خضيب
عجبت سيوفهم لشدّة بأسهمفتبسّمت والجوّ في تقطيب
نظموا بلبّات العلا واستوسقواكالرّمح أنبوبا على أنبوب
تروي العوالي في المعالي عنهمأثر النّدى المولود والمكسوب
عن كلّ موثوق به إسنادهبالقطع أو بالوضع غير معيب
فأبو عنان عن عليّ نصّهللنّقل عن عثمان عن يعقوب
جاءوا كما اتّسق الحساب أصالةوغدوا فذالك ذلك المكتوب
متجسّدا من جوهر النور الذيلم ترم يوما شمسه بغروب
متألّقا من مطلع الحقّ الذيهو نور أبصار وسرّ قلوب
قل للزمان وقد تبسّم ضاحكامن بعد طول تجهّم وقطوب
هي دعوة الحقّ التي أوضاعهاجمعت من الآثار كلّ غريب
هي دعوة العدل الذي شمل الورىفالشّاة لا تخشى اعتداء الذّيب
لو أنّ كسرى الفرس أدرك فارساألقى إليه بتاجه المعصوب
لمّا حللت بأرضه متملّيا»ما شئت من برّ ومن ترحيب
شمل الرّضا فكأنّ كلّ أقاحةتومي بثغر للسلام شنيب
وأتيت في بحر القرى أمّ القرىحتى حططت بمرفإ التقريب
فرأيت أمر الله من ظلّ التّقىوالعدل تحت سرادق مضروب
ورأيت سيف الله مطرور الشّبايمضي القضاء بحدّه المرهوب
وشهدت نور الحقّ ليس بآفلوالدّين والدّنيا على ترتيب
ووردت بحر العلم يقذف موجهللناس من درر الهدى بضروب
لله من شيم كأزهار الرّبىغبّ انثيال العارض المسكوب
وجمال مرأى في رداء مهابةكالسيف مصقول الفرند مهيب
يا جنّة، فارقت من غرفاتهادار القرار بما اقتضته ذنوبي
أسفي على ما ضاع من حظّي بهالا تنقضي ترحاته ونحيبي
إن أشرقت شمس شرقت بعبرتيوتفيض في وقت الغروب غروبي
حتى لقد علّمت ساجعة الضّحىشجوي وجانحة الأصيل شحوبي
وشهادة الإخلاص توجب رجعتيلنعيمها من غير مسّ لغوب
يا ناصر الدين الحنيف، وأهلهإنضاء مسغبة وفلّ خطوب
حقّق ظنون بنيه فيك فإنهميتعلّلون بوعدك المرقوب
ضاقت مذاهب نصرهم فتعلّقوابجناب عزّ من علاك رحيب
ودجا ظلام الكفر في آفاقهمأو ليس صبحك منهم بقريب؟
فانظر بعين العزّ من ثغر غداحذر العدا يرنو بطرف مريب
نادتك أندلس ومجدك ضامنأن لا تخيب لديك في مطلوب
غصب العدوّ بلادها وحسامكالماضي الشّبا مسترجع المغصوب
أرها السّوابح في المجاز حقيقةمن كلّ قعدة محرب وجنيب
يتأوّد الأسل المثقّف فوقهاوتجيب صاهلة رغاء نجيب
والنّصر يضحك كلّ مبسم غرّةوالفتح معقود بكلّ سبيب
والرّوم فارم بكلّ نجم ثاقبيذكي بأربعها شواظ لهيب
بذمايل السّلب التي تركت بنيزيّان بين مجدّل وسليب
وأضف إلى لام الوغى ألف القناتظهر لديك علامة التّغليب
إن كنت تعجم بالعزائم عودهاعود الصّليب اليوم غير صليب
ولك الكتائب كالخمائل أطلعتزهر الأسنّة فوق كلّ قضيب
فمرنّح العطفين لا من نشوةومورّد الخدّين غير مريب
يبدو سداد الرأي في راياتهاوأمورها تجري على تجريب
وترى الطّيور عصائبا من فوقهالحلول يوم في الضّلال عصيب
هذّبتها بالعرض يذكر يومهعرض الورى للموعد المكتوب
وهي الكتائب إن تنوسي عرضهاكانت مدوّنة بلا تهذيب
حتى إذا فرض الجلاد جلادهورأيت ريح النّصر ذات هبوب
قدّمت سالبة العدوّ وبعدهاأخرى بعزّ النّصر ذات وجوب
وإذا توسّط نصل سيفك عندهاجزأي قياسك فزت بالمطلوب
وتبرّأ الشّيطان لمّا أن علاحزب الهدى من حزبه المغلوب
الأرض إرث والمطامع جمّةكلّ يهشّ إلى التماس نصيب
وخلائف التّقوى هم ورّاثهافإليكها بالحظّ والتّعصيب
لكأنّني بك قد تركت ربوعهاقفرا بكرّ الغزو والتّعقيب
وأقمت فيها مأتما لكنّهعرس لنسر بالفلاة وذيب
وتركت مفلتها بقلب واجبرهبا وخدّ بالأسى مندوب
تبكي نوادبها وينقلن الخطامن شلو طاغية لشلو صليب
جعل الإله البيت منك مثابةللعاكفين وأنت خير مثيب
فإذا ذكرت كأنّ هبّات الصّباقضت بمدرجها لطيمة طيب
لولا ارتباط الكون بالمعنى الذيقصر الحجا عن سرّه المحجوب
قلنا لعالمك الذي شرّفتهحسد البسيط مزيّة التركيب
ولأجل قطرك شمسها ونجومهاعدلت عن التّشريق للتّغريب
تبدو بمطلع أفقها فضّيّةوتغيب عندك وهي في تذهيب
مولاي، أشواقي إليك تهزّنيوالنّار تفضح عرف عود الطّيب
بحلى علاك أطلتها وأطبتهاولكم مطيل وهو غير مطيب
طالبت أفكاري بفرض بديههافوفت بشرط الفور والتّرتيب
متنبّئ أنا في حلا تلك العلالكنّ شعري فيك شعر حبيب
الطّبع فحل والقريحة حرّةفاقبله بين نجيبة ونجيب
لكنّني سهّلتها وأدلتهامن كلّ وحشيّ بكلّ ربيب
هابت مقامك فاطّبيت صعابهاحتى غدت ذللا على التّدريب
إن كنت قد قاربت في تعديلهالا بدّ في التّعديل من تقريب
عذري لتقصيري وعجزي ناسخويجلّ منك العفو عن تثريب
من لم يدن لله فيك بقربةهو من جناب الله غير قريب
والله ما أخفيت حبّك خيفةإلّا وأنفاسي عليّ تشي بي
وقولي في امتداح سلطاني لما احتفل لإعذار ولده، واستركب الفرسان لمزاملة الهدف الخشبي المتّخذ في الجو المسمّى بالطّبلة، وأرسل جوارح الأكلب الضخام، المجتلبة من أرض ألان، خلف فحول البقر الطّاغية الشّرس، تمسكها من آذانها وأجنابها، حتى تتمكن منها الرّجال، وغير ذلك من أوضاع الإعذار وجزئيّاته.
وهي آخر الشّعر في هذا الغرض، لخجل السلطان من تنزّلي إلى ذلك، وترفيهي عنه تجلّة، أجلّه الله، وكرّمه لديه:
شحطت وفود الليل بان به الوخطوعسكره الزّنجيّ همّ به القبط
أتاه وليد الصّبح من بعد كبرةأيولد أجنى ناحل الجسم مشمطّ؟
كأنّ النجوم الزّهر أعشار سورةومن خطرات الرّجم أثناءها مطّ
وقد وردت نهر المجرّة سحرةغوائص فيه مثلما تفعل البطّ
وقد جعلت تفلي بأنملها الدّجىويرسل منها في غدائره مشط
يحفّ عباب الليل عنها جواهرفيكثر فيها النّهب للحين واللّقط
فعادت خيالا مثلها، غير أنّهمن البثّ والشكوى يبين له لغط
سرت سلخ شهر في تلفّت مقلةعلى كثب الأحلام تسمو وتنحطّ
لي الله من نفس شعاع ومهجةإذا قدحت لم يخب من زندها سقط
ونقطة قلب أصبحت منشأ الهوىوعن نقطة مفروضة ينشأ الخطّ
فأقسم لولا زاجر الشّيب والنّهىونفس لغير الله ما خضعت قطّ
لريع لها الأحراس منّي بطارقمفارقه شمط وأسيافه شمط
تناقله كوماء سامية الذّرىويقذفه شهم من النّيق منحطّ
ولولا النّهى لم تستبن سبل الهدىوكاد وزان الحقّ يدركه الغمط
ولولا عوادي الشّيب لم يبرح الهوىيهيّجه نوء على الرّمل مختطّ
ولولا أمير المسلمين محمدلهالت بحار الرّوع واحتجب الشّطّ
ينوب عن الإصباح إن مطل الدّجىويضمن سقيا السّرح إن عظم القحط
تقرّ له الأملاك بالشيم العلاإذا بذل المعروف أو نصب القسط
أرادوه فارتدّوا وجاروه فانثنواوساموه في مرقى الجلالة فانحطّوا
تثرّ على المدّاح غرّ خلالهوما رسموا فوق الطّروس وما خطّوا
تعلّم منه الدهر حاليه في الورىفآونة يسخو وآونة يسطو
ويجمع بين القبض والبسط كفّهبحكمة من في كفّه القبض والبسط
خلائق قد طابت مذاقا ونفحةكما مزجت بالبارد العذب إسفنط
أسبط الإمام الغالبيّ محمدويا فخر ملك كنت أنت له سبط
وقتك أواقي الله من كلّ غائلفأيّ سلاح ما المجنّ وما اللّمط
لقد زلزلت منك العزائم دولةأناخت على الإسلام تجني وتشتطّ
إيالة غدر ضعضع الله ركنهاونادى بأهلها التّبار فلم يبطوا
على قدر جلّى بك الله بؤسهاولا يكمل البحران أو ينضج الخلط
وكانوا نعيم الجنّتين تفيّأواولمّا يقع منها النزول أو الهبط
فقد عوّضوا بالأثل والخمط بعدهاوهيهات أين الأثل منهم أو الخمط
فمن طائح فوق العراء مجدّلومن راسف في القيد أرهقه الضغط
أنمت على مهد الأمان عيونهافيسمع من بعد السّهاد لها غطّ
وصمّ صدى الدنيا فلمّا رحمتهاتزاحم مرتاد عليها ومحتطّ
وألحف منك الله أمّة أحمدأمانا كما يضفو على الغادة المرط
وأحكمت عقد السّلم لم تأل بعدهوجاء فصحّ العقد واستوثق الرّبط
وأيقن مرتاب وأصحب نافروأذعن معتاص وأقصر مشتطّ
ولله مبناك الذي معجزاتهأبت أن توافيها الشّفاه أو الخطّ
وأنست غريب الدار مسقط رأسهومن دون فرخيه القتادة والخرط
تناسبت الأوضاع فيه وأحكمتعلى قدر حتى الأرائك والبسط
فجاء على وفق العلا رائق الحلىكما سمّط المنظوم أو نظم السّمط
ولله إعذار دعوت له الورىفهبّوا لداعيه المهيب وإن شطّوا
تقودهم الزّلفى ويدعوهم الرّضاويحدوهم الخصب المضاعف والغبط
وأغريت بالبهم العلاج تحفّيافلم يدّخر الشيء الغريب ولا السّمط
أتت صورا معلولة عن مزاجهاوأصل اختلاف الصّورة المزج والخلط
قضيت بها دين الزمان ولم يزلألدّ كذوب الوعد يلوي ويشتطّ
وأرسلت يوم السّبق كلّ طمرّةكما ترسل الملمومة النّار والنّفط
رنت عن كحيل كالغزال إذا رناوأوفت بهاد كالظّليم إذا يعطو
وقامت على منحوتة من زبرجدتخطّ على الصّم الصّلاب إذا تخطو
وكلّ عتيق من تماثيل رومةتأنّق في استخطاطه القسّ والقمط
وطاعته نحر السّكاك أعانهاعلى الكون عرق واشج ولحا سبط
تلقّف حيّات العصى إذا هوتفثعبانها لا يستتم له سرط
أزرت بها بحر الهواء سفينةعلى الجود لا الجوديّ كان لها حط
وطاردت مقدام الصّوار بجارجيصاب به منه الصّماخ أو الإبط
وجيء بشبل الملك ينجد عزمهعليه الحفاظ الجعد والخلق السّبط
سمحت به لم ترع فرط ضنانةوفي مثلها من سنّة يترك الفرط
فأقدم مختارا وحكّم عاذراولم يشتمل مسك عليه ولا ضبط
ولو غير ذات الله رامته نضنضتقنا كالأفاعي الرّقط أو دونها الرّقط
وأسد نزال من ذؤابة خزرجبهاليل لا روم القديم ولا قبط
جلادهم مثنى إذا اشتجر الوغىكأنّ رعاء بالعضاه لها خبط
كتائب أمثال الكتاب تتاليافمن بيضها شكل ومن سمرها نقط
دليلهم القرآن يا حبّذا الهدىورهطهم الأنصار يا حبّذا الرّهط
وبيض كأمثال البروق غمامهاإذا وشحت سحب القتام دم عبط
ولكنه حكم يطاع وسنّةوأعمال برّ لا يليق بها الحبط
وربّة نقص للكمال مآلهولا غرو فالأقلام يصلحها القطّ
فهنّيته صنعا ودمت مملّكاعزيزا تشيد المعلوات وتختطّ
ودون الذي يهدي ثناؤك في الورىمن الطّيب ما تهدي الألوّة والقسط
رضيت ومن لم يرض بالله حاكماضلالا فلله الرّضا وله السّخط
حياتك للإسلام شرط حياتهولا يوجد المشروط إن عدم الشّرط
ومن أغراض النسيب قولي في الأوليات والله ولي المغفرة:
تعلّقته من دوحة الجود والباسقضيبا لعوبا بالرّجاء وبالياس
دروبا بتصريف اليراعة والقناطروبا بحمل المشرفيّة والكاس
يذكّر فيه الصّبح عند انصداعهجمال رواء في تأرّج أنفاس
ويبدو لعيني شعره وجبينهإذا ما سفحت الحبر في صفح قرطاس
أجال من الشوق المبرّح غارةعلى أربع من جني صبري أدراس
فظاهرت من سرد السّقام ملامةوأوجفت من شفر الدموع بأمراس
لك الله من ربى طواك على الظّماومن أمل لم أجن منه سوى ياس
ومن قمر سعد عشوت لنورهفسعّر أحشائي وصعّد أنفاسي
إذا ما شرعت اللّحظ نحوي عابساأقول لقلبي ضاع ما بين جلّاسي
أيا عبد شمس الحسن هل لك قدرةعلى سطوة السّفاح من آل عباس؟
سجمت على هول الغرام بمهجةتعامت فلم تدر النّعيم من الياس
توهّج نار الخدّ نار جوانحيويعيث وسواس الحلى بوسواس
يا قلب، صبرا في الغرام وحسبةلمن تشكّى بالدّاء والممرض الآس
ومطلولة الأعطاف جرّت ذيولهاعلى مسكة من مسكة الغاسق القاسي
يحدّق من أجفانه نرجس الرّبىوهدّد من آذانه ورق الآس
لعمرك ما أرى وقد ثقّف النّهىإذا التبس الحقّ المبيّن بالياس
أتلك شمال أم شمول مدارةعلى كل غصن في الحديقة ميّاس؟
لقد ضعضعت حلمي ولم أر نسمةتضعضع من هبّاتها جبل راس
رعى الله أجراع الحمى دار صبوتيومربع آلامي ومعهد إيناسي
فما كان فيه الوصل إلّا علالةكنقبة مرتاح ونهبة خلّاس
وقالوا: أبعت العيش بعد فراقنافلفّفت أدراني حياء على الرّاس
ثقوا بوفائي ما استقلّت جوارحيورعي ذمامي ما تماسك إحساسي
ولا تعذروني إن نسيت عهودكموإن رفع الله الجناح عن الناس
فؤادي غنيّ بالوفاء وربماتسجّل في صبري وثيقة إفلاس
لي الله من قلب خفوق معذّبيرى أنّ ما بالموت في الحبّ من باس
تجول بنات الفكر حول خيالهكما حفّ جوّال الفراش بنبراس
أفوّض للرحمن أمري في الهوىوأعلق كفّي من حماه بأمراس
وآمل لطف الله فيه فإنهأبرّ بميثاق وأوفى بقسطاس
وقلت في النّسيب كذلك:
أما وخيال في المنام يزوروإن كان عندي أنّ ذلك زور
لقد ضقت ذرعا بالشّوى بعد بعدكمعلى أنني للنائبات صبور
أدافع في شوقي ووجدي كتائباتزلزل رضوى عندها وثبير
سرايا إذا ما الليل مدّ رواقهعلى ساحة الصّبر الجميل ثغير
برى جسدي فيكم غرام ولوعةإذا سكن الليل البهيم تثور
ولا أنني إذ ما اهتدى نحو مضجعيخيالكم بالليل حين يزور
ولو شئت في طيّ الكتاب لزرتكمولم تدر عنّي أحرف وسطور؟
تذكّرت عهدا طال بعد انصرامهعليه الأسى وانجاب وهو قصير
وقد طلعت للرّاح في ظلماتهنجوم توالي حثّهن بدور
وتبنّيتم الوصل في روضة الرّضابليلا وأكواس السرور تدور
وعهدا بعين الدمع للدمع بعدهموارد في آماقنا وبحور
عهود منى غصّ الزمان بحسنهافغار عليها والزمان غيور
فها أنا أستقري الرياح إذا سرتليخبرني بالظّاعنين خبير
وإن خطّ وجدي من دموعي رسالةعلى صفح خدّي فالنسيم سفير
أيا رحلة الصيف التي بجوانحيلها لهب لا ينقضي وسعير
أحوّل منك الشّهر حولا على الورىوأصبحت الأيام وهي شهور؟
ويا قلب، لا تطرح سلاحك رهبةفهل هي إلّا أنّة وزفير؟
جنيت النّوى لا عن ملال ولا قلىفمثلي بموصول الملام جدير
وجردّت عنّي لبسة الوصل طائعاوكم شرق بالماء وهو نمير؟
أأحمد إن جلّ الذي بي من الجوىوأصبحت ما لي في هواك نصير
فلست من اللّطف الخفيّ بيائسفكم من بكاء كان عنه سرور
أتاني كتاب منك لا بل حديقةتفيّأتها والهجر منك هجير
وأرسلت دمع العين حين قرأتهفمنها أمامي روضة وغدير
تكلّفت فيك الصّبر والصبر معوزوهوّنت فيك الخطب وهو عسير
ولذت إلى الآمال وهي سفاهةوملت إلى الأطماع وهي غرور
سألقي إلى أيدي الزمان مقادتيفيعدل في أحكامه ويجور
وإنّ الذي بالبعد أجرى قضاءهعلى جمع شملي كيف شاء قدير
فتدرك آمال وتقضى مآربلدينا وتشفى باللقاء صدور
وقلت، وهي من القصائد التي تشتمل على أغراض غريبة:
عسى خطرة بالرّكب يا حادي العيسعلى الهضبة الشّمّاء من قصر باديس
لنظفر من ذاك الزلال بعلّةوننعم في تلك الظّلال بتعريس
حبست بها ركبي فواقا، وإنماعقدت على قلبي بها عقد تحبيس
وقد رسخت آي الجوى في جوانحيكما رسخ الإنجيل في قلب قسّيس
بميدان جفني للسّهاد كتيبةتغير على سرح الكرى في كراديس
وما بي إلّا نفحة حاجريّةسرت والدّجى ما بين وهن وتغليس
ألا نفس يا ريح من جانب اللّوىينفّس من نار الجوى بعض تنفيس
ويا قلب، لا تلق السّلاح فربماتعذّر في الدّهر اطّراد المقاييس
وقد تعتب الأيام بعد عتابهاوقد يعقب الله النّعيم من البوس
ولا تخشي لجّ الدمع، يا خطرة الكرى،على الجفن بل قيسي على صرح بلقيس
تقول سليمى: ما لجسمك شاحبامقالة تأنيب يشاب بتأنيس
وقد كنت تعطو كلّما هبّت الصّبابريّان في ماء الشبيبة مغموس
ومن رابح الأيام يا ابنة عامريجوب الفلا فلّت يداه بتفليس
فلا تحسبي والصّدق خير سجيّةظهور النّوى إلّا بطون النواميس
ومنها:
وقفراء أمّا ركبها فمضلّلومربعها من آنس غير مأنوس
خبطنا بها من هضبة لقرارةضلالا وملنا من كناس إلى خيس
وقد غمر الآل الرّحال كأنماتخبّط منه في ضباب الدّماميس
إذا ما نهضنا من مقيل غزالةنزلنا فعرّسنا بساحة عرّيس
أدرنا بها كأسا دهاقا من السّرىأملنا بها عند الصّباح من الرّوس
وحانة خمّار هدانا لقصدهاشميم الحميّا واصطكاك النّواقيس
تطلّع ربّانيّها من جدارهيهينم في جنح الظلام بتقديس
بكرنا وقلنا إذ نزلنا بحانهعن الصّافنات الجرد والضّمّر العيس:
أيا عابد النّاسوت، إنّا عصابةأتينا لتثليث، بلى، ولتسديس
وما قصدنا إلّا المقام بحانةوكم ألبس الحقّ المبين بتلبيس
فأنزلنا قوراء في جنباتهامحاريب شتّى لاختلاف النّواميس
بدرنا بها طين الختام بسجدةأردنا بها تجديد حسرة إبليس
وطاف العذارى بالمدام كأنهاقطا تتهادى في رياش الطّواويس
وصارفنا فيها نضارا بمثلهكأنّا ملأنا الكاس ليلا من الكيس
وقمنا نشاوى عندما متع الضّحىكما نهضت غلب الأسود من الخيس
فقال: لبئس المسلمون ضيوفناأما وأبيك الحبر ما نحن بالبيس
وهل في بني مثواك إلّا مبرّزبحلبة شورى أو بحلقة تدريس؟
يحدّق تحت النّقع مقلة ضاحكإذا التقت الأبطال عن مقل شوس
إذا هزّ عسّال اليراعة فاتكاأسال نجيع الحبر فوق القراطيس
سبينا عقار الرّوم في عقر حانهابحيلة تمويه وخدعة تدليس
لئن أنكرت شكلي ففضلي واضحوهل جائز في العقل إنكار محسوس؟
رسبت بأقصى الغرب ثغر مظنّةوكم درّة علياء في قاع قاموس
وأغريت سوسي بالعذيب وهاجرعلى وطن داني الجوار من السّوس
وقلت في أسلوب مهيار، ﵀:
جز على جرع للحمى لا محالهوتعرّض لرائد الرحّاله
وأفض في تلال نجد وقد جمم بها الحمض واذكرن زابقا له
وأدر في قرارة الماء قد دارت على بدرها من الرّيع هاله
ربما يعجز القويّ عن الأمر فيرضي الضّعيف فيها احتياله
فإذا ما استجدت من خبر الحمى يقينا أو التمحت جلاله
فاعقل الحرف في ظلال من البان على الوحش في الهجير مماله
وادخل الحيّ عندما روّح الرّاعي وضمّ المساء فيه رعاله
لا تجاوز أطناب خيمةظمئا فهاتيك القلوب حباله
ولتقل إن أتتك تسأل عن حالي تعوّضتها بحالك حاله
ليس إلّا امتعاضة لغريبأثخنته جفونك القتّاله
سيّل الماء والمزادة ملأىثم ما نال غير نفس مساله
كيف لو جاء سائلا منك رسلاأو أتى يجْتدي جواب رساله
قسما إنه أخي ضنّينوهب البأس شأنه والبساله
بكت الورق شجوه حين ناجاها وأبدى له الأصيل اعتلاله
نازح زار من تبالة نجداأين ما بينه وبين تباله
أيها السّابق العنيف ترى المهر يسقّى يمينه وشماله
يرد الحوض حوله كل أشقىكلّ حول يلقي عليه مساله
فكراه إذا استحمّ غراروقراه إذا ألمّ عجاله
فإذا السّكنى راحة والأمانيلليالي شرّابة أكّاله
لا تحلّوا دم الغريب المعنّىوعلى الله في الجزاء الحواله
وكسا من نمارق السّندس المخضرّ ذهنا يحيا به ورساله
يا لقومي من ذكر تلك المغانيما لقلبي يهوى أنيني ما له
علق البثّ والصبابة فيهاويلي البحر عندها والملاله
كان لا يرتضي الحياض لوردفهو اليوم قانع ببلاله
همّة تزحم السّماك وقلبآثر اللّبث في حضيض الإقاله
كان أولى له الإباية والعزز، فيا بئس ما ارتضى لو إياله
والهوى مركب الهوان إذا هملج في ملعب الصّبا والجهاله
ما الذي يجلب العذول لسمعيمن حديث خبا إليّ خباله
لا أبالي بما يقول فهلّاأقصر العذل جاهدا لا أبا له
أنا ما بي سوى لحاظ فتاةختلتني وأدبرت مختاله
بسمت أقحوانة وتثنّتبانة ثمّ لا حظتني غزاله
ورمتني فقل لعرّاف نجدإن تخلّصت إذ فدونك ماله
أخبر الخابط المدوّم نشكوأظهر العيس جملة وفصاله
إنني قد نزعت عن نتن الغيي ويا طالما انتحلت محاله
ومن الفخر والتأبين، قلت متشبّعا، علم الله بألّا أملك، وإنما هي أغراض الشعراء يتفنّن فيها، والله وليّ التجاوز عن التجاوز:
لنا في الفخر سيمات مطلّةتقوم على دعاويها الأدلّة
وشمس الحقّ منظور سناهاعلى الشبه المخيلة المخلّه
بني سلمان سل عنهم ستدريعلى الأجيال منهم كلّ جلّه
يمانية المناسي والمواضيمفاخرها رسوم مستقلّه
فمن نار الوغى في كلّ وادومن نار القرى في كل حلّه
ومن وصل الخطاب بكل نادومن فضل الثّناء بكل ملّه
تهشّ لنا البدور بكل خدروتهوانا الشّموس بكل كلّه
ويمرضنا العفاف فكم عليلوما غير الهوى والكتم علّه
تحجّ بيوتنا القصّاد دأبافلا تنفكّ طائفة مهلّه
بحيث البيض ضامنة المساعيوحيث السّمر مثمرة مغلّه
فعند السلم محرمة عكوفوعند الحرب فاتكة محلّه
وحيث الجرد للغارات ترديفتتركها جواسر مشمعلّه
ولم أر مثلنا في الدهر قومارياح الجو تلحف بالأجلّه
وتضطبن الصواعق في غمودوتقتنص البوارق بالأهلّه
فتطعمنا المجاني والرّواسيوتسقينا الغيوث المستهلّه
وتفترش البطاح لنا الحشاياوللرّايات أروقة مظلّه
وتعرف من أغرّتنا الدّياجيلعزّ الله خاضعة أذلّه
أبا عبد الإله، فدتك نفسعلى ما حزت من فضل مدلّه
دعوتك مستجدّا عهد أنسأبلّته الليالي المستملّه
وقد ظعن الصّبا إلّا ادّكاروقد ذهب الهوى إلّا تعلّه
فساعدني عليه من اغترابله في مهجتي وخز الأخلّه
وما حلني بفخرك في صريحفكم تاج هناك وكم تجلّه
ودمت مجمّعا شمل المعاليومقتادا، أم الدّنيا شملّه؟
وقلت أرثي ثلاثة من الإخوان تقاربت وفياتهم، جمع الله الشّمل بهم في دار الرضوان والمغفرة بمنّه:
أسائلكم، هل من خبير وسلوانففي ليل همّي ضاع أو سيل أجفاني؟
وهل عندكم علم بصبري إنّنيفقدت جميل الصّبر أوجع فقدان؟
يقولون: خفّض بعض ما بك من جوىيهون على المرتاح ما لقي العاني
تضيق عليّ الأرض وهي فسيحةكما حال فوق الخصر معقد هيمان
وما يفتأ الشّوق المقيم بأضلعيإذا مرّ عن طوق الصّبابة أفناني
وليس مشيبا ما ترون بمفرقيولكن خطوب جمّة ذات ألوان
وأرّق عينيّ الأسى يبعث الأسىمطوّقة نامت على غصن البان
لمن دمن يشكو العفاء رسومهاكحظّ زبور في مصاحف رهبان
وقفت بها أذري النّجيع كأنماتقرّي وشكّ البين منّي بقربان
ديار الألى كانوا إذا أفق دجاكواكب يجلو نورها ليل أشجاني
هوت من سمائي بعد ما كنّ زينةولهفي عليها من ثلاثة شهبان
رماني بيعقوب الزمان وبعدهرماني بدرهام يا لك سهمان
وإن كان ما بين الخطوب تفاضلفلا نال فقدي أحمد بن سليمان
كفاني أن أدرجت محض مسرّتيوجملة أنسي بين لحد وأكفان
وو الله ما أنساني الدّهر أوّلابثأر ولا أنسيت بالثّالث الشّان
تخوّنهم صرف الرّدى فتحرّمواكما انتثرت يوما قلادة عقيان
فمن سابق ولّى على إثر سابقكما استبقت غرّ الجياد بميدان
بنفسي من حيّيته فاستخفّ بيولو أنه ردّ التحية أحياني
وعهدي به مهما دعوت وبينهوبيني العلى والنّيل والخيل لبّان
دنا منزلا منّي وشطّ مزارهفيا من لقلبي منه بالسّاخط الدّاني
ألا ليت عمري لم يفدني زمانهمودّة خلّ سار عنّي وخلّان
فلو شعرت نفسي فإنّي لشاعربه يوم أرداني لشمّرت أرداني
هو الموت يختار الخيار وينتقيجنى لبني الدّنيا كما يفعل الجاني
فلا تقن ما يفنى تعش وادع للحشاأبى الدهر أن يلقى على الدهر ألفان
صديق الفتى إن خفّق الحق روحهفكم نسبة ما بين روح وجثمان
وما حال زند لم يؤيد بساعدوما حال طرف قد أصيب بإنسان
وهبني أمنت الحادثات ولم يرعجناني وخلّاني الزمان وخلّائي
أليس إلى التّحليل كلّ مركّبمقدّمة لم يختلف عندها اثنان؟
يدبّر لي الدهر المكيدة في المنىفإن قلت قضّاني الخفوق تقاضاني
وليل بقبّابي محلّة قلعةأهدرته في ترضّ على مان
أيعقوب، ما حزني عليك بمنقضولا أنس إنسان مصابك أنساني
ولا حالي الحالي على البعد غرّنيولا عيشي الهاني على النّأي ألهاني
فمن لي بدمع في المحاجر مهتدعليك وقلب في الحناجر حيران
نسبت إلى ماء السماء مدامعيفأورت ولي فيها شقائق نعمان
إذا ما حدت ريح الزّفير سحابهاثقالا سقى منها المعاهد عهدان
وقد دان قبل اليوم دمعي خالصاولكن أملّني على الدّمع إدماني
لقد كنت لي ركنا شديدا وساعدامديدا ومذخورا لسرّي وإعلاني
كسا لحدك الرّيحان والرّوح والرّحافقد كنت روحي في الحياة وريحاني
وجادت على مثواك مزنة رحمةيحيّيك منها كلّ أوطف هتّان
وما كان إبراهيم إلّا حديقةمن الفضل تؤتي أكلها كلّ إنسان
أمين على السّرّ المصون محافظعلى كتمه إن شاق صدر بكتمان
لئن بليت تلك المحاسن في الثّرىفحزني جديد ما استمرّ الجديدان
قراه عليها من نعيم ونضرةولهفي عليه من شباب وريعان
ذكتك وللأيام سلم وشملناجميع وطرف الدهر ليس بيقظان
وللنّرجس المطلول تحديق أعينوللآسة التي بها ربذ آذان
وللشمس ميل للغروب مرنّحترى راجح الدّنير في كفّ ميزان
بساط طواه الدهر إلّا تذكّراكما تنقع الرّمضاء غلّة ظمّان
وإن ذكر الإخوان، من مثل أحمد؟ألا كلّ مرعى تعده غير سعدان
ذخيرة أيامي ووسطى قلادتيونكتة إخلاصي وحكمة ديواني
وثرّان ضلت الفضل يوم استفادةهداني إلى نهج السّبيل وهاداني
شهيد ذرت عيني عليه نجيعهاكأنّهم واروه ما بين أجفان
أخلّاء كانوا في الشّدائد عدّةإذا أثمرت هوج الخطوب بخطبان
وقد شلّهم شوى الرّدى فتجمّلواوحلّوا جوار الله أكرم ضيفان
يحقّ لهم أن يغبطوا إذ تنقلواإلى العالم الباقي وللعالم الفاني
وما أكتب اللّقيا وإن بعد المدىويا قرب ما بين المعجّل والواني
سكنتم فحرّكتم جحيم جوانحيوغبتم فأحضرتم لواعج أحزاني
ويمّمتم دار النّعيم وإنّنيلأشقى، فيا بؤسي بسكّان نعمان
ولو أنّني أعطيت نفسي حقّهافما أنا للعهد الكريم بخوّان
ولا عار في ورد الحمام فإنهسبيل الورى ما بين شيب وشبّان
لعمرك ما يصفو الزمان لواردوإن طال ما أحمى لظى الحرب صفّان
وقس آتيا من أمره بالذي مضىفربّ قياس كان أجلى لبرهان
أما تركت كسرى كسيرا صروفهولان على صولاته ملك اللان؟
ومدّ إلى سيف أكفّ اعتدائهفأخرجه بالرّغم من غمد غمدان؟
وهل دافعت خطبا توابع تبّعوهل درأت كربا سياسة ساسان؟
وكان قياد الصّعب صعبا ممنّعافألقى إلى الدّنيا مقادة إذعان
جلت لبني العباس وجه عبوسهاوقبل أمدّت سرب أبناء مروان
وكم أخلفت شتّى المنى من خليفةوأذوت رياح الدهر إذواء تيجان
وغادرت القصر المشيد بناؤهبسنداد قفرا بلقعا بعد عمران
ولم تبق يوما للخورنق رونقاولا شعّبت بالقتل من شعب بوّان
وكم من أبيّ سامه العسر دهرهفأبدى له بعد الرّضا وجه غضبان
ومحتقر ماضي الذّبابين في الوغىسطا منه بالأنف الحميّ ذبابان
وأيّ سرور لم يعد بمساءةوأيّ كمال لم يعاقب بنقصان
ومن باع ما يبقى بفان فإنماتعجّل في دنياه صفقة خسران
خذوها على بعد النّوى من مسهّدحليف أسى ما في الجوانح لهفان
وو الله ما وفّيت حقّ مودةولكنه وسعي ومبلغ إمكاني
ومهما تساوى طيّب ومقصّربحال فحكم النّطق والصّمت سيّان
ولا لوم لي في العجز عن نيل فائتفإنّ الذي أعيا البريّة أعياني
ومن الاسترجاع والاعتبار، والتحزّن لورطة الغفلة، وما توفيقي إلّا بالله، قلت من الشعر المتقدم عن هذا الوقت:
جهاد هوى لكن بغير ثوابوشكوى جوى لكن بغير جواب
وعمر تولّى في لعلّ وفي عسىودهر تقضّى في نوى وعتاب
أما آن للمنبتّ في سبل الهوىبأن يهتدي يوما سبيل صواب؟
تأمّلتها خلفي مراحل جبتهايناهز فيها الأربعين حسابي
جرى بي طرف اللهو حتى شكا الوجىوأقفر من زاد النشاط جرابي
وما حصلت نفسي عليها بكاملولا ظفرت كفّي ببعض طلاب
نصيبي منها حسرة كونها مضتبغير زكاة وهي مثل نصاب
وما راعني والدهر ربّ وقائعسجال على أبنائه وغلاب
سوى شعرات لحن من فوق مفرقيقذفن لشيطان الصّبا بشهاب
أبحن ذماري وانتهبن شبيبتيأهنّ نصول أم نصول خطاب؟
وقد كنت يهدى الروض طيب شمائليويمرح غصن البان بين ثيابي
فمذ كتب الوخط الملمّ بعارضيحروفا أتى منها بمحض عتاب
نسخت بما قد خطّه مسند الهوىوكم سنّة منسوخة بكتاب
سلامي على تلك المعاهد إنهامرابع ألّافي وعهد صحابي
ويا آلة العهد انعمي فلطالماسكبت على مثواك ماء شبابي
كأنّي بذات الضّال هاتيك من فتىتذكّر فيها اللهو بعد ذهاب
تقول اذكريني بعد ما بان حيرتيوصوّح روضي واقشعرّ جنابي
وأصبحت من بعد الأوانس كالدّمىيهول حداة العيس جوب يباب
تغار الرياح السّاجيات بطارقيفما أن تديم الرّكض حول هضابي
فإن سجّع الركبان فيّ بمدحةحثى في وجوه المادحين ترابي
ألم تعلموا أنّ الوفاء سجيّتيإذا شحطت داري وشطّ ركابي؟
سقاك كدمع أو لحودي وابليقلّد نحر الحوض درّ حباب
ولا برحت تهفو لعهدك للصّباويسحب فيه المزن فضل سحاب
سواي يعادي الدّهر أو يستفزّهبيوم فراق أو بيوم إياب
وغيري يثنّي الحوض ثني عنانهإلى نيل رفد والتماس ثواب
تملّأت بالدّنيا الدنيّة خبرةفأعظم ما بالنّاس أيسر ما بي
وأيقنت أنّ الله يمنع جاهداويرزق أقواما بغير حساب
فيا ذلّ أذن ضمّها أذن حاجبويا هون وجه خلف سدّة باب
وقد كان همّي أن تعاني مطيّتيببعض نبات الليل خوض عبابي
وأضحي ومحراب الدّجى متهجّديوأمسي وماء الرّافدين شرابي
وتضحك من بغداد بيض قبابهاإذا ما تراءت بالسّواد قبابي
ولكن قضاء يغلب العزم حكمهويضرب من دون الحجا بحجاب
يقولون لي: حتى م تندب فاسافقلت، وحسن العهد ليس يعابي:
إذا أنا لم آسف على زمن مضىوعهد تقضّى في صبا وتصاب
فلا نظمت درّ القريض قريحتيولا كانت الآداب أكبر دابي
وقلت أبياتا تبرز بها يد من طاق خشبي، لتمام ساعة من الليل، في نهاية الإحكام وحسن الشكل، ينصب مكانها بين يدي السلطان ليلة اتخاذ المولد الكريم، فكان منها عند تمام الساعة الرابعة قولي:
سبق القضاء وأبرم المحتوموالغيب عنّا سرّه مكتوم
حال الزمان إذا اعتبرت غريبةوالحال في التحقيق ليس تدوم
والليل سلك درّة ساعاتهإن حلّ معقده هوى المنظوم
أكرم برابعة تولّت بعدماثبتت لها في الصّالحات رسوم
ولقد سهرت مفكّرا والبدر فيبحر السماء مع النجوم يعوم
فحسبت شكل البدر أبيض هائمافوقي يحلّق طيره ويحوم
ومنها:
حجر رماه المنجنيق فشأنهمتطأطئ متدافع ملموم
ومن النجوم أسنّة لجيوشهامن كلّ مطّلع عليّ هجوم
رجعت إلى حربي وعمري معقلومخلّصي من نابها معدوم
بدرت لها شرفات أسناني تهيوقواي تفقد رجعة وتقوم
فصرخت: يا ويلي أصيبت غرّتيماذا عسى هذا البناء يدوم
وإذا رمى فلك البروج مدينةبالمنجنيق فسورها المهدوم
ما دون وجه الحقّ إن حقّقتهيفنى ويبقى الواحد القيّوم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع