من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
ومن المقطوعات أيضا
في غرض المدح:
طوى البعد عن شوق وحثّ ركابهوأوشك في مغناك حطّ رحاله
وممّا شجاه البعد عنك وشفّهتبدّى نحول السّقم فوق هلاله
وكتبت في جواب للسلطان، وقد رحلت لتفقد الثّغور، وكان من فصوله إليّ تقرير التشوّق إلى اللقاء:
تخالف جنس الشّوق والحكم واحدوكلّ محبّ في الكمال مشتاق
فمعنى اشتياق الأرض للغيث حاجةومعنى اشتياق الغيث للأرض إشفاق
وخاطبت سلطان المغرب ابن السلطان أبي الحسن، ولها حكاية، وأبو الحسن الصغير، رجل كبير من فقهائها:
قل للذي ذكر الهدى وعهودهفبكى وأصبح مشفقا من فقدها
غصبت حقوق الله ﷻفقضى أبو الحسن الصغير بردّها
وقلت في غرض المدح، أشير إلى الكفّتين، والعدد المستخرج منهما للمجهول:
لا عدل في الملك إلّا وهو قد نصبهوصيّر الخلق في ميراثه عصبه
والكفّتان ترى من كفّه درّةتستخرج العدد المجهول للطّلبه
وقلت، وقد مررت بين يدي السلطان، في يوم شديد الهاجرة، وهو ينظر من طاق بقبّة قصره، وأنا أروم تفقّد أملاكي بالفحص، وأنكر ذلك في شدة الحر:
إذا كان فوقي من نداك غمامةوحولي روح من رضاك وريحان
فإنّ سموم القيظ عندي نسمةوإنّ مشيم القفر عندي بستان
وقلت مشيرا إلى الحديث في البحر:
رأيت بكفّك اعتبارابأسا وندى ما أن يبارى
فقلت وقد عجبت منهيا بحر متى تعود نارا؟
وقلت وقد جعل السلطان في رأسه بيضة السلاح مصقولة:
يا إماما، أطال ربّي علاهوهماما بالفخر ما أولاه
أنت كالرّمح في اعتدال وطولوانتخاب الحديد في أعلاه
وقلت في غرض الافتخار:
ما ضرّني أن لم أجىء متقدّمافالسّبق يعرف آخر المضمار
ولئن غدا ربع البلاغة بلقعافلربّ كنز في أساس جدار
وقلت وفيه الإشارة إلى الكاتب ابن الكواب:
بأوت على زمني همّةفأعتبني الزمن العاتب
وشرّفني الله في موطنيوفي بيته يشرف الكاتب
وقلت، وهو من التخلّص المخترع، وقد جرى بعض ما مدح به الملوك من بني العباس:
أقول والليل أعياني تطاولهوأوسع الذّمّ والتّعنيت أسوده
ما كان يجرؤ ليلي أن يطاولنيشعاركم يا بني العباس أيّده
وقلت وهو من بديع التخلص:
أقول والصبح لا تبدو مخايلهوقد تعجّبت من سهدي ومن أرقي
كأنما الليل زنجي ملابسهقد زيّنت بلآلئ أنجم الأفق
ونام سكرا فلا شيء ينبّههلما يخشى حراكا حمرة الشّفق
وقلت من أبيات أمدح السلطان أبا الحجاج ﵀:
في مصر قلبي من خزائن يوسفحبّ وعير مدامعي تمتاره
حلّيت شعري باسمه فكأنّهفي كل قطر جلّه ديناره
وخاطبت ولده، ﵁، معترفا بحبّي فيه، وكره الخدمة:
قالوا: لخدمته دعاك محمدفكرهتها وزهدت في التّنويه
فأجبتهم أنا والمهيمن كارهفي خدمة المولى محبّ فيه
وراجعته عن كتاب كتب لي بخطه، من فصوله الإنحاء على رداءة الحبر:
إذا ما تجلّى النّور في جنح ظلمةجلاها كما تجلو الدّجى غرّة الفجر
فلا تنكرنّ الحبر إن حال لونهفوجهك يجلو ظلمتي اللّيل والحبر
ومن مدح البلاد وفيه بيان سبب حبّها قولي في غرناطة:
أحبّك يا مغنى الجلال بواجبوأقطع في أوصافك الغرّ أوقاتي
تقسّم منك التّرب قومي وجيرتيففي الظّهر أحيائي وبالبطن أمواتي
وفي سبتة المحروسة:
حيّيت يا مختطّ سبت بن نوحبكلّ مزن يغتدي أو يروح
وحمل الرّيحان ريح الصّباأمانة فيك إلى كلّ روح
ولينظر تمام هذه المقطوعة في اسم الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق في حرف الميم. وقلت في بنيونش من أحواز خارج سبتة المذكورة:
لله بنيونش تحكي منازلهاكواكب أشرقت في جنح ظلماء
صحّ النسيم فما يعتلّ من أحدإلّا النّسيم وما يرتاع من داء
ومن كرامتها أنّ الشمال إذارامت زيارتها تمشي على الماء
وفي مصر، وقد بيّنت مزيّة محبّيها على من دونهم:
سلمت لمصر في الهوى من بلديهديه هواؤه لدى استنشاقه
من ينكر دعواي فقل عنيّ لهتكفي امرأة العزيز من عشّاقه
وفي غرناطة:
بلد تحفّ به الرّياض كأنهوجه جميل والرّياض عذاره
وكأنما واديه معصم فضّةومن الجسور المحكمات سواره
وفي رياض الكدية التي لولدي، أسعده الله، ولا نظير لها في جلالة القدر:
حدّث عن الكدية من شئتهيظنّ إخبارك تصحيفا
فالعقل بالمعتاد مستأنسإن ذكر الواصف موصوفا
والحقّ في أوصافها أنهاخرقاء حسن وجدت صوفا
وفي جنّة أخيه المعروفة بجنان الورد:
إذا أهدي الإنسان وردة جنّةتهلّل من بعد العبوس محيّاه
وأمّل أن يحيا لفصل يعيدهافكيف بمن في جنة الورد مثواه
وفي جنّة أخيهما بالزّاوية:
إن كانت الجنّة موجودةفي الأرض قلنا: جنّة الزّاويه
يا بقعة فاز بها المشتريفأمّ من خلّفها هاويه
ومن أغراض النّسيب قلت من قصيدة:
تذكّرت عهدا كان أحلى من الكرىوأقصر من إلمام طيف خياله
فيا ليت شعري من أتاح لي الجوىوعذّب بالي هل أمرّ بباله؟
وقلت، وهو من التّشبيه العقيم:
أمعلّلي بمطامع من دونهاجوب النفوس مفاوز الأعمار
تزداد أشواقي إذا يوم خلاكتضاعف الأعداد بالأسعار
وقلت من أغراض المشارقة:
رموا بالسّلو حليف الغراموأدمعه كالحيا الهاطل
أعوذ بعزّك يا سيديلذلّي من دعوة الباطل
وقلت من أبيات:
عذّبت قلبي بالهوى فقيامهفي نار هجرك دائما وقعوده
ولقد عهدت القلب منك موحّدافعلام يقضى في العذاب خلوده؟
وقلت في ذي ذؤابة سوداء:
يا غزالا ترك القلب المبلّىحين ولّى في ذفوف وكآبه
كيف يخشى القلب مني خفقاناودواء المسك في تلك الذّؤابه؟
وقلت في النسيب:
من لي بذكرى كلّما أوجبتهاتمحو سلوّي واشتياقي تثبت
وسحاب دمع كلّما استمطرتهغير القتاد بمضجعي لا تنبت
وقلت في النّسيب أيضا:
أضاف إلى الجفون السود شعراكجنح اللّيل أو صبغ المداد
فقلت: أمير هذا الحسن تزكو الأجور له بتكثير السّواد
وقلت في المعنى أيضا:
من لي به أسمر حلو اللّماأهيف ماضي السّحر مرهوبه
كالنحل في رقّة خصر وفيلسع متى شاء ومقلوبه
وقلت في النسيب أيضا:
أنكرت لمّا أطلّ عارضهفقال لي حين رابه نظري
ألم تقل لي بأنني قمرفانظر إلى وبر أرنب القمر
ومن أغراض التّضمين قلت:
لا تهج بالذّكر من خلدينار شوق شقّ محتمله
ويقول الناس في مثللا تحرّك من دنا أجله
وقلت من التضمين:
يا من بأكناف فؤادي رتعقد ضاق بي في حبّك المتّسع
ما فيك لي جدوى ولا أرعوي«شحّ مطاع وهوى متّبع»
وقلت من التضمين
قال جوادي عندماهمزت همزا أعجزه
إلى متى تهمزنيويل لكلّ همزه
وقلت:
أصبح الخدّ منك جنّة عدنمجتلى أعين وشمّ أنوف
ظلّلتنا من الجفون سيوفجنّة الخلد تحت ظلّ السيوف
وقلت:
محاسنك اغتدت جنّات عدنلمن يرتاد إحسانا وحسنا
فمهما حلّها إنسان عينفللإنسان فيها ما تمنّى
وقلت في طول الليل:
ساورت أسود من ظلام دجىمن باته فإلى الجحيم دفع
أنا لا أقول سطا الصباح بهلكن طغى ثعبانه فربع
وقلت:
رفعت قصة اشتياقي ليحيىفزوى الوجه رافضا للفتوّه
ورمى بالكتاب ضعف ابتسالقلت: يحيى، خذ الكتاب بقوّه
وقلت:
سار بي للأمير يشكو اعتراضايوسف والشهود أبناء جنسه
قال: ما تقول؟ قلت بديهالم أخف من عقابه أو حبسه
حصحص الحقّ يا خوند، فدعنيأنا راودت يوسفا عن نفسه
وقلت:
يا كوكب الحسن، يا معناه، يا قمرهيا روضة المتناهي الرّيع يا ثمره
أمرتني بسلوّ عنك ممتنع«مأمور حسنك لمّا يقض ما أمره»
وقلت في ذلك أيضا:
أفقد عينيّ لذيذ الوسنمن لم أزل فيه خليع الرّسن
عذاره المسكيّ في خدّهأنبته الله النّبات الحسن
وقلت في العين الذي بحصن نارجة، وهو ينفع من مرض الحصا:
انظر إليه شبيه معجزة العصاماء بتنقية المثانة خصّصا
فإذا الطبيب سقاه أسرع نجحهوتحدّث الماء الزّلال مع الحصا
وقلت في التّضمين أيضا:
يعاهدني دمعي على كتم سرّهويجري إذا ذكر جوى ويمين
وذاك لأنّي من نجيعي خضبتهوليس لمخضوب البنان يمين
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع