من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
ومن أغراض الإشارات الصوفية وغيرها من الوعظ والجدّ والحكم، ولعلّ ذلك ماحيا لما تقدّمه بفضل الله
الصفحة ١ من ٢
قلت: وربما ثبتت في كتاب «المحبة» من تأليفي:
تعدّدت الألفاظ واتّحد المعنىوأصبح فردا ما مررت به مثنى
وعادت لعين الجمع وهي كثيرةمحا كلّ فرق مجتلى وجهك الأسنى
تعبّدت الأفكار آثارك العلياوقيّدت الأبصار روضتك الغنّا
وقصّرت الألفاظ عن نيل غايةببعض الذي أبدته ذاتك من معنى
وقلت:
لا تنكروا إن كنت قد أحببتكمأو أنني استولى عليّ هواكم
طوعا وكرها ما ترون فإننيطفت الوجود فما وجدت سواكم
وقلت:
والكون أشراك نفوس الورىطوبى لنفس حرّة فازت
إن لم تحز معرفة الله قدأورطها الشيء الذي حازت
وقلت أيضا في المشيب وما في معناه:
أنّى لمثلي بالهوى من بعد ماللوخط بالفودين أيّ دبيب
لبس البياض وحلّ ذروة منبرمنّي ووالى الوعظ فعل خطيب
وقلت في تعلّل يناقض ذلك:
قلت للشّيب: لا يربك جفائيفي اختصاري لك البرور ومقتك
أنت بالعتب يا مشيبي أولىجئتني فجأة وفي غير وقتك
وقلت:
طال حزني لنشاط ذاهبكنت أسقى دائما من خانه
وشباب كان يندى نضرةنزل الثلج على ريحانه
ونظرت يوما إلى ولدي فأعجبتني شيبته فقلت:
سرق الدهر شبابي من يديففؤادي مشعر بالكمد
وحملت الأمر إذ أبصرتهباع ما أفقدني من ولدي
وقلت وهو الحقّ:
انظر لخضّاب الشّيب قد نصلاورائد العيش بعده انفصلا
ومطلبي والذي كلفت بهقد رمت تحصيله فما حصلا
لا أمل مسعف ولا عملونحن في ذا والموت قد وصلا
وقلت:
قحطنا ثم صاب الغيث رحمىفشكرا يا حمام، إذا غططتا
ويا غيث الرّضا، عنّا انسكابافأنت على الخبير به سقطتا
وقلت لمّا أخذت في طريقة أبي الفرج:
قعدت لتذكير ولو كنت منصفالذكّرت نفسي فهي أحوج للذّكرى
إذا لم يكن مني لنفسي زاجرافيا ليت شعري كيف نفعل في أخرى
وقلت، وأنا بسلا، وقد أحسست غفلة، والحال كلّه كذلك:
أيا أهل هذا القطر، ساعده القطردهيت فدلّوني لمن يرفع الأمر؟
تشاغلت بالدنيا ونمت مفرّطاوفي شغلي أو نومتي سرق العمر
وقلت في منكانة الرّمل وهو بديع:
منكانة الرّمل فيها عبرة ونهىوشاهد أنّ كلّا منقض كمدا
لباب عمر الفتى يجري بجريتهاكأنما العمر لمّا أطلقت فصدا
ولما ارتجلت ذلك، استزاد الحاضرون فقلت:
تأمّل الرّمل في المنكان منطلقايجري وقدره عمرا منك منتهبا
والله لو كان وادي الرّمل ينجدهما طال طائله إلّا وقد ذهبا
وقلت في قريب منه:
حمى الفلك الدوّار جفني عن الكرىلشتّى هموم منه فكري يجنيها
أراه رحى قين وعمري صفيحةيكرّ عليها بالمدار فيفنيها
وقلت في الوصايا:
إذا ما النّفس مالت نحو حسنفقد خطرت على خطر الولوع
فإن أحسّت ميله أدركهافما بعد المميل سوى الوقوع
وقلت في المعنى:
إذا صرفت نحو وجه حسنطرفك واستهداك للحين الطّمع
فلا تمل قلبك ما اسطعت لهفالقلب كالحائط إن مال وقع
وقلت:
أخي، لا تقل كذبا إن نطقتفللناس في الصّدق فضل وضح
وخف إن كذبت طروّ افتضاحفما كذب الفجر إلّا افتضح
وقلت منحيا على عالم الكون والفساد:
والله لو كانت حياتي في يديمع جهل وعد الله أو لقياه
في خفض عيش لا تكلّف منّة الإنسان مطعمه ولا سقياه
ما كان هذا العالم الجمّ الأذىمما يؤمّل عاقل بقياه
وكتبت في بعض الحيطان لما اجتزت على مدينة سبتة:
أقمنا برهة ثم ارتحلناكذلك الدهر حال بعد حال
وكلّ بداية فإلى انتهاءوكلّ إقامة فإلى ارتحال
ومن سام الزمان بعام أمرفقد وقف الرجاء على المحال
ولنختم غرض هذه المقطوعات بقولي، ولا حول ولا قوة إلّا بالله:
عدّ عن كيت وكيتما عليها غير ميت
كيف ترجو حالة البقاء لمصباح وزيت؟
ومن الموشحات التي انفرد باختراعها الأندلسيون، وقد طمس اليوم رسمها، قولي:
ربّ ليل ظفرت بالبدرونجوم السماء لم تدر
حفظ الله ليلنا ورعىأيّ شمل من الهوى جمعا
غفل الدهر والرقيب معا
ليت نهر النهار لم يجرحكم الله لي على الفجر
علّل النّفس يا أخا الطّرببحديث أحلى من الضّرب
في هوى من وصاله أربي
كلّما مرّ ذكر من أدريقلت: يا برده على صدري
صاح لا تهتمم بأمر غدوأجز صرفها يدا بيد
بين نهر وبلبل غرد
وغصون تميل من سكرأعلنت: يا غمام، بالشّكر
يا مرادي ومنتهى أمليهاتها عسجديّة الحلل
حلّت الشمس منزل الحمل
وبرود الربيع في نشروالصّبا عنبرية النّشر
غرّة الصبح هذه وضحتوقيان الغصون قد صدحت
وكأنّ الصّبا إذا نفحت
وهفا طيبها عن الحصرمدحة في علا بني نصر
هم ملوك الورى بلا ثنيامهّدوا الدين زيّنوا الدّنيا
وحمى الله منهم العليا
بالإمام المرفّع الخطروالغمام المبارك القطر
إنما يوسف إمام هدىجاز في المعلوات كلّ مدى
قل لدهر بملكه سعدا
افتخر واجبا على الدهركافتخار الربيع بالزّهر
يا عماد العلاء والمجدأطلع العيد طالع السّعد
ووفى الفتح فيه بالوعد
وتجلّت فيه على القصرغرر من طلائع النّصر
فتهنّأ من حسنه البهجبحياة النفوس والمهج
واستمعها ودع مقال شجي
قسما بالهوى لذي حجرما لليل المشوق من فجر
ومن ذلك قولي أيضا:
زمن الأنس كلّما ولّى ردّه معوزفاغتنم منك ريق العمر وهو مستوفز
اطرد الهمّ بابنة العنبوأحل غيم الثّرى
عن شموس عكفن في حجبعن عيون الورى
هي كنز من خالص الذّهبحلّ عند العرا
كم فقير أتى على وعد فيه يستنجزوالوعيد الشديد معروف للذي يكنز
أضحك الفجر مبسم الشّرقفاستراب الظّلام
وانتضى الأفق صارم البرقمن قراب الغمام
وتحلّت ترائب الورقدرّ زهر الكمام
ولجيش الصباح في الأفق راية تركزوخيول السّحاب بالبرق أبدا تنهز
وقدود الغصون ترتاحللقاء النسيم
وشميم الرياض نفّاحكثناء الكريم
ومحيّا الصباح يلتاحفي الجمال الوسيم
وخطيب الحمام في الغصن مسهب موجزينكر النّوم فهو بالعتب مفصح ملغز
للهوى قدوة من الناسذات نهج قويم
لا ترى في المدام من باسوارتشاف النديم
بحديث الغرام والكاسفي الزّمان القديم
طوّر واصفح كلّ ديوان وبه طرّزما لا تجز في شريعة الظّرف غير ما جوّز
قف ركاب المدائح الغرّبأهل برّ الهدى
يوسف الملك نخبة الأمرغيث أفق النّدى
من لأسلافه بني نصرفي جهاد العدى؟
وكتبت عن السلطان أبي الحجاج ابن السلطان أبي الوليد بن نصر، ﵀، إلى التّربة المقدّسة، تربة رسول الله ﷺ، وهي من أوليات ما صدر عني في هذه الأغراض:
إذا فاتني ظلّ الحمى ونعيمهفحسب فؤادي أن يهبّ نسيمه
ويقنعني أنّي به متكيّففزمزمه دمعي وجسمي حطيمه
يعود فؤادي ذكر من سكن الغضافيقعده فوق الغضا ويقيمه
ولم أر يوما كالنسيم إذا سرىشفى سقم القلب المشوق سقيمه
نعلّل بالتّذكار نفسا مشوقةيدير عليها كأسه ويديمه
وما شفّني بالغور قدّ مرنّمولا شاقني من وحش وجرة ريمه
ولا سهرت عيني لبرق ثنيّةمن الثّغر يبدو موهنا فأشيمه
براني شوق للنبيّ محمديسوم فؤادي برحه ما يسومه
ألا يا رسول الله، ناداك ضارععلى البعد محفوظ الوداد سليمه
مشوق إذا ما الليل مدّ رواقهتحثّ به تحت الظلام همومه
إذا ما حديث عنك جاءت به الصّباشجاه من الشوق الحديث قديمه
أيجهر بالنّجوى وأنت سميعهاويشرح ما يخفي وأنت عليمه؟
وتعوزه السّقيا وأنت غياثهوتتلفه البلوى وأنت رحيمه؟
بنورك، نور الله، قد أشرق الهدىفأقماره وضّاحة ونجومه
لك انهلّ فضل الله بالأرض ساكبافأنواؤه ملتفّة وغيومه
ومن فوق أطباق السماء بك اقتدىخليل الذي أوطاكها وكليمه
لك الخلق الأرضى الذي جلّ ذكرهومجدك في الذّكر الحكيم عظيمه
يجلّ مدى علياك عن مدح مادحفموسر درّ القول فيك عديمه
ولي، يا رسول الله، فيك وراثةومجدك لا ينسى الذّمام كريمه
وعندي إلى أنصار دينك نسبةهي الفخر لا يخشى انتقالا مقيمه
وكان بودّي أن أزور مبوّأبك افتخرت أطلاله ورسومه
وقد يجهد الإنسان طرف اعتزامهويعوزه من بعد ذاك مرومه
وعذري في تسويف عزمي ظاهرإذا ضاق عذر العزم عمّن يلومه
عدتني بأقصى الغرب عن تربك العداجلالقة الثّغر الغريب ورومه
أجاهد منهم في سبيلك أمّةهي البحر يعيي أمرها من يرومه
فلولا اعتناء منك يا ملجأ الورىلريع حماه واستبيح حريمه
فلا تقطع الحبل الذي قد وصلتهفمجدك موفور النّوال عميمه
وأنت لنا الغيث الذي نستدرّهوأنت لنا الظّلّ الذي نستديمه
ولمّا نأت داري وأعوز مطمعيوأقلقني شوق يشبّ جحيمه
بعثت بها جهد المقلّ معوّلاعلى مجدك الأعلى الذي جلّ خيمه
وكلت بها همّي وصدق قريحتيفساعدها هاء الرّويّ وميمه
فلا تنسني يا خير من وطئ الثّرىفمثلك لا ينسى لديه خديمه
عليك صلاة الله ما ذرّ شارقوما راق من وجه الصّباح وسيمه
إلى رسول الحقّ، إلى كافّة الخلق، وغمام الرحمة الصادق البرق، والحائز في ميدان اصطفاء الرحمن قصب السّبق، خاتم الأنبياء، وإمام ملائكة السماء، ومن وجبت له النبوّة وآدم بين الطّين والماء، شفيع أرباب الذنوب، وطبيب أدواء
القلوب، ووسيلة الخلق إلى علّام الغيوب، نبيّ الهدى الذي طهر قلبه، وغفر ذنبه، وختم به الرسالة ربّه، وجرى في النفوس مجرى الأنفاس حبّه، المشفّع يوم العرض، المحمود في ملإ السماوات والأرض، صاحب اللّواء المنشور، والمؤتمن على سرّ الكتاب المسطور، ومخرج الناس من الظّلمات إلى النور، المؤيّد بكفاية الله وعصمته، الموفور حظّه من عنايته ونعمته، الظّلّ الخفّاق على أمّته، من لو حازت الشمس بعض كماله ما عدمت إشراقا، أو كانت للآباء رحمة قلبه ذابت نفوسهم إشفاقا، فائدة الكون ومعناه، وسرّ الوجود الذي بهر الوجود سناه، وصفيّ حضرة القدس الذي لا ينام قلبه إذا نامت عيناه، البشير الذي سبقت له البشرى، ورأى من آيات ربّه الكبرى، ونزل عليه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى
. الأنوار من عنصر نوره مستمدّة، والآثار من آثاره مستجدّة.
من طوي بساط الوحي لفقده، وسدّ باب النبوّة والرسالة من بعده، وأوتي جوامع الكلم فوقف البلغاء حسرى دون حدّه، الذي انتقل في الغرر الكريمة نوره، وأضاءت لميلاده مصانع الشام وقصوره، وطفقت الملائكة تحيّيه وفودها وتزوره. وأخبرت الكتب المنزّلة على الأنبياء بأسمائه وصفاته، فجاء بتصديق الخبر ظهوره وأخذ عهد الإيمان به على من اتصلت بمبعثه منهم أيام حياته، المفزع الأمنع يوم الفزع الأكبر، والسّند المعتمد عليه في أهوال المحشر، ذو المعجزات التي أثبتتها المشاهدة والحسّ، وأقرّ بها الجنّ والإنس، من جماد يتكلّم، وجذع لفراقه يتألّم، وقمر له ينشقّ، وشجر يشهد أنّ ما جاء به هو الحقّ،
وشمس بدعائه عن مسيرها تحبس، وماء من أصابعه الكريمة ينبجس، وغمام باستسقائه يصوب، وركيّة بصق في أجاجها فأصبح ماؤها وهو العذب المشروب، المخصوص بمناقب الكمال وكمال المناقب، المسمّى بالحاشر العاقب ذو المجد البعيد المراقي والمراقب، أكرم من رفعت إليه وسيلة المعترف المتغرب، سيّد الرسل محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، الذي فاز بطاعته المحسنون، واستنقذ بشفاعته المذنبون، وسعد باتباعه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ﷺ، ما لمع برق، وهمع ودق، وطلعت شمس، ونسخ اليوم أمس. من عتيق شفاعته، وعبد طاعته، المعتصم بسببه، المؤمن بالله ثم به، المستشفي بذكره كلّما تألّم، المفتتح بالصلاة عليه كلما تكلّم، الذي إن ذكر تمثّل طلوعه بين أصحابه وآله، وإن هبّ النسيم العاطر وجد فيه طيب خلاله، وإن سمع الأذان تذكّر صوت بلاله، وإن ذكر القرآن استشعر تردّد جبريل بين معاهده وخلاله، لاثم تربه، ومؤمّل قربه، ورهين طاعته وحبّه، المتوسّل به إلى رضى الله ربّه، يوسف بن إسماعيل بن نصر. كتبه إليك يا رسول الله، والدّمع ماح، وخيل الوجد ذات جماح، عن شوق يزداد كلّما نقص الصّبر، وانكسار لا يتاح له إلّا بدنوّ مزارك الجبر، وكيف
لا يعيي مشوقك الأمر، وتوطأ على كبده الجمر، وقد مطلت الأيام بالقدوم على تربتك المقدّسة اللّحد، ووعدت الآمال ودانت بإخلاف الوعد، وانصرفت الرّفاق والعين بإثمد ضريحك ما اكتحلت، والركائب إليك ما ارتحلت، والعزائم قالت وما فعلت، والنواظر في تلك المشاهد الكريمة لم تسرح، وظهور الآمال عن ركوب العجز لم تبرح. فيا لها من معاهد فاز من حيّاها، ومشاهد ما أعطر ريّاها! بلاد نيطت بها عليك التّمائم، وأشرقت بنورك منها النّجود والتّهائم. ونزل في حجراتها عليك الملك، وانجلى بضياء فرقانك فيها الحلك، مدارس الآيات والسّور، ومطالع المعجزات السّافرة الغرر، حيث قضيت الفروض وحتمت، وافتتحت سور الوحي وختمت، وابتدئت الملّة الحنيفية وتمّمت، ونسخت الآيات وأحكمت. أما والذي بعثك بالحقّ هاديا، وأطلعك للخلق نورا باديا، لا يطفئ غلّتي إلّا شربك، ولا يسكّن لوعتي إلّا قربك، فما أسعد من أفاض من حرم الله إلى حرمك، وأصبح بعد أداء ما فرضت عن الله ضيف كرمك، وعفّر الخدّ في معاهدك ومعاهد أسرتك، وتردّد ما بين داري بعثتك وهجرتك. وإني لما عاقتني عن زيارتك العوائق وإن كان شغلي عنك بك، وصدّتني الأعداء فيك عن وصل سببي بسببك، وأصبحت بين بحر تتلاطم أمواجه، وعدوّ تتكاثف أفواجه، ويحجب الشمس عند الظّهيرة عجاجه، في طائفة من المؤمنين بك وطّنوا على الصبر نفوسهم، وجعلوا التوكّل على الله وعليك لبوسهم، ورفعوا إلى مصارحتك رؤوسهم، واستعذبوا في مرضاة الله ومرضاتك بوسهم، يطيرون من هيعة إلى أخرى،
ويلتفتون والمخاوف عن يمنى ويسرى، ويقارعون وهم الفئة القليلة جموعا كجموع قيصر وكسرى، لا يبلغون من عدوّ هو الذّرّ عند انتشاره، عشر معشاره، قد باعوا من الله تعالى الحياة الدّنيا؛ لأن تكون كلمة الله هي العليا، فيا له من سرب مروع، وصريخ إلّا منك ممنوع، ودعاء إلى الله وإليك مرفوع. وصبية حمر الحواصل، تخفق فوق أوكارها أجنحة المناصل، والصليب قد تمطّى يمدّ ذراعيه، ورفعت الأطماع بضبعيه، وقد حجبت بالقتام السماء، وتلاطمت أمواج الحديد، والبأس الشّديد، فالتقى الماء، ولم يبق إلّا الذّماء. وعلى ذلك فما ضعفت البصائر ولا ساءت الظنون، وما وعد به الشهداء تعتقده القلوب حتى تكاد تشاهده العيون، إلى أن نلقاك غدا إن شاء الله وقد أبلينا العذر، وأرغمنا الكفر، وأعملنا في سبيل الله وسبيلك البيض والسّمر، استنبت رقعتي هذه لتطير إليك من شوقي بجناح خافق، وتشعر نيّتي التي تصحبها لرفيق موافق، فتؤدّي عن عبدك وتبلّغ، وتعفّر الخدّ في تربك وتمرّغ، وتطيّب بريّا معاهدك الطاهرة وبيوتك، وتقف وقوف الخشوع والخضوع تجاه تابوتك، وتقول بلسان التملّق، عند التّشبّث بأسبابك والتّعلّق، منكسرة الطّرف، حذرا بهرجها من عدم الصّرف: يا غياث الأمة، وغمام الرحمة، ارحم غربتي وانقطاعي، وتغمّد بطولك
قصر باعي، وقوّ على هيبتك خور طباعي. فكم جزت من لجّ مهول، وجبت من حزون وسهول، وقابل بالقبول نيابتي، وعجّل بالرّضا إجابتي. ومعلوم من كمال تلك الشّيم، وسخاء تلك الدّيم، أن لا يخيب قصد من حطّ بفنائها، ولا يظمأ وارد أكبّ على إنائها. اللهمّ، يا من جعلته أوّل الأنبياء بالمعنى وآخرهم بالصّورة، وأعطيته لواء الحمد يسير آدم فمن دونه تحت ظلاله المنشورة، وملّكت أمّته ما زوي له من زوايا البسيطة المعمورة، وجعلتني من أمّته المجبولة على حبّه المفطورة، وشوّقتني إلى معاهده المبرورة، ومشاهده المزورة، ووكلت لساني بالصلاة عليه، وقلبي بالحنين إليه، ورغّبتني في التماس ما لديه، فلا تقطع عنه أسبابي، ولا تحرمني في حبّه أجر ثوابي، وتداركني بشفاعته يوم أخذ كتابي. هذه يا رسول الله وسيلة من بعدت داره، وشطّ مزاره، ولم يجعل بيده اختياره. فإن لم تكن هذه للقبول أهلا فأنت للإغضاء والسمح أهل، وإن كانت ألفاظها وعرة فجنابك للقاصدين سهل، وإذا كان الحبّ يتوارث كما أخبرت، والعروق تدسّ حسبما إليه أشرت، فلي بانتسابي إلى سعد عميد أنصارك مزيّة، ووسيلة أثيرة حفيّة، فإن لم يكن لي عمل ترتضيه فلي نيّة. فلا تنسني ومن بهذه الجزيرة التي افتتحت بسيف كلمتك، على أيدي خيار أمّتك، فإنما نحن بها وديعة تحت بعض أقفالك، نعوذ بوجه ربّك من إغفالك، ونستنشق من ريح عنايتك نفحة، ونرتقب من محيّا قبولك لمحة، ندافع بها عدوّا ظغى وبغى، وبلغ من مضايقتنا ما ابتغى. فمواقف التّمحيص قد أعيت من كتب وأرّخ، والبحر قد
أصمتت بواعث لججه من استصرخ، والطّاغية في العدوان مستبصر، والعدوّ محلّق والوليّ مقصّر. وبجاهك نستدفع ما لا نطيق، وبعنايتك نعالج سقيم الدّين فيفيق، فلا تفردنا ولا تهملنا، وناد ربّك فينا، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا
، وطوائف أمّتك حيث كانوا، عناية منك تكفيهم، وربّك يقول لك، وقوله الحقّ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
. والصلاة والسلام عليك يا خير من طاف وسعى، وأجاب داعيا إذا دعا، وصلّى الله على جميع أحزابك وآلك، صلاة تليق بجلالك، وتحقّ لكمالك، وعلى ضجيعيك وصديقيك، وحبيبيك ورفيقيك، خليفتك في أمّتك، وفاروقك المستخلف بعده على ملّتك، وصهرك ذي النّورين المخصوص ببرّك ونحلتك، وابن عمّك، سيفك المسلول على حلتك، بدر سمائك ووالد أهلّتك.
والسلام الكريم عليك وعليهم كثيرا أثيرا، ورحمة الله تعالى وبركاته. وكتب بحضرة جزيرة الأندلس غرناطة، صانها الله تعالى ووقاها، ودفع عنها ببركتك كيد عداها.
وكتبت عن ولده أمير المسلمين أبي عبد الله إلى ضريح رسول الله ﷺ، وضمّنت ذلك ما فتح الله عليه من الفتوحات السّنيّات إليه
وفي أوائل عام أحد وسبعين وسبعمائة:
دعاك بأقصى المغربين غريبوأنت على بعد المزار قريب
مدلّ بأسباب الرجاء وطرفهغضيض على حكم الحياء مهيب
يكلّف قرص البدر حمل تحيّةإذا ما هوى والشمس حين تغيب
ليرجع من تلك المعالم غدوةوقد ذاع من ورد التحيّة طيب
ويستودع الريح الشمال شمائلامن الحبّ لم يعلم بهنّ رقيب
ويطلب في جيب الجيوب جوابهاإذا ما أطلّت والصباح منيب
ويستفهم الكفّ الخضيب ودمعهغراما بحنّاء النّجيع خضيب
ويتبع آثار المطيّ مشيّعاوقد زمزم الحادي وحنّ نجيب
إذا أثر الأخفاف لاحت محاربايخرّ عليها راكعا وينيب
ويلقي ركاب الحجّ وهي قوافلطلاح وقد لبّى النداء لبيب
فلا قول إلّا أنّة وتوجّعولا حول إلّا زفرة ونحيب
غليل ولكن من قبولك منهلعليل ولكن من رضاك طبيب
ألا ليت شعري والأمانيّ ضلّةوقد تخطىء الآمال ثم تصيب
أينجد نجد بعد شطّ مزارهويكثب بعد البعد منه كثيب؟
وهل ينقضي ديني فيسمح طائعاوأدعو بحظّي مسمعا فيجيب؟
ويا ليت شعري هل لحومي موردلديك؟ وهل لي في رضاك نصيب؟
ولكنّك المولى الجواد وجارهعلى أيّ حال كان ليس يخيب
وكيف يضيق الذّرع يوما بقاصدوذاك الجناب المستجار رحيب؟
وما هاجني إلّا تألّق بارقيلوح بفود الليل منه مشيب
ذكرت به ركب الحجاز وجيرةأهاب بها نحو الحبيب مهيب
فبتّ وجفني من لآلىء دمعهغنيّ وصبري للشّجون سليب
ترنّحني الذكرى ويهفو بي الهوىكما مال غصن في الرياض رطيب
وأحضر تعليلا لشوقي بالمنىويطرق وجد غالب فأغيب
مناي، لو اعطيت الأمانيّ، زورةيبثّ غرام عندها ووجيب
فقول حبيب إذ يقول تشوّقاعسى وطن يدنو إليّ حبيب
تعجّبت من سيفي وقد سابق القضاوقلبي فلم يسكبه منه مذيب
وأعجب أن لا يورق الرمح في يديومن فوقه غيث المشوق سكيب
فيا سرح ذاك الحيّ لو أخلف الحيالأغناك من صوب الدموع صبيب
ويا هاجر الجوّ الجديب تلبّثافعهدي رطب الجانبين خصيب
ويا قادح الزّند الشّحاح ترفّقاعليك فشوقي الخارجيّ شبيب
أيا خاتم الرسل المكين مكانهحديث الغريب الدّار فيك غريب
فؤادي على جمر البعاد مقلّبيماح عليه للدموع قليب
فو الله ما يزداد إلّا تلهّباأأبصرت ماء ثار عنه لهيب؟
فليلته ليل السليم ويومهإذا شدّ للشوق العصاب عصيب
هواي هدى فيك اهتديت بنورهومنتسبي للصّحب منك نسيب
وحسبي على أنّي لصحبك منتموللخزرجيّين الكرام نسيب
عدت عن مغانيك المشوقة للعداعقارب لا يخفى لهنّ دبيب
حراص على إطفاء نور قدحتهفمستلب من دونه وسليب
تمرّ الرياح الغفل فوق كلومهمفتعبق من أنفاسها وتطيب
بنصرك عنك الشّغل من غير منّةوهل يتساوى مشهد ومغيب؟
فإن صحّ منك الحظّ طاوعت المنىويبعد مرمى السّهم وهو مصيب
ولولاك لم يعجم من الرّوم عودهافعود الصّليب الأعجميّ صليب
وقد كانت الأحوال لولا مراغبضمنت ووعد بالظّنون تريب
منابر عزّ أذّن الفتح فوقهاوأفصح للعضب الطّرير خطيب
نقود إلى هيجائها كلّ صائلكما ريع مكحول اللّحاظ ربيب
ونجتاب من سرد اليقين مدارعايكفّتها من يجتني ويثيب
إذا اضطرب الخطيّ حول غديرهايروقك منها لجّة وقضيب
فعذرا وإغضاء ولا تنس صارخابعزّك يرجو أن يجيب مجيب
وجاهك بعد الله نرجو وإنّهلحظّ مليء بالوفاء رغيب
عليك صلاة الله ما طيّب الفضاعليك مطيل بالثّناء مطيب
وما اهتزّ قدّ للغصون مرنّحوما افترّ ثغر للبروق شنيب
إلى حجّة الله تعالى المؤيد ببراهين أنواره، وفائدة الكون ونكتة أدواره، وصفوة نوع البشر ومنتهى أطواره. إلى المجتبى وموجود الوجود لم يغن بمطلق الوجود عديمه، والمصطفى من ذرّية آدم قبل أن يكسو العظام أديمه، المحتوم في القدم، وظلمات العدم، عند صدق القدم، تقديمه وتفضيله إلى وديعة النّور المنتقل في الجباه الكريمة والغرر، وغمام الرحمة الهامية الدّرر. إلى مختار الله المخصوص باجتبائه، وحبيبه الذي له المزيّة على أحبّائه، من ذرّية أنبياء الله تعالى
آبائه. إلى الذي شرح صدره وغسله، ثم بعثه واسطة بينه وبين العباد وأرسله، وأتمّ عليه إنعامه الذي أجزله، وأنزل عليه من النّور والهدى ما أنزله. إلى بشرى المسيح والذّبيح، ومن لهم التّجر الرّبيح، المنصور بالرّعب والرّيح، المخصوص بالنّسب الصّريح. إلى الذي جعله في المحول غماما، وللأنبياء إماما، وشقّ صدره لتلقّي روح أمره غلاما، وأعلم به في التّوراة والإنجيل إعلاما، وعلّم المؤمنين صلاة عليه وسلاما. إلى الشّفيع الذي لا تردّ في العصاة شفاعته، والوجيه الذي قرنت بطاعة الله طاعته، والرؤوف الرّحيم الذي خلصت إلى الله في أهل الجرائم ضراعته.
صاحب الآيات التي لا يسع ردّها، والمعجزات التي أربى على الألف عدّها، فمن قمر شقّ، وجذع حنّ له وحقّ، وبنان يتفجّر بالماء، فيقوم بريّ الظماء، وطعام يشبع الجمع الكثير يسيره، وغمام يظلّل به مقامه ومسيره، خطيب المقام المحمود إذا كان العرض، وأول من تنشقّ عنه الأرض، ووسيلة الله تعالى التي لولاها ما أقرض القرض، ولا عرف النّفل والفرض، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف المحمود الخلال، من ذي الجلال، الشاهدة بصدقه صحف الأنبياء وكتب الإرسال، وآياته التي أثلجت القلوب ببرد اليقين السّلسال، ﷺ، ما ذرّ شارق، وأومض بارق، وفرّق بين اليوم الشامس والليل الدامس فارق، صلاة تتأرّج عن شذى الزهر، وتنبلج عن سنا الكواكب الزّهر، وتتردد بين السّرّ والجهر، وتستغرق ساعات النهار وأيام الشهر، وتدوم بدوام الدهر، من عبد هداه، ومستقري مواقع نداه، ومزاحم أبناء أنصاره في منتداه، وبعض سهامه المفوّقة إلى نحور عداه. مؤمّل العتق من النّار بشفاعته، ومحرز طاعة الجبّار بطاعته، الآمن باتصال رعيه من إهمال الله وإضاعته، متّخذ الصلاة عليه وسائل نجاة، وذخائر في الشدائد مرتجاة، ومتاجر
بضائعها غير مزجاة، الذي ملأ بحبّه جوانح صدره، وجعل فكره هالة لبدره، وأوجب حقّه على قدر العبد لا على قدره، محمد بن يوسف بن نصر الأنصاري الخزرجي نسيب سعد بن عبادة من أصحابه، وبوارق سحابه، وسيوف نصرته، وأقطاب دار هجرته، ظلّله الله يوم الفزع الأكبر من رضاك عنه بظلال الأمان، كما أنار قلبه من هدايتك بأنوار الهدى والإيمان، وجعله من أهل السّياحة في فضاء حبّك والهيمان. كتبه إليك يا رسول الله واليراع يقتضي مقام الهيبة صفرة لونه، والمداد يكاد أن يحول سواد جونه، وورقة الكتاب يخفق فؤادها حرصا على حفظ اسمك الكريم وصونه، والدمع يقطر فتنقط به الحروف وتفصّل الأسطر، وتوهّم المثول بمثواك المقدّس لا يمرّ بالخاطر سواه ولا يخطر، عن قلب بالبعد عنك قريح، وجفن بالبكاء جريح، وتأوّه عن تبريح، كلّما هبّ من أرضك نسيم ريح.
وانكسار ليس له إلّا جبرك، واغتراب لا يؤنس فيه إلّا قربك، وإن لم يقض فقبرك. وكيف لا يسلم في مثلها الأسى، ويوحش الصباح والمسا، ويرجف جبل الصّبر بعد ما رسى، لولا لعلّ وعسى. فقد سارت الرّكبان إليك ولم يقض مسير، وحوّمت الأسراب عليك والجناح كسير، ووعدت الآمال فأخلفت، وحلفت العزائم فلم تف بما حلفت، ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشّرف الأثيل، إلّا على التّمثيل، ولا من المعالم المتناهية التّنوير، إلّا على التّصوير، مهبط وحي الله ومتنزّل أسمائه، ومتردّد ملائكة سمائه، ومرافق أوليائه، وملاحد أصحاب خيرة أنبيائه، رزقني الله الرضا بقضائه، والصّبر على جاحم البعد ورمضائه.
من حمراء غرناطة، حرسها الله تعالى، دار ملك الإسلام بالأندلس قاصية سيلك، ومسلحة رجلك يا رسول الله وخيلك، وأنأى مطارح دعوتك
ومساحب ذيلك، حيث مصافّ الجهاد في سبيل الله وسبيلك، قد ظلّلها القتام، وشهبان الأسنّة أطلعها منه الإعتام، وأسواق بيع النفوس من الله قد تعدّد بها الأيامى والأيتام، حيث الجراح قد تحلّت بعسجد نجيعها النحور، والشّهداء تحفّ بها الحور، والأمم الغريبة قد قطعتها عن المدد البحور، حيث المباسم المفترّة، تجلوها المصارع البرّة، فتحييها بالعراء ثعور الأزاهر، وتندبها صوادح الأدواح برنّات تلك المزاهر، [وتحمل السحاب أشلاءها المعطّلة من ظلّها بالجواهر،] حيث الإسلام من عدوّه المكايد بمنزلة قطرة من عارض غمام، وحصاة من ثبير أو شمام، وقد سدّت الطريق، وأسلم الفراق الفريق، وأغضّ الريق، ويئس من الساحل الغريق، إلّا أن الإسلام بهذه الجهة المتمسكة بحبل الله وحبلك، المهتدية بأدلّة سبلك، سالم والحمد لله من الانصداع، محروس بفضل الله من الابتداع، مقدود من جديد الملّة، معدوم فيه وجود الطوائف المضلّة، إلّا ما يخصّ الكفر من هذه العلّة، والاستظهار على جمع الكثرة من جموعه بجمع القلّة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع