من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
ومن الأوصاف وما يرجع إليها
قلت في الليل:
تلوّى ظلام الليل بالصبح ظالماإلى أن تبدّى الضوء وانقشع الحلك
كما سرق العبد العبوس عمامةفأخرجها من تحته حاكم الفلك
وقلت في المعنى:
أقول ووعد الصّبح يمطله الدّجىإلى أن تبدّى للعيون محيّاه
كأنّ الصباح الطّلق طفل مجرّدتلقّفه الثّعبان ثم تبنّاه
وقلت فيه:
عبس الليل فلا صبح يرىوهوى النجم وغاب الفرقد
وضحكنا وحلينا طرفاأفلا يضحك هذا الأسود؟
وقلت فيه:
أيا ليل، أفرطت في جفوتيوعوّدتني منك شرّ الخلال
وما لي ذنب ولكن سخفتبقرط الثّريّا وتاج الهلال
وقلت فيه:
أرقت وجنح الليل قيد لخطوةفلهفي على الجفن القريح المسهّد
وما بليت نفس تنظّر فيهبأوحش من عبد عبوس مقيّد
وقلت فيه:
يا ليل، طلت ولم تجد بتبسّموأريتني خلق العبوس النادم
هلّا رحمت تغرّبي وتفرّقيلله ما أقساك يا ابن الخادم!
وقلت فيه:
حار الظلام عليّ دورة كافرفقصدت قصد عبادة وتلاوه
ولو انّني كابرته لم أستطعما حال أبيض في بلاد قهاوه
وقلت فيه:
بليل كانون عرفت الجوىلولا ضياء كفّ من ظلمه
طال به نفح نسيم الصّبافاشتعل الإصباح في فحمه
وقلت فيه:
وكأنّ جنح الليل أسود سارقسرق الصباح الطّلق ثوبا أبيضا
ما زال يضرب بالبوارق ظهرهحتى أقرّ به فها هو قد أضا
وقلت فيه:
يا ليلة ساهرت طالع أفقهاحتى تمايل غاربا أو غاطسا
والصّبح من ريح الشمال بزكمةتركته من بعد استكان عاصفا
وقلت في ليلة انتخب لها الكثير من الفواكه:
أيا ليلة بالخصب لم تأل شهرةكما اشتهرت في فضلها ليلة القدر
فأمّن فيها اللّوز من غمّة النّوىوأصبح فيها التّين منشرح الصّدر
وقلت في وصف السماء:
تتعاور القطبان فيها رقعةوكلاهما فيها لعوب حاذق
الزّهرة الزّهراء قربان بهاوالبدر شاة والنجوم بياذق
وقلت أصف فرسا أهديته:
إذا ما سرى ليلا فبالنّجم يهتديومهما انتمى يوما فللبرق ينتمي
يصيخ إذا أصغى بمسمع كاهنويرنو إذا أومى بطرف منجّم
فبوّأته من مهجتي متبوّأخفيّا على سرّ الفؤاد المكتّم
فيا عجبا مني وفرط تشيّعيأهيم بوجدي فيه وهو ابن ملجم
وقلت أصف سكّين بشر للسلطان أبي سالم ملك المغرب:
أرى سيف إبراهيم بيني وبينهمناسبة عند اعتبار المناسب
أزيل حروف الخطّ عند التباسهاوتبشر حدّاه حروف الكتائب
وقلت في سكّين الأضاحي للسلطان أبي الحجاج:
لي الفضل أن شاهدتني واختبرتنيعلى كل مصقول الغرارين مرهف
كفاني فخرا أن تراني قائمابسنّة إبراهيم في كفّ يوسف
وقلت كذلك:
إن شهرت نصلي يدا يوسفريعت لكفّي مهجة اللّيث
ولحت مثل البرق في كفّهلا ينكر البرق على الغيث
وقلت في برّادة كان يشرب فيها السلطان:
علم الملوك أعنييوسف المولى الهماما
الغمام الأرض سقىوأنا أسقي الغماما
وقلت في طيفور طعام أهديته:
تعلّم طيفوري خلال سميّهوإن كان منسوبا إلى غير بسطام
فجاء فقير الوقت لابس خرقةوليس براض غير صحبة صوّام
فديتك لا تردده عنك مخيّباودرسك، يا مولاي، قصّة بلعام
وقلت في روض:
كأنّما الروض ملكيبأى به جلساه
يرضى النّديم فمهماسقى الرّياض كساه
وقلت في مروحة سلطانية:
كأنّي قرص الشمس عند طلوعهاوقد قدمت من قبلها نسمة الفجر
وإلّا كما هبّت بمحتدم الوغىصبا النّصر لكن من بنود بني نصر
وقلت في بحريّ يلعب على الشريط، منوّع الحركات:
ويجري تلاعب في شريطوحى الفعل متّصل الصّموت
تدلّى وارتقى وسما وأهوىفأعجب في التّماسك والثّبوت
فقل: إن يكن بشرا سويّاففيه غريزة عنكبوت
وقلت في بيضة سلاح مصقولة اتخذت للسلطان:
خصصت بالحسن وانفردت بهفجلّ قدري وقلّ أشباهي
كأنّني كوكب الصباح بداعلى جبين الغنيّ بالله
وقلت في الدّواة والقلم:
ما رأت عيني عجيباكيراعي في الدّواة
غائصا يستخرج الدّرر ببحر الظّلمات
وقلت كذلك:
أقلامنا الواسطيّهذوابل خطّيه
مصروفة لجهادوحكمة وعطيّه
وقلت في ملزم الكتب:
يا حسنه من ملزم آثارهلذوي الوراقة أحسن الآثار
وكأنما الكرّاس طرف أشهبشدّوا على شفتيه عود زيار
وكأنما قلم الكتاب بصفحهمكوى وذاك النّفط نفط النار
وقلت في بيضة السلاح أيضا:
إذا أنت لاحظت السلاح وجدتنيأطاوله عزّا وأفضله قدرا
ويلبسني المولى الإمام محمدفتبصر منه الشّمس توّجت البدرا
وقلت في ذلك:
لحسن بني نصر صنعت محمدافيهديك معنى العزّ فألي والنّصر
علوت على بحر السماء حبابةولا غرو أن يعلو الحباب على البحر
وقلت في مرآة اتّخذت للسلطان أيضا:
لمجدّد الملك الرّفيع محمّدأنشئت فاعجب من غرابة شان
تبدو مظاهري لها فكأنّنيمن باطن المولى الذي أنشاني
وقلت في وصف قينة:
ومرضعة طفلا من العود ثديهاولا درّ إلّا الدّرّ من أدب محض
إذا لمسته بالبنان تخالهاطبيبا من الحذّاق جسّ على نبض
وقلت أيضا في البدر:
أقول والبدر يسمو في السما صعدالصاحبي والدّجى مستقبل الفجر
انظره في كفّة الميزان صاعدةكأنّها ضجّة بيضاء من حجر
وقلت متغزّلا، والله وليّ التّجاوز:
قلم المحاسن خطّ نور عذارهأو مثل حلّته يحاك بلا علم
لا تتّقوا عينا تصيب جمالهفالله عوّذه بنون والقلم
وقلت في معنى غريب:
ولربّ رزق غد لقيت مواجهاكفّت أكفّهم وقاية واق
جاورت والتفتوا إليّ فخلتهمجعلوا ذوابلهم على الأعناق
وقلت في رمّانة:
رمّانة راق منها منظر عجيبتريك صورتها إبداع باريها
كأنما حبّها درّ وظاهرهاخدّ ومن شحمها قطن يواريها
وقلت مرتجلا لمن طلب ذلك على ضفّة الوادي الكبير:
ومنتقش المتن كالمبردإذا هبّ عرف النّسيم النّدي
تدافع مسترسلا مائجاكما اندفع الدّرع من مزود
وقلت، وقد استزاد الطلبة الحاضرون من ذلك:
وطموح العباب ضافي المقيلحسر الرّوح عن حسام صقيل
كسبيك اللّجين ذهّبه الصانع سبحانه بشمس الأصيل
واستزادوا من ذلك فقلت:
ومدّرع ينساب في منبت الخوطيداعب مثوى ظلّه كلّ مغبوط
أقام شعاع الشمس يشغل فوقهفسال له ذوب اللّجين من البوط
ثم قلت في ذلك:
ثعبان نهر راعنا مدّهلمّا أتى ينساب من حجره
فاهتزّت الأغصان من فوقهوصاحت الأطيار في إثره
ثم قلت في ذلك:
انظر إليه والأصيل مورّسوالشّمس ترسل من عنان مسيرها
وكأنما هو زئبق مترجرجألقت عليه الشمس من إكسيرها
ومن وصف المواضع قلت في تاجرة:
بتاجرة ريح أزاحك بردهاإله متى استرحمته فهو يرحم
رأت عصبي غزلا وجسمي مرمّةفها هي تسدي كلّ يوم وتلحم
ومن ذلك أيضا:
يا بقعة بالحمد معروفةتحذرها الشّمس فلا تشرق
ترى عيون الماء عمشا بهاوأعين النيران لا تنطق
ومن ذلك أيضا:
جفاك الحيا من بقعة ظلت عندهابلا جلد ممّا لقيت ولا جلد
فلو سامتها الشمس أرعد قرصهاولثّت فلم تسطع حراكا من البرد
وقلت أصف جبل شلير:
شلير، لعمري أساء الجواروسدّ عليّ رحيب الفضا
هو الشيخ أبرد شيء يرىإذا لبس البرنس الأبيضا
وقلت أخاطب بعض أصحابنا ممن يخضب بياض شيبه من بعد الإنقاء:
وكريمة شهد الخضاب شهادةبفتوّها عند الأداء مزوّره
مرض الفؤاد وحمّ لأجلهافجعلت منها للعلاج مزوّره
وقلت وقد استزاد الحاضرون من هذا المعنى:
عهدي بهاتيك الكريمة مهرقيقن تسرّ به العيون وتغبط
أغريت أجزاء المداد بظلّهاوكذا المداد على الطرّوس مسلّط
وقلت في ذلك:
وخضتها بعدما لاح المشيب وقدجوّزت في العقل كتم الصّبح بالغبش
فاض البياض على رغم السّواد بهاويرشح الدّمع تحت الكحل في العمش
وقلت عند الرجوع من الرّحلة:
رجعنا بفضل الله بعد استدارةوفينا بها الأنس كيل اختياره
كما راجع البركان مفروض نقطةمن السّطح، منها كان بدء مداره
وقلت في الغرض المذكور:
إلى العين تنأى الشّهب والشمس فتنةتلألأ منّا البرّ والبحر ذو الموج
رحلنا عن الأوج الرفيع نحلّهالمن أجل شتّى ثم عدنا إلى الأوج
وقلت أخاطب شيخنا أبا الحسن بن الجيّاب:
بين السّهام وبين كتبك نسبةمهما يصاب من العدوّ المقتل
وإذا أردت لها زيادة نسبةهذي وهذي في الكنانة تجعل
وقلت في البراغيث وفيها التّجنيس:
بتنا نكابد همّ القحط ليلتناوأنجد السّهد والكرب البراغيثا
وكان يحمل ما كنّا نكابدهمن المشقّة لو أنّ البرى غيثا
وقلت في ذلك:
وقالوا: بدت منكم على الجلد حمرةفقلنا: براغيث لكم رقّطونا
عدت نحونا ليلا ومن بعد ذا امتدّتكما رقصت في القلو بزر قطونا
وقلت في معنى غريب:
إنّ اللّحاظ هي السّيوف حقيقةومن استراب فحجّتي تكفيه
لم يدع غمد السيف جفنا باطلاإلّا لشبه اللّحظ يغمد فيه
وقلت فيما يظهر منها:
هممت لأن أقبّلها بشيبتيفأبدت عند ذا سمة القنوط
وقالت لي: رأيتك في حياتيجعلت بجسمها قطن الحنوط
ومن الدّعابة والفكاهة، قولي أخاطب رجلا منتفخا بالجاه، يعطي أموره فوق حقّها:
رفقا بنفسك سيدي رفقافالفضل أن تبرا وأن تبقى
أمّا مزاجك فهو معتدللكن أظنّ خيالك استسقا
وقلت في الغرض المذكور:
رأيت بمخدومي انتفاخا فرابنيوباكرت دكّان الطبيب كما وجب
فقال: وقاك الله فيه فلا تخفعليه فهذا النّفخ ليس له سبب
وقلت على طريقة المشارقة:
همّ أن ينتف ذقنيقلت: والاني بفضله
لم أكن أدخل إلّاآملا جنّة وصله
وقلت على طريقتهم أيضا:
قلت لمّا سألونيبامتحاني واختباري
أنا من عاري كأسأنا من كأسي عار
وقلت على طريقتهم أيضا:
وقالت: حلقت الكسّ مني بنورةفقلت لها استنصرت من ليس ينصر
ألا فاخبري عنّي فديتك واصدقيمحلّق ذاك الكسّ أنّي مقصّر
وقلت في بعض الأصحاب، وقد أكثر من سرقة كتب البرق الشامي للعماد الأصفهاني، ﵀:
خليليّ إن يقض اجتماع بخالدفقولا له عنّي ولن تعدوا الحقّا
سرقت العماد الأصفهانيّ برقهوكيف ترى في شاعر يسرق البرقا؟
وقلت، وقد أرجف قوم من الممرورين بظهور الخاتم:
وقالوا: ظفرنا في الزمان بخاتمقد اجتمعت أوصافه الغرّ في شخص
فقلت لهم: إن صحّ ما قد ذكرتمفلا بدّ أن يحتاج فيه إلى فصّ
وقلت، ونستغفر الله من السّفاهة:
قالت: بعقلك فاحتفظ كي لا ترىتبكي بضرّ ليس يعرف كاشفا
واعمل فديت حساب سحري وارعويفأنا الذي أخرجت سرّنا كاشفا
وقلت مطاوعا إخوان الدّعابة:
قالت: إذا استخبرتها عن زوجهاهو يقرن الأزواج في الفدّان
قلت ابلغي عني السلام تحيّةعند المجيء لزوجك القرّان
وقلت وهي نزعة بيطارية:
وذي زوجة تشكو فقلت له اسقهادواء من الحبّ المليّن للبطن
فقال: أبت شرب الدواء بطبعهافقلت اسقها إن عافت الشرب بالقرن
وقلت أخاطب بعض الطلبة، وكنية أبيه أبو الربيع، واتّهمته بأكل الحشيش:
إنني ابن سليمان وفي الفكر فترةتخبر أنّ العقل جدّ مغيّب
فقلت: أظنّ السّيّد اعتمّ عمّةولكنها في الأصل من كنية الأب
وقلت على طريقة المشارقة والله وليّ المغفرة:
قال لي عندما أتى بجدالوشكوك على أصول الدّين
ولساني يبدّل الدّال تاءعاجزا في الأمور عن تبيين
التمس مخرجا يوافق قوليقلت: أحسنت يا جلال التّين
وقلت معارضا أبياتا مثلها لبعض المعاصرين:
بعثت له إذ اتبعنا عصيراهجرنا في تفقّده البيوتا
لعلك يا حبيب القلب تأتيفتأكل عندنا عنبا وتوتا
وقلت أخاطب من أدل عليه، وما أولاني بذلك:
إذا قمت قل بعقيب الكرىإلهي أنت إله الورى
تباركت أنشأتهم من ترابوأنشأتني بينهم من خرا
وقلت وهي نزعة مشرقية:
يا قائدي نحو الغرام بمقلةنفقت حلاوتها بكلّ فؤادي
ماذا جنيت عليّ من مضض الهوىالله ينصف منك يا قوّادي
وقلت فيمن رعى محبوبه عارضه في حال السّكر، ولحية التيس دواء نافع للبطن:
رعى عارضي ظبي شكى سقم بطنهوقال، ولم ترشد لحذق ولا كيس:
ألم تر أنّي علّة البطن أشتكيوينفع من يشكو بها لحية التّيس؟
وقلت:
حين لم أرج للخلاص سبيلادأبه بالصّدود في عشّاقه
قيّض الله لحية لخلاصيقبضت بالبنان فوق خناقه
وقلت في ذلك:
لم أجد فيه لين بثّ لقلبيوقبولا لحجّتي واعتذاري
ثقّل الله ظهره بعيالسوّد الله وجهه بعذار
وقلت في ذلك:
ناديت مبتهلا وقد جنّ الدّجىلمّا برمت بردّه وبنجهه
يا ربّ، واجعل لوعتي في قلبهيا ربّ، واجعل لمحتي في وجهه
وفي قريب من ذلك، والله العفوّ الغفور:
لي حبيب لست أعصى أمرهلم أطق بعد وصال هجره
يدّعي أني ثقيل مبرمأثقل الله بعدلي ظهره
وقلت في مجتمع فضلاء:
أقول وقد جاء الغلام بثردةبأمثالها يحيى السّعيد وينعم
بنيت على زرد ولقمني الفتىكذلك ماعون البناء يلقّم
وقلت، والله ولي التجاوز، أداعب بعضهم:
شيخ رباط إن أتى شادنخلوته عند انسدال الظلام
أدلى وقد أبصره دلوهوقال: يا بشراي، هذا غلام
وقلت مشيرا إلى بعض طبقات الغناء:
ضرط الفقيه فقلت: ذاك غريبةما كان ذلك منه بالمعلوم
فرنا إليّ وقال: قد أطرفتكممن ضرطتي بغريبة المزموم
وقلت أصف رجلا خبيثا غفر الله لي وله:
وذي حيل يعيى التّقيّة أمرهامكايده في لجّة الليل تسبح
يدبّ شبول الليث والليث ساهرويسرق ناب الكلب والكلب ينبح
وقلت في نزعات المشارقة:
أقول لعاذلي لمّا نهانيوقد وجد الملامة إذ جفاني
علمت بأنه مرّ التّجنّيوفاتك أنه حلو اللسان
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع