من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
ومن أغراض الإشارات الصوفية وغيرها من الوعظ والجدّ والحكم، ولعلّ ذلك ماحيا لما تقدّمه بفضل الله (٣)
الصفحة ١ من ٢
أقمنا بها أياما نعقر الأشجار، ونستأصل بالتّخريب الوجار، ولسان الانتقام من عبدة الأصنام، ينادي يا لثارات الإسكندرية تشفّيا من الفجّار، ورعيا لحقّ الجار.
وقفلنا وأجنحة الرايات برياح العنايات خافقة، وأوفاق التوفيق الناشئة من خطوط الطريق موافقة، وأسواق العزّ بالله نافقة، وحملاء الرفق مصاحبة والحمد لله مرافقة، وقد ضاقت ذروع الجبال، عن أعناق الصّهب السّبال، ورفعت على الأكفال، ردفاء كرائم الأنفال، وقلقلت من النواقيس أجرام الجبال، بالهندام والاحتيال، وهلك بمهلك هذه الأمّ بنات كنّ يرتضعن ثديّها الحوافل، ويستوثرن حجرها الكافل، شمل التخريب أسوارها، وعجّلت النار بوارها.
ثم تحرّكنا بعدها حركة الفتح، وأرسلنا دلاء»
الأدلّاء قبل المتح، فبشّرت بالمنح. وقصدنا مدينة أبّدة وهي ثانية الجناحين، وكبرى الأختين، ومساهمة جيّان في حين الحين، مدينة أخذت عرض الفضاء الأخرق، وتمشّت في أرباضها تمشّي الكتابة الجامحة في المهرق، المشتملة على المتاجر والمكاسب، والوضع المتناسب، والفلح المعيي ريعه عمل الحاسب، وكوارة الدير اللاسب، المتعددة اليعاسب، فأناخ العفاء بربوعها العامرة، ودارت كؤوس عقار الحتوف ببنان السيوف على متديّريها المعاقرة، وصبّحتها طلائع الفاقرة، وأغريت ببطون أسوارها عوج المعاول الباقرة، ودخلت مدينتها عنوة السيف، في أسرع من خطرة الطّيف، ولا تسل عن الكيف. فلم يبلغ العفاء من مدينة حافلة، وعقيلة في حلل المحاسن رافلة، ما بلغ من هذه البائسة التي سجدت لآلهة النيران أبراجها، وتضاءل بالرّغام معراجها، وضفت على أعطافها ملابس الخذلان، وأقفر من كنائسها كناس الغزلان.
ثم تأهّبنا لغزو أمّ القرى الكافرة، وخزائن المزاين الوافرة، وربّة الشّهرة السافرة، والأنباء المسافرة، قرطبة، وما أدراك ما هيه؟ ذات الأرجاء الحالية الكاسية، والأطواد الرّاسخة الرّاسية، والمباني المباهية، والزّهراء الزاهية، والمحاسن غير المتناهية، حيث هالة بدر السماء قد استدارت من السّور المشيد البناء دارا، ونهر المجرّة من نهرها الفيّاض المسلول حسامه من غمود الغياض قد لصق بها جارا، وفلك الدّولاب المعتدل الانقلاب قد استقام مدارا، ورجّع الحنين اشتياقا إلى الحبيب الأوّل وادّكارا، حيث الطّود كالتّاج يزدان بلجين العذب المجاج فيزري بتاج كسرى ودارا، حيث قسيّ الجسور المديرة كأنها عوج المطيّ الغريرة تعبر النهر قطارا، حيث آثار العامريّ المجاهد تعبق بين تلك المعاهد شذى معطارا، حيث كرائم السّحاب تزور عرائس الرّياض الحبايب فتحمل لها من الدّر نثارا، حيث شمول الشّمال تدار على الأدواح بالغدوّ والرّواح فترى الغصون سكارى، وما هي بسكارى، حيث أيدي الافتتاح تفتضّ من شقائق البطاح أبكارا، حيث ثغور الأقاح الباسم تقبّلها بالسّحر زوّار النّواسم فتخفق قلوب النجوم الغيارى، حيث المصلّى العتيق قد رحب مجالا وطال منارا، وأزرى ببلاط الوليد احتقارا، حيث الظّهور المثارة بسلاح الفلاح تجبّ عن مثل أسنمة المهارى، والبطون كأنها لتدميث الغمائم بطون العذارى، والأدواح العالية تخترق أعلامها الهادية بالجداول الخيارى. فما شئت من جوّ صقيل، ومعرّس للحسن ومقيل، ومالك للعقل وعقيل، وخمائل كم فيها للبلابل من قال وقيل، وخفيف يجاوب بثقيل، وسنابل تحكي من فوق سوقها، وقضب بسوقها، الهمزات فوق الألفات، والعصافير البديعة الصّفات، فوق القضب المؤتلفات، تميل لهبوب الصّبا والجنوب، مالئة الجيوب، بدرر الحبوب، وبطاح لا تعرف عين المحل، فتطلبه بالذّحل، ولا تصرف في خدمة بيض قباب الأزهار، عند افتتاح السّوسن والبهار، غير العبدان من سودان النّحل وبحر الفلاحة
الذي لا يدرك ساحله، ولا يبلغ الطّيّة البعيدة راحله، إلى الوادي، وسمر النوادي، وقرار دموع الغوادي، المتجاسر على تخطّيه عند تمطّيه الجسر العادي، والوطن الذي ليس من عمرو ولا زيد، والفرا الذي في جوفه كلّ صيد، أقلّ كرسيّه خلافة الإسلام، وأغار بالرّصافة والجسر دار السلام، وما عسى أن تطنب في وصفه ألسنة الأقلام، أو تعبّر به عن ذلك الكمال فنون الكلام، فأعملنا إليها السّرى والسّير، وقدنا إليها النخيل وقد عقد الله في نواصيها الخير.
ولمّا وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، والقلوب تلتمس الإعانة من منعم مجزل، وتستنزل مدد الملائكة من منجد منزل، والركائب واقفة من خلفنا بمعزل، تتناشد في معاهد الإسلام: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل » برز من حاميتها المحامية، ووقود النار الحامية، وبقية السيف الوافرة على الحصاد النامية، قطع الغمائم الهامية، وأمواج البحور الطامية، واستجنّت بظلال أبطال المجال أعداد الرجال النّاشبة والرّامية. وتصدّى للنّزال من صناديدها الصّهب السّيال أمثال الهضاب الراسية، يجنّها جنن السّوابغ الكاسية، وقواميسها المفادية للصّلبان يوم بؤسها بنفوسها المواسية، وخنازيرها التي عدتها عن قبول حجج الله ورسوله ستور الظّلم الغاشية، وصخور القلوب القاسية، فكان بين الفريقين أمام جسرها الذي فرق البحر، وحلي بلجينه ولآلىء زينه منها النّحر، حرب لم تنسج الأزمان على منوالها، ولا أتت الأيام الحبالى بمثل أجنّة أهوالها، من قاسها بالفجار أفك وفجر، أو مثّلها بجفر الهباءة خرف وهجر، ومن شبّهها بحرب داحس والغبراء فما عرف الخبر، فليسأل من جرّب وخبر. ومن
نظّرها بيوم شعب جبله، فهو ذو بله، أو عادلها ببطن عاقل، فهو غير عاقل، أو احتجّ بيوم ذي قار، فهو إلى المعرفة ذو افتقار، أو ناضل بيوم الكديد، فسهمه غير السديد. إنما كان مقاما غير معتاد، ومرعى نفوس لم يف بوصفه لسان مرتاد، وزلزال جبال أوتاد، ومتلف مذخور لسلطان الشيطان وعتاد، أعلم فيه البطل الباسل، وتورّد الأبيض الباتر وتأوّد الأسمر العاسل، ودوّم الجلمد المتكاسل، وانبعث من حدب الحنيّة إلى هدف الرّميّة الناشر الناسل، ورويت لمرسلات السّهام المراسل. ثم أفضى أمر الرّماح إلى التّشاجر والارتباك، ونشبت الأسنّة في الدّروع نشب السّمك في الشّباك، ثم اختلط المرعى بالهمل، وعزل الرّدينيّ عن العمل، وعادت السيوف من فوق المفارق تيجانا، بعد أن شقّت غدر السوابغ خلجانا، واتّحدت جداول الدروع فصارت بحرا، وكان التّعانق فلا ترى إلّا نحرا يلازم نحرا، عناق وداع، وموقف شمل ذي انصداع، وإجابة مناد إلى فراق الأبد وداع.
واستكشفت مآل الصبر الأنفس الشفّافة، وهبّت بريح النصر الطلائع المبشّرة الهفّافة. ثم أمدّ السيل ذلك العباب، وصقل الاستبصار الألباب، واستخلص العزم صفوة اللّباب، وقال لسان النّصر ادخلوا عليهم الباب، فأصبحت طوائف الكفّار، حصائد مناجل الشّفار، فمغافرهم قد رضيت حرماتها بالإخفار، ورؤوسهم محطوطة في غير مقام الاستغفار، وعلت الرايات من فوق تلك الأبراج المستطرفة والأسوار، ورفرف على المدينة جناح البوار، لولا الانتهاء إلى الحدّ والمقدار، والوقوف عند اختفاء سرّ الأقدار.
ثم عبرنا نهرها، وشددنا بيدي الله قهرها، وضيّقنا حصرها، [وأدرنا بلآلئ القباب البيض خصرها]، وأقمنا بها أياما تحوم عقبان البنود على فريستها حياما وترمي الأدواح ببوارها، ونسلّط
النيران على أقطارها، فلولا عائق المطر، لحصلنا من فتح ذلك الوطن على الوطر، فرأينا أن نروضها بالاجتثاث والانتساف، ونوالي على زروعها وربوعها كرّات رياح الاعتساف، حتى يتهيّأ للإسلام لوك طعمتها، ويتهنّأ بفضل الله إرث نعمتها. ثم كانت عن موقفها الإفاضة من بعد نحر النّحور، وقذف جمار الدّمار على العدوّ المدحور، وتدافعت خلفنا السّيقات المتّسقات تدافع أمواج البحور. وبعد أن ألححنا على جنّاتها المصحرة، وكرومها المستبحرة، إلحاح الغريم، وعوّضناها المنظر الكريه من المنظر الكريم، وطاف عليها طائف من ربّك فأصبحت كالصّريم، وأغرينا حلاق النار بحمم الجحيم، وراكمنا في أجواف أجوائها غمائم الدّخان، تذكّر طيّبة البان، بيوم الغميم، وأرسلنا رياح الغارات لا تذر من شيء أتت عليه إلّا جعلته كالرّميم، واستقبلنا الوادي يهول مدّا، ويروع سيفه الصقيل حدّا، فيسّره الله من بعد الإعواز، وانطلقت على الفرضة بتلك الفرصة أيدي الانتهاز، وسألنا من ساءله أسد بن الفرات فأفتى برجحان الجواز، فعمّ الاكتساح والاستباح جميع الأحواز، فأديل المصون، وانتهبت القرى وهدّمت الحصون، واجتثّت الأصول وحطّمت الغصون، ولم نرفع عنها إلى اليوم غارة تصافحها بالبوس، وتطلع عليها غررها الضّاحكة باليوم العبوس. فهي الآن مجرى السّوابق ومجرّ العوالي، على التّوالي، والحسرات تتجدّد في أطلالها البوالي، وكأنّ بها قد صرعت، وإلى الدّعوة المحمّدية قد أسرعت، بقدرة من أنزل القرآن على الجبال فخشعت، من خشية الله وتصدّعت، وعزّة من أذعنت الجبابرة لعزّه وخنعت. وعدنا والبنود لا يعرف اللفّ نشرها، والوجوه المجاهدة
لا يخالط التّقطّب بشرها، والأيدي بالعروة الوثقى معتلقة، والألسن بشكر نعم الله منطلقة، والسيوف في مضاجع الغمود قلقة، وسرابيل الدّروع خلقة، والجياد من ردّها إلى المرابط والأواري ردّ العواري حنقة، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقة، تنظر إلينا نظر العاتب، وتعود من ميادين المراح والاختيال تحت حلل السّلاح عود الصّبيان إلى المكاتب، والطّبل بلسان العزّ هادر، والعزم إلى منادي العود الحميد مبادر، ووجود نوع الرّماح من بعد ذلك الكفاح نادر، والقاسم ترتّب بين يديه من السّبي النوادر، ووارد مناهل الأجور غير المحلّإ ولا المهجور غير صادر، ومناظر الفضل الآتي عقب أخيّه المتأتي على المطلوب المواتي مصادر، والله على تيسير الصّعاب وتخويل المنن الرّغاب قادر، لا إله إلّا هو فما أجمل لنا صنعه الخفيّ، وأكرم بنا لطفه الحفيّ، اللهمّ لا نحصي ثناء عليك، ولا نلجأ منك إلّا إليك، ولا نلتمس خير الدنيا والآخرة إلّا لديك، فأعد علينا عوائد نصرك يا مبدي يا معيد، وأعنّا من وسائل شكرك على ما ينثال به المزيد، يا حيّ يا قيّوم يا فعّال لما يريد.
وقارنت رسالتكم الميمونة لدينا حذق فتح بعد صيته، مشرئبّ ليته، وفخر من فوق النجوم العوائم مبيته، عجبنا من تأتّي أمله الشّارد، وقلنا البركة في قدوم الوارد. وهو أنّ ملك النصارى لاطفنا بجملة من الحصون كانت من مملكة الإسلام قد غصبت، والتّماثيل فيها ببيوت الله قد نصبت، أدالها الله بمحاولتنا الطّيّب من الخبيث، والتّوحيد من التّثليث، وعاد إليها الإسلام عودة الأب الغائب، إلى البنات الحبائب، يسأل عن شؤونها، ويمسح دموع الرّقّة عن جفونها. وهي للرّوم خطّة خسف قلّ ما ارتكبوها فيما
نعلم من العهود، ونادرة من نوادر الوجود، وإلى الله علينا وعليكم عوارف الجود، وجعلنا في محاريب الشكر من الرّكّع السّجود.
عرّفناكم بمجملات أمور تحتها تفسير، ويمن من الله وتيسير، إذ استيفاء الجزئيات عسير، لنسرّكم بما منح الله دينكم، ونتوّج بعزّ الملّة الحنيفية جبينكم، ونخطب بعده دعاءكم وتأمينكم، فإنّ دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب سلاح ماض، وكفيل بالمواهب المسؤولة من المنعم الوهّاب متقاض، وأنتم أولى من ساهم في برّ، وعامل الله بخلوص سرّ، وأين يذهب الفضل عن بيتكم وهو صفة حيّكم، وتراث ميتكم، ولكم مزية القدم، ورسوخ القدم، والخلافة مقرّها إيوانكم، وأصحاب الإمام مالك، ﵁، مستقرّها قيروانكم، وهجير المنابر ذكر إمامكم، والتوحيد إعلام أعلامكم، والوقائع الشهيرة في الكفر منسوبة إلى أيّامكم، والصحابة الكرام فتحة أوطانكم، وسلالة الفاروق ﵇ وشائج سلطانكم، ونحن نستكثر من بركة خطابكم، ووصلة جنابكم، ولولا الأعذار لوالينا بالمتزيّدات تعريف أبوابكم. والله، ﷿، يتولّى عنّا من شكركم المحتوم، ما قصّر المكتوب منه عن المكتوم، ويبقيكم لإقامة الرّسوم، ويحلّ محبّتكم من القلوب محلّ الأرواح من الجسوم، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، [ويوالي نعمه عندكم.] والسلام الكريم الطّيّب [الزاكي المبارك] البرّ العميم يخصّكم كثيرا أثيرا، ما أطلع الصبح وجها منيرا، بعد أن أرسل النّسيم سفيرا، وكان الوميض الباسم لأكواس الغمائم على أزهار الكمائم مديرا، ورحمة الله تعالى وبركاته.
وصدر عني في مخاطبة الشيخ الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق جوابا عن كتابه:
ولمّا أن نأت عنكم دياريوحال البعد بينكم وبيني
بعثت لكم سوادا في بياضلأنظركم بشيء مثل عيني
بم أفاتحك يا سيدي، وأجلّ عددي؟ كيف أهدي سلاما، فلا أحذر ملاما؟ أو أنتخب لك كلاما، فلا أجد لتبعة التّقصير في حقّك الكبير إيلاما؟ إن قلت: تحيّة كسرى في الثّناء وتبّع، فكلمة في مربع العجمة تربع، ولها المصيف فيه والمربع، والجميم والمنبع، فتروى متى شاءت وتشبع. وإن قلت: إذا العارض خطر، ومهما همى أو قطر، سلام الله يا مطر، فهو في الشريعة بطر، ومركبه خطر، ولا يرعى به وطن ولا يقضى وطر. وإنما العرق الأوشج، ولا يستوي البان والبنفسج، والعوسج والعرفج:
سلام وتسليم وروح ورحمةعليك وممدود من الظّلّ سجسج
وما كان فضلكم ليمنعني الكفران أن أشكره، ولا لينسيني الشيطان أن أذكره، فأتّخذ في البحر سببا، أو أسلك غير الوفاء مذهبا، تأبى ذلك، والمنّة لله تعالى، طباع لها في مجال الرّعي باع، وتحقيق وإشباع، وسوائم من الإنصاف لها مرعى في رياض الاعتراف فلا يطرقها ارتياع، ولا تخفيها سباع. وكيف نجحد تلك الحقوق وهي شمس ظهيرة، وأذان عقيرة جهيرة، فوق مئذنة شهيرة، آدت الأكتاد لها
ديون تستغرق الذّمم، وتسترقّ حتى الرّمم، فإن قضيت في الحياة فهي الخطّة التي نرتضيها، ولا نقنع من عامل الدهر المساعد إلّا أن ينفّذ مراسمها ويمضيها، وإن قطع الأجل فالغنيّ الحميد من خزائنه التي لا تبيد يقضيها، ويرضي من يقتضيها.
وحيّا الله أيها العلم السّامي الجلال زمنا بمعرفتك المبرّة على الآمال أبرّ»
وأتحف، وإن أساء بفراقك وأجحف، وأعرى بعد ما ألحف، وأظفر باليتيمة المذخورة للشدائد والمزاين، ثم أوحش منها أصونة هذه الخزائن، فآب حنين الأمل بخفّيه، وأصبح المغرب غريبا يقلّب كفّيه، ونستغفر الله من هذه الغفلات، ونستهديه دليلا في مثل هذه الفلوات، وأي ذنب في الفراق للزمن أو لغراب الدّمن، أو للرّواحل المدلجة ما بين الشّام إلى اليمن، وما منها إلّا عبد مقهور، وفي رمّة القدر مبهور، عقد والحمد لله مشهور، وحجّة لها على النفس اللوّامة ظهور. جعلنا الله ممّن ذكر المسبّب في الأسباب، وتذكّر وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
قبل غلق الرّهن وسدّ الباب.
وبالجملة فالفراق ذاتيّ، ووعده مأتيّ، فإن لم يحن فكأن قد، ما أقرب اليوم من الغد، والمرء في الوجود غريب، وكلّ آت قريب، وما من مقام إلا لزيال من غير احتيال، والأعمار مراحل والأيام أميال:
نصيبك في حياتك من حبيبنصيبك في منامك من خيال
جعل الله الأدب مع الحقّ شاننا، وأبعد عنا الفرق الذي شاننا، وإني لأسرّ لسيدي بأن رعى الله صالح سلفه، وتداركه بالتّلافي في تلفه، وخلّص سعادته من كلفه، وأحلّه من الأمن في كنفه، وعلى قدرها تصاب العلياء، وأشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء. هذا والخير والشّرّ في هذه الدار، المؤسّسة على الأكدار، ظلّان مضمحلّان، فإذا ارتفع، ما ضرّ أو ما نفع، وفارق المكان، فكأنّه ما كان، ومن كلمات المملوك البعيدة عن الشكوك، إلى أن يشاء ملك الملوك:
خذ من زمانك ما تيسّرواترك بجهدك ما تعسّر
ولربّ مجمل حالةترضى به ما لم يفسّر
والدهر ليس بدائملا بدّ أن سيسوء إن سرّ
واكتم حديثك جاهداشمت المحدّث أو تحسّر
والناس آنية الزّجاج إذا عثرت به تكسّر
لا تعدم التّقوى فمنعدم التّقى في الناس أعسرّ
وإذا امرؤ خسر الإلهـ فليس خلق منه أخسر
وإنّ لله في رعيك لسرّا، ولطفا مستمرّا مستقرّا، إذ ألقاك بسرّ الرّوع إلى الساحل، وأخذ بيدك من ورطة الواحل، وحرّك منك عزيمة الرّاحل، إلى الملك الحلاحل، فأدالك من إبراهيمك سميّا، وعرفك بعد الوليّ وسميّا، ونقلك من عناية إلى عناية، وهو الذي يقول وقوله الحقّ ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
الآية. وقد وصل كتاب سيدي يحمد- والحمد لله - العواقب، ويصف المراقي التي حلّها والمراقب، وينشر المفاخر الحفصيّة والمناقب، ويذكر ما هيّأه الله لديها من إقبال، ورخاء بال، وخصّيصى اشتمال ونشور آمال، وأنه اغتبط وارتبط، وألقى العصا بعد ما خبط.
ومثل تلك الخلافة العليّة من تزن الذوات، المخصوصة من الله بشريف الأدوات، بميزان تمييزها، وتفرّق بين شبه المعادن وإبريزها، وشبه الشيء مثل معروف، ولقد أخطأ من قال: الناس ظروف، إنما هم شجرات مربع في بقعة ماحلة، وإبل مائة
لا تجد فيها راحلة، وما هو إلّا اتّفاق، ونجح للملك وإخفاق، وقلّما كذب إجماع وإصفاق، والجليس الصالح لربّ السّياسة أمل مطلوب، وحظّ إليه مجلوب، وإن سئل أطرف، وعمر الوقت ببضاعة أشرف، وسرق الطّباع، ومدّ في الحسنات الباع، وسلّى في الخطوب، وأضحك في اليوم القطوب، وهدى إلى أقوم الطّرق، وأعان على نوائب الحقّ، وزرع له المودّة في قلوب الخلق، زاد الله سيدي لديها قربا أثيرا، وجعل فيه للجميع خيرا كثيرا، بفضله وكرمه. ولعلمي بأنّه أبقاه الله يقبل نصحي، ولا يرتاب في صدق صبحي، أغبطه بمثواه، وأنشده ما حضر من البديهة في مسارّة هداه ونجواه:
بمقام إبراهيم عذ واصرف لهفكرا تؤرّق عن بواعث تعتري
فجواره حرم وأنت حمامةورقاء والأغصان عود المنبر
فلقد أمنت من الزمان وريبهوهو المروّع للمسيء وللبري
وإن تشوّف سيدي للحال، فلعمر وليّه لو كان المطلوب دنيا لوجب وقوع الاجتزاء، ولاغتبط بما تحصّل في هذه الجزور، المبيعة في حانوت الزّور، من السّهام الوافرة الأجزاء، فالسلطان رعاه الله، يوجب ما فوق مزية التعليم، والولد، هداهم الله، قد أخذوا بحظّ قلّ أن ينالوه بغير هذا الإقليم، والخاصّة والعامة تعامل بحسب ما بلته من نصح سليم، وترك لما بالأيدي وتسليم، وتدبير عاد على عدوّهم بالعذاب الأليم، إلّا من أبدى السلامة وهو من إبطان الحسد بحال السّليم، ولا ينكر ذلك في الحديث ولا في القديم. لكن النفس منصرفة عن هذا الغرض، ونافضة يدها من العرض، قد فوّتت الحاصل، ووصلت في الله القاطع وقطعت الواصل، وصدقت لما نصح الفود النّاصل، وتأهّبت للقاء الحمام الواصل، وقلت:
انظر خضاب الشّباب قد نصلاوزائر الأنس بعده انفصلا
ومطلبي والذي كلفت بهحاولت تحصيله فما حصلا
لا أمل مسعف ولا عملونحن في ذا والموت قد وصلا
والوقت إلى الإمداد منكم بالدّعاء في الأصائل والأسحار، إلى مقيل العثار، شديد الافتقار، والله ﷿ يصل لسيدي رعي جوانبه، ويتولّى تيسير آماله من فضله العميم ومآربه، وأقرأ عليه من التّحيّات، المحمّلة من فوق رحال الأريحيّات، أزكاها، ما أوجع البرق الغمائم فأبكاها، وحسد الروض جمال النّجوم الزّواهر فقاسها بمباسم الأزهار وحكاها، واضطبن هرم اللّيل عند الميل عصا الجوزاء وتوكّاها، ورحمة الله تعالى وبركاته.
وخاطبت الفقيه الرئيس أبا زيد بن خلدون لما ارتحل من بحر ألمرية، واستقرّ ببسكرة عند الرئيس بها أبي العباس ابن مزنى صحبة رسالة خطّبها أخوه أبو زكريا، وقد تقلّد كتابة الإنشاء لصاحب تلمسان، ووصل الكتب عنه من إنشائه:
بنفسي وما نفسي عليّ بهينةفينزلني عنها المكاس بأثمان
حبيب نأى عنّي وصمّم لا ينيوراش سهام البين عمدا فأصماني
وقد كان همّ الشّيب، لا كان، كافيافقد آدني لمّا ترحّل همّان
شرعت له من دمع عيني موردافكدّر شربي بالفراق وأظماني
وأرعيته من حسن عهدي حميمهفأجدب آمالي وأوحش أزماني
حلفت على ما عنده لي من رضىقياسا بما عندي فأحنث أيماني
وإنّي على ما نالني منه من قلىلأشتاق من لقياه نغبة ظمآن
سألت جنوني فيه تقريب عرشهفقست بجنّ الشوق جنّ سليمان
إذا ما دعا داع من القوم باسمهوثبت وما استثبتّ شيمة هيمان
وتالله ما أصغيت فيه لعاذلتحاميته حتى ارعوى وتحاماني
ولا استشعرت نفسي برحمة عابدتظلّل يوما مثله عبد رحمان
ولا شعرت من قبله بتشوّقتخلّل منها بين روح وجثمان
أمّا الشّوق فحدّث عنه ولا حرج، وأمّا الصّبر فاسأل به أيّة درج، بعد أن تجاوز اللّوى والمنعرج، لكنّ الشّدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله الأرج، وأنّى بالصّبر على أبرّ الدّبر، لا بل الضرب الهبر، ومطاولة اليوم والشّهر، تحت حكم القهر؟ وهل للعين أن تسلو سلوّ المقصر، عن إنسانها المبصر، أو تذهل ذهول الزّاهد، عن سرّها الرّائي والمشاهد؟ وفي الجسد بضعة يصلح إذا صلحت، فكيف حاله إذا رحلت عنه ونزحت، وإذا كان الفراق وهو الحمام الأول، فعلام المعوّل؟ أعيت مراوضة الفراق، على الرّاق، وكادت لوعة الاشتياق، أن تفضي إلى السّياق:
تركتموني بعد تشييعكمأوسع أمر الصّبر عصيانا
أقرع سنّي ندما تارةوأستميح الدمع أحيانا
وربما تعلّلت بغشيان المعاهد الخالية، وجدّدت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية، أسأل نون النّوى عن أهليه، وميم الموقد المهجور عن مصطليه، وثاء
الأثافي المثلّثة عن منازل الموحّدين، وأحار بين تلك الأطلال حيرة الملحدين، لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. كلفت لعمر الله، بسال عن جفوني المؤرقة، ونائم عن همومي المتجمّعة المتفرّقة، ظعن عن ملال، لا متبرّما مني بشرّ خلال، وكدّر الوصل بعد صفائه، وضرّج النّصل بعد عهد وفائه:
أقلّ اشتياقا أيّها القلب ربّمارأيتك تصفي الودّ من ليس جازيا
فها أنا أبكي عليه بدم أساله، وأنهل فيه أسى له، وأعلّل بذكراه قلبا صدعه، وأودعه من الوجد ما أودعه، لمّا خدعه، ثم قلاه وودّعه، وأنشق ريّاه أنف ارتياح قد جدعه، وأستعديه على ظلم ابتدعه:
خليليّ، هل أبصرتما أو سمعتماقتيلا بكى، من حبّ قاتله، قبلي؟
فلولا عسى الرجاء ولعلّه، لا بل شفاعة المحلّ الذي حلّه، لمزجت الحنين بالعتب، وبثثت كتائبه كمناء في شعاب الكتب، تهزّ من الألفات رماحا خزر الأسنّة، وتوتّر من النّونات أمثال القسيّ المرنّة، وتقود من مجموع الطّرس والنّقس بلقا تردي في الأعنّة. ولكنه أوى إلى الحرم الأمين، وتفيّأ ظلال الجوار المؤمّن من معرّة العوار عن الشمال واليمين، حرم الخلال المزنيّة،
والظّلال اليزنيّة، والهمم السّنيّة، والشّيم التي لا ترضى بالدّون ولا بالدّنيّة، حيث الرّفد الممنوح، والطّير الميامن يزجر لها السّنوح، والمثوى الذي إليه مهما تقارع الكرام على الضّيفان حول جوابي الجفان الميل والجنوح:
نسب كأنّ عليه من شمس الضّحىنورا ومن فلق الصباح عمودا
ومن حلّ بتلك المثابة فقد اطمأنّ جنبه، وتغمّد بالعفو ذنبه. ولله درّ القائل:
فوحقّه لقد انتدبت لوصفهبالبخل لولا أنّ حمصا داره
بلد متى أذكره تهتج لوعتيوإذا قدحت الزّند طار شراره
اللهمّ غفرا، لا كفرا، وأين قرارة النّخيل، من مثوى الأقلف البخيل، ومكذبة المخيل؟ وأين ثانية هجر، من متبوّإ من ألحد وفجر؟
من أنكر غيثا منشؤهفي الأرض فليس بمخلفها
فبنان بني مزنى مزنتنهلّ بلطف مصرّفها
مزن مذ حلّ ببسكرةيوما نطقت بمصحّفها
شكرت حتى بعبارتهاوبمعناها وبأحرفها
ضحكت بأبي العباس من الأيام ثنايا زخرفها
وتنكّرت الدنيا حتىعرفت منه بمعرّفها
بل نقول: يا محلّ الولد لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
، لقد حلّ بينك عرى الجلد، وخلّد الشوق بعدك يا ابن خلدون في الصّميم من الخلد.
فحيّا الله زمنا شفيت برقى قربك زمانته، واجتليت في صدف مجدك جمانته، ويا من لمشوق لم تقض من طول خلّتك لبانته، وأهلا بروض أظلّت أشتات معارفك بانته، فحمائمه بعدك تندب، فيساعدها الجندب، ونواسمه ترقّ فتتغاشى،
وعشيّاته تتخافت وتتلاشى، [ومزنه باك] وأدواحه [في ارتباك، وحمائمه] في مأتم ذي اشتباك، كأن لم تكن قمر هالات قبابه، ولم يكن أنسك شارع بابه، إلى صفوة الظّرف ولبابه، ولم يسبح إنسان عينك في ماء شبابه. فلهفي عليك من درّة اختلستها يد النّوى، ومطل بردّها الدهر ولوى، ونعق الغراب ببينها في ربوع الجوى، ونطق بالزّجر فما نطق عن الهوى. وبأي شيء يعتاض منك أيتها الرياض، بعد أن طمى نهرك الفيّاض، وفهقت الحياض؟ ولا كان الشّانىء المشنوء، والجرب المهنوء، من قطع ليل أغار على الصّبح فاحتمل، وشارك في الذّمّ الناقة والجمل، واستأثر جنحه ببدر النادي لما كمل. نشر الشّراع فراع، وأعمل الإسراع، كأنما هو تمساح النّيل ضايق الأحباب في البرهة، واختطف لهم من الشّطّ نزهة العين وعين النّزهة. ولجّج بها والعيون تنظر، والغمر عن الاتباع يحظر، فلم يقدر إلّا على الأسف، والتماح الأثر المنتسف، والرجوع بملء العيبة من الخيبة، ووقر الجسرة من الحسرة. إنما نشكو إلى الله البثّ والحزن، ونستمطر من عبراتنا المزن، وبسيف الرجاء نصول، إذا شرعت لليأس أسنّة ونصول:
ما أقدر الله أن يدني على شحطمن داره الحزن ممّن داره صول
فإن كان كلم الفراق رغيبا، لمّا نويت مغيبا، وجلّلت الوقت الهنيّ تشغيبا، فلعلّ الملتقى يكون قريبا، وحديثه يروي صحيحا غريبا. إيه شقّة
النّفس كيف حال تلك الشّمائل، المزهرة الخمائل؟ والشّيم، الهامية الدّيم، هل يمرّ ببالها من راعت بالبعد باله؟ وأخمدت بعاصف البين ذباله؟ أو ترثي لشؤون شأنها سكب لا يفتر، وشوق يبتّ حبال الصّبر ويبتر، وضنى تقصر عن حلله الفاقعة صنعاء وتستر، والأمر أعظم والله يستر. وما الذي يضيرك؟ صين من لفح السّموم نضيرك، بعد أن أضرمت وأشعلت وأوقدت وجعلت، وفعلت فعلتك التي فعلت، أن تترفّق بذماء، أو تردّ بنغبة ماء أرماق ظماء، وتتعاهد المعاهد بتحيّة يشمّ عليها شذا أنفاسك، أو تنظر إلينا على البعد بمقلة حوراء من بياض قرطاسك، وسواد أنفاسك، فربما قنعت الأنفس المحبّة بخيال زور، وتعلّلت بنوال منزور، ورضيت لمّا لم تصد العنقاء بزرزور:
يا من ترحّل والرياح لأجلهتشتاق إن هبّت شذا ريّاها
تحيي النفوس إذا بعثت تحيةفإذا عزمت اقرأ وَمَنْ أَحْياها
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع